اغتيل «مهندس الصواريخ الإيرانية»، ومطوّر البراميل المتفجّرة التي استخدمها بشار ضدّ المدنيين السوريين (لا ضدّ داعش ولا إسرائيل!)، في انفجار استهدف سيارته. هذا بات خبراً بائتاً. وكذلك اتهام إيران الموساد الإسرائيلي بقتله.. النظام السوري غيّب الخبر تماماً، خبر هذا «العملاق» العلمي السوري الذي سبق أن أشرف على إدارة مركز البحوث العلمية التابع لوزارة الدفاع في ضواحي مصياف بريف حماة، وكان هذا «البطل» الحربي أيضاً همزة الوصل بين الخبراء الإيرانيين والكوريين الشماليين في مجال تصنيع الأسلحة النووية والكيميائية. بل إنه بالغ بوطنية عالية خدمة لنظامَي بشار وخامنئي، فهو صاحب فكرة «تصنيع البراميل المتفجّرة»، وكان يُشرف على تصنيع صواريخ محلية الصنع شديدة التدمير.

إنه عزيز علي إسبر، عالِم متفوّق، وقائد ميداني محترف في صفوف القوى الرديفة للجيش السوري، إنه العالِم «النووي»، و«الكيميائي» و«البراميلي» حاصل على دكتوراه بالفيزياء الذرية، وبالوقود الصاروخي السائل من فرنسا بالذات.

هذا «العملاق» «المُبدع»، لم يرَ (كسواه من بعض علماء العالم) في تفوّقه واختصاصه العلمي سوى قتل شعبه وتدمير بلاده وإبادة المدنيين، والأطفال والنساء لاعتقاده أن دور العِلم والتطوّر والتكنولوجيا، ليس للسلام، ولا لخدمة الناس، ولا القِيَم، ولا المبادئ. وقد رأى (وهو قائد ميداني!) ما فعلته الأسلحة التي طوّرها وصنعها في وطنه. رآها بأم العين. بحواسه. بعقله. وبثقافته الوطنية المُفترضة. تماماً كما رأى الطيّار الأميركي ملقي القنبلتين الذريتين على هيروشيما وناكازاكي. الفارق بين الإثنين أن الأول هو «الصانع» والثاني هو المنفّذ!

نفع العِلم

إذاً، السؤال: ماذا بات ينفع العِلم إذا استغلته أيدٍ شريرة أو مجرمة سوى الشرّ؟ والسؤال: هذا الذي تفوّق في فرنسا، ما الذي جعله يختار هذه المهمّة، أخدمة للنظام؟ أهي المذهبية؟ أهو المال؟ أهي السادية؟ أهو الشرّ وهو مطلق هنا ومُنفلت من كل إحساس بشري أو حيواني أو حتى وحشي؟ بل ما الذي جعله يعمل مع دولة أجنبية هي إيران، لينسّق معها في تدمير البشر والحجر في بلاده؟

إن عزيز علي إسبر ليس ظاهرة منفردة لا اليوم، ولا أمس، في العالم. ولهذا تُطرح أسئلة حول دور المثقف، والمخترع، والصحافي، والكاتب، والعالِم، والطبيب، والشاعر في أزمنة «الفقدان» وفي أزمنة الأحداث الكبرى، والثورات وكذلك في الظروف العادية؟

مَن يهدي شعره، وعلمه، وثقافته، وإبداعه؟ إلى مَن ينحاز؟ إلى الخير (أي حقوق الناس، ومآسيهم، وذلّهم)، أم إلى الطغاة، والقتلة، والسفاحين، لطموحاتهم القاتلة؟

عرفنا على مرّ التاريخ، أن كثيرين من هؤلاء الذين ذكرنا كانوا «خدّاماً» للطغاة، والغزاة، والمستبدّين.. لقاء حظوة أو مكافأة، أو منصب، أو مُعتقد عنصري، أو مذهبي، أو إيديولوجي، كأن عماءً شاملاً أصابهم، أو نزوات «عارمة» أطفأت عقولهم، وإنسانيتهم. نبدأ بأعظم فلاسفة القرن العشرين وهو هايدغر الذي شقّ ثورات جديدة في الفلسفة تأثر بها سارتر وحنا ارندت، وكثيرون سواهما. هذا العبقري في الفلسفة من العقل والحكمة والتوازن.. ينحاز إلى هتلر، ينخرط في صفوف النازية بطريقة مباشرة (كما بيّنت في الفترة الأخيرة وثائق «الأوراق السوداء» التي اكتشفت). وهذا يعني أن هذا الفيلسوف لم تقل فلسفته شيئاً. فماذا يمكن أن تقول له، إذاً كان قناعاً «حضارياً» لبربرية هتلر؟. أكثر. بعض كبار الشعراء والكتّاب الفرنسيين، كتبوا قصائد مدحية لا سقف لها تمجيداً للطاغية ستالين (أباد نحو 30 مليون روسي)، ومن هؤلاء أراغون وألويار والروسي ماياكوفسكي. أهي الإيديولوجيا العمياء هنا؟ نعم! لأن كل إيديