قبل أيام اجتمع الأهل والأصدقاء ليغنّوا مع سحر «هابي برث داي» وليقولوا لها عقبال المية سنة، رغم قناعة الجميع أن أمنياتهم لها قد لا تتحقق، لكنهم في قرارة أنفسهم يأملون أن يمدّ الله في عمرها وتكسر حاجز الأشهر القليلة التي حدّدها لها الأطباء.

175 يوماً وأكثر بقليل منذ وصولها إلى الأراضي الأميركية، بغية الاستقرار فيها لسنوات محدودة، ومتابعة علاج سحر من السرطان الذي حاربته 15 مرة، وانتصرت عليه مرتين، لكنه هذه المرة سجل ضربته القاضية بعدما انتشر في جسمها وسيطر على الرأس والعمود الفقري.

سحر طه، نخلة بغداد وسيدة العشق الإلهي، صنعت مجدها بنفسها، وبمحبة الأهل والأصدقاء، وشقّت طريق الفن والإعلام بثقة والتزام، حتى استطاعت أن تبني لنفسها مكانة مرموقة.

لم تكن تبحث عن الشهرة ولم تقبل بأن يتحوّل فنها إلى السوق التجارية، كانت تتأنى في اختيار حفلاتها، وتبتعد عن سهرات المطاعم والفنادق. وتحصرها بالمهرجانات والجمعيات والمسارح فقط.

خمسة وعشرون عاماً وأكثر من الموسيقى والغناء والنقد الموسيقي، سجّلت لها أكثر من 60 حفلاً في 14 دولة في العالم العربي وأوروبا، وأنجزت خلالها ست اسطوانات غنائية (سي دي) وكتابين هما «مقامات بغدادية» و«من القلب إليهم». وهناك أربعة كتب جاهزة للطبع.

لا أصدق حتى الآن أن سحر رحلت. ولا أصدق أنني سأفارق من رافقتها ورافقتني 40 عاماً وأكثر في شتى مراحل الحياة. واجهنا الحروب، وحطّمنا الصعاب، شاركتني في صناعة أحلامي، وشاركتها أمنياتها وطموحها.

لا أصدق أننا لن نجول العالم سوية بعد الآن، لن نضحك ونمرح ونفرح ونحزن معاً.

كنت ما زلت أؤمن بأن معجزة ما ستحدث، وأن سحر ستنهض في الصباح من فراشها، وترمي المرض وراءها.

ما زلت أتخيّلها أمامي بنشاطها وحركتها وابتسامتها.

سحر اصمدي، تحدّي الموت، أرفضيه وابقي معنا!.. لكن إنهار كل شيء.

بعد وصولنا بثلاثة أيام إلى ميشيغن، أصيبت سحر بجلطة في الرجل اليسرى، وكانت قد أصيبت قبل عام بجلطة في نفس الرجل. ما أدّى إلى انتفاخها وعدم قدرتها على الوقوف والسير.

ثم توالت الإصابات من ضعف في الأعصاب وكسل في الكليتين وانخفاض في الضغط والتهاب في الدم.

الكرسي المتحرّك

وكانت المرحلة الثانية عبر الكرسي المتحرّك والعلاج الفيزيائي الذي تجاوبت معه بعد أكثر من شهر وتحسّنت حركتها ونشاطها وعاودت الوقوف والانتقال من الفراش إلى الكرسي، لنفاجأ بعدها بتعطّل حركة يدها اليسرى، والسبب انتشار المرض من الرجل إلى الرقبة والعمود الفقري، وخضعت لجلسات أشعة خففت أوجاعها وعادت للعلاج الفيزيائي، لنعود ونكتشف أن الورم لم يتوقف بل تابع اتنشاره وبسرعة إلى الرأس وأدخلها في غيبوبة لمدة 30 ساعة عادت بعدها للحياة، ربما لأنها رفضت أن تغادر هذه الدنيا قبل أن تقول وداعأً لأولادها وأهلها وأصدقائها الذين توافدوا لزيارتها من كل أنحاء العالم.

وقرر الأطباء أنه لم يعد بالإمكان إجراء أي علاج لها وأنها دخلت مرحلة الوضع الميؤوس منه، وبتقديرهم أن الأمر لن يستمر أكثر من أسابيع وربما أيام.

