على الرغم من الطابع الفردي للإشكال المسلح الذي شهده مخيم المية ومية في صيدا يوم السبت، إلا إنه لا يمكن النظر إلى ما جرى بمعزل عن الأجواء الأمنية المُلتبسة التي يعيشها المخيم منذ أكثر من ثلاثة أسابيع.

حجم إطلاق النار الذي تخللته قذائف صاروخية ومشهد الظهور المسلّح الكثيف في بعض أحيائه، وما أثاره من حالة هلع وذعر لدى أبناء المخيم ودفع عدد من عائلاته للنزوح خوفاً من تطور الأمور، ومن تنامي حالة القلق والمخاوف في جوار المخيم بكل تنوعه، كل ذلك دفع بالقوى الفلسطينية المؤثرة في الساحة الفلسطينية على صعيد لبنان وبضغط لبناني (أمني من قبِل بعض الأجهزة الأمنية اللبنانية، وسياسي من قبل حزب الله) للمسارعة إلى تطويق تداعيات ذلك الإشكال وتسليم مفتعليه «صالح غ.» المحسوب ضمناً على أنصار الله و«سامر م.» أحد مسؤولي الأمن الوطني الفلسطيني التابع لحركة فتح.

الأحداث الدراماتيكية في مخيم المية ومية كانت بدأت في 18 تموز الماضي، بعد تداول بعض وسائل التواصل الاجتماعي معلومات تتحدث عن حادث أمني كبير كاد أن يقع في المخيم، وأن الجهة المستهدفة هي تنظيم أنصار الله، وأن الجهاز الأمني للتنظيم أفشل هذا المخطط. ولاحقاً كشف النقاب عن اسم الشخص المشتبه به بالتحضير لهذا العمل. وفي 22 تموز وجد هذا الشخص وهو الفلسطيني بلال زيدان (وينتمي لحركة أنصار الله نفسها) مقتولاً داخل المخيم. وأصدرت الحركة في أعقاب ذلك بياناً أشارت فيه إلى أن المذكور شنق نفسه داخل غرفته بعدما رفض تسليم نفسه إثر قرار القيادة بتسليمه للدولة اللبنانية.

ومنذ ذلك التاريخ، بدأ المخيم يشهد بين الحين والآخر حالات من الاستنفار غير المُعلن داخل صفوف كل من «أنصار الله» و«فتح»، سرعان ما حولتها الشائعات والأخبار المتناقلة عبر وسائل التواصل الاجتماعي إلى مادة دسمة لتعزيز حالة الخوف والقلق لدى أبناء المخيم من انفلات الأمور على غاربها أمنياً داخل المخيم، فأصبحوا يتأهبون لمغادرته من كل طلقة رصاص أو خبرية عبر «واتس اب» عن إشكال هنا أو استنفار هناك أو توتر هنالك. قبل أن تعود اللجنة الشعبية في المخيم والتي تتمثل فيها فتح وأنصار الله إلى جانب حماس وقوى أخرى، فتطمئن الأهالي إلى أن الأمور لا تدعو للقلق، واضعة ما يتم تداوله في إطار الشائعات.

وترى أوساط فلسطينية مطلعة أن مخيم المية ومية يشهد منذ سنوات نوعاً من الخلل في توازن القوى الرئيسية فيه، بين حركة فتح وحركة حماس وحركة أنصار الله، لصالح الأخيرة التي تُشير هذه الأوساط إلى أنها فقدت الغطاء «المالي» الكافي الذي كان يوفره لها حزب الله، فراحت تحاول التعويض عنه بإثبات حضورها كقوة لا يمكن الاستغناء عنها «لا فلسطينياً ولا لبنانياً». ومن ذلك حرص أنصار الله على الإمساك بزمام الأمور في مخيم المية ومية – على الأقل، كما حرصها على التواصل مع كل الأطراف فلسطينياً وسفارة فلسطين في لبنان بالدرجة الأولى، وكذلك مع الجانب اللبناني عبر قنوات سياسية أو حزبية أو أمنية.

أما فتح فتبدو اليوم في موقع من يريد استعادة زمام المبادرة في مخيم المية ومية وهي نجحت في ذلك إلى حد ما، بعد ما اعتبره البعض تراجعاً تدريجياً في دورها في المخيم وخصوصاً عسكرياً منذ اغتيال مسؤولها في المخيم فتحي زيدان «الزورو» قبل عامين بعبوة ناسفة استهدفت سيارته قرب مخيم عين الحلوة. فيما تحرص حركة حماس على أن تبدو في موقع المحايد بين فتح وأنصار الله، وفي موقع المنحاز لمصلحة أمن واستقرار المخيم، وإن كانت بالتوجه السياسي - بطبيعة الحال - لا تتلاقى مع فتح.

البعض يرى أن الكل في المخيم حريص على عدم تطور الأمور إلى مواجهة مسلحة مفتوحة، لكن البعض الآخر يرى أن السؤال ليس «هل ستقع معركة أم لا؟» وإنما «متى ستقع هذه المعركة؟».. التي يعتبر هذا البعض أنها واقعة لا محالة لكنها مؤجلة إلى حين، وفق ما توحي كل المعطيات الميدانية.

ويبقى التساؤل الذي يطرح نفسه، أيهم يخاف أو يتوجس من الآخر أكثر، فتح أم أنصار الله أم حماس، أم أن أهالي وأبناء المخيم باتوا هم من يتوجسون من أي خلاف بين هذه وتلك أن يودي بمخيمهم إلى التهلكة، وهل يكفي الظهور الإعلامي في صور واجتماعات وبيانات لتبديد تلك المخاوف وتبديل واقع انعدام الثقة بين القوى الرئيسية في المخيم بشيء من الثقة.. وذلك أضعف الإيمان؟.

(خاص "المستقبل")