الطبيب صارحها.. فابتسمت

سحر ابتسمت للطبيب وهو يبلغها مباشرة بقرب رحيلها، ويدعوها لأن تبحث عن الراحة، وأن لا تتعب نفسها بشيء، وقالت له لا اعتراض على القدر. وعندما أتت طبيبة علم النفس التي كانت تشجّعها على مقاومة المرض، ورأت العائلة والأصدقاء مجتمعين حولها، قالت لها استمتعي برفقة الجميع حولك، فالحياة لم يعد فيها الكثير. فابتسمت سحر ثانية وقالت: سأفرح بمَن حولي حتى آخر نَفَسْ.

غريب أمر الأطباء في هذا البلد، لا يتردّدون في قول كل شيء للمريض، مهما كانت حالته، ربما شخص آخر غير سحر، كان إنهار من التشاؤم الذي يفرضونه عليه بينما بقيت هي مبتسمة متفائلة ومؤمنة بثقتها بنفسها وبربها، وبما قد تؤول إليه الأمور.

سحر كانت تتحدث كل يوم إلى والدتها عبر الهاتف وتقوّي نبرة صوتها عندما تسمع صوت أمها. سحر بعد خمسة أشهر في المستشفيات ومراكز العلاج، تعبت من الإقامة خارج بيتها فأصرّت وسعينا لتلبية رغبتها بالخروج من المستشفى إلى البيت، خاصة بعد أن وصلت حفيدتها الجديدة «نيا سحر طه» الصغيرة من فنلندا ولم يسمح لها بدخول المستشفى.

الصغيرة

فرحة سحر الكبيرة بسحر الصغيرة كانت مميزة مدهشة وجميلة، أعطتها القوة للتغلّب على الوجع وأنعشت قلبها بالفرح والمحبة.

سحر فرحت بالحفيدة وبالعودة إلى البيت وما زالت تمني النفس أن تنجح مساعينا بإعادتها حيّة إلى لبنان، لتودّع الحياة فيه بين أصدقائها وأهلها وأحبابها، ورغم صعوبة ذلك فهي لا تستطيع العودة على كرسي عادي أو متحرك وإنما على حمالة، ولم نجد شرطة طيران تقبل بذلك.

غريب أن يكون التقدم في الكون قد وصل إلى أمور عجائبية ويبقى عاجزاً عن نقل مريض من بلد إلى آخر محمولاً..

ما جدوى العلاج

علاقة سحر بالأحفاد، علاقة مميزة، فعندما ولدت حفيتها الأولى «نورا طه» وكانت في نهاية علاجها الفيزيائي وعذاباته كتبت على صفحتها على الفايسبوك: «كنت أحدّث نفسي في الأوقات الصعبة ما جدوى العلاج وتحمّل عواقبه وآلامه وبالنتيجة اننا سائرون جميعاً نحو نهاية معروفة، فلأذهب اليوم وأنا بلا ألم أفضل من الانتظار إلى الغد مع الألم».

«ثم تزوج ابني البكر محي مستقراً مع زوجة اختارها بنفسه ليتشاركا معاً في مسيرة الحياة. وحين عاودني المرض عاودتني نفس الآلام والتساؤلات. لكن حين وُلدت نورا حفيدتي، حمدت الله لأنه أمدّ بعمري لأرى حفيدتي، وكانت فرحة لا أعرف وصفها وعندما حملتها عرفت تلك المشاعر التي يقولون عنها «ما أعزّ من الولد إلّا ولد الولد» فأهلاً بأميرتنا الصغيرة».

سحر في معاناتها خضعت لستين جلسة إشعاع خلال الـ15 سنة وعمليتين كبيرتين جراحيتين، و(30) عملية جراحية «بالناضور» و62 جلسة علاج كيميائي.

سيدة الوجع

سيدة الألم والوجع أنتِ يا حبيبتي تحمّلت ما لا يستطيع الأقوياء تحمّله بصبر من أجل أن تبقي للعائلة وتفرحي بالأحفاد.

الفنانة

سحر طه امرأة فنانة مميزة وقوية، واجهت كل مصاعب الكون وهي تغنّي من لحظة وصولها إلى بيروت، أغاني الحرب الأهلية في حزيران 1980 التي تعايشها مع حرب العراق والذي ولّد القهر منها، مرض صارعته خمسة عشر عاماً وكانت ما تزال تأمل أن تصرعه قبل أن يصرعها..

سحر واجهت كل ذلك وهي تغني للإنسان، للوطن، للحياة.

شعرها الحرير

فقدانها شعرها الحرير الأسود الطويل، الذي كان يميّز شكلها وتعتبره هويتها أحزنها كثيراً.

عندها أبلغها الطبيب عام 2007 بأنها ستفقد شعرها مع العلاج الكيميائي وأنه ينصحها بأن تقصه وتحتفظ به، صمتت وهزّت برأسها، وعندما صعدنا إلى السيرة أجهشت بالبكاء. سحر بكت طويلاً لحزنها على فقدان شعرها لكن حزنها عليه لم يكن بقدر حزنها على وطنها، فقالت في احدى لقاءاتها: «إذا كان فقدان شعري قد أبكاني أمام كاميرات التلفزيون مرة، فقد أبكاني العراق مراراً طوال عمري وما زال يبكيني». لأن محنتنا في العراق لا تبدو لها نهاية.

علاقة الإنسان بالأوطان لا تخضع للمعادلات الرياضية، ومعادلات الربح والخسارة، لما لها من قيمة روحية وعاطفية في التكوين الوجداني والإنساني، هكذا كانت سحر ترى الأمور.

قدمت لأكثر من عشر سنوات كل أنماط التراث العربي الغنائي إلى أن استقرّت أواسط التسعينيات على اللون التراثي العراقي الذي يلائم خامتها الصوتية ويثري وجدانها الفني. وتقول «الموسيقى منحتني قوة في مواجهة المرض، ووجدت الهدوء في الموسيقى الصوفية، والوجدان في الموسيقى التراثية».

سحر في آخر لقاء لها في إذاعة مونت كارلو في باريس قبل أعوام، قالت للإعلامية المستضيفة غابي لطيف: «جعلتني تجربة المرض أفكر إنسانياً أكثر، أفكر بالآخر أكثر، أشعر بمشاعر الآخرين أكثر، كما أن متطلبات الحياة التي أصبحت كثيرة اليوم لم تعد تهمني، فأولويتي اليوم هي عائلتي وأولادي، ثم العناية بصحتي، واستعادة نشاطي الموسيقي، وشغف العودة للمسرح والغناء والتلحين، لا يفارقني وهو ما يدفعني إلى تحدّي المرض بمتابعة مشواري الفني».

وعندما كرّمها الأصدقاء في الجالية اللبنانية والعراقية وأصدروا لها طابعاً بريدياً في ميشيغن لمحاربتها السرطان، أرسلت بطاقات بريدية للجميع عليها الطابع وكتبت رسالتي إلى عائلتي وأطبائي ومَن يعاني من المرض الخبيث: «الإرادة عند الإنسان هي أهم ما يسمح له بمواجهة المواقف الصعبة، إن لم تكن عند الإنسان إرادة صلبة للشفاء وتحدّي المرض وللاستمرار في الحياة، فسيقع في دوامة صعب الخروج منها حتى ولو كانت عائلته إلى جانبه فعندما نشعر باليأس لا تنفع أي مساعدة من الآخرين. لكن إن ساعدنا أنفسنا، فسنتحدّى المرض ونتمكن من الاستمرار. وللمفارقة أن إنتاجي الموسيقي تزايد بعد المرض فقد لحنت أكثر وأصدرت اسطوانات أكثر وكتب أكثر مما فعلت قبل المرض».

تقول سحر «إصابتي بالسرطان قرّبتني من الله أكثر وجعلتني أرضى بقضاء الله وقدره، وحتى في لحظاته الأخيرة صدقوني أشعر بالهدوء والسكينة خصوصاً وأن العائلة مجتمعة حولي والأصدقاء، رغم غربتني وبُعد المسافة، وكم أتمنى لو أستطيع العودة إلى لبنان لأكون بقرب بقيّة العائلة والأصدقاء الذين لم ينقطعوا عني يوماً بالصوت والصورة، بفضل التكنولوجيا الحديثة».

(خاص "المستقبل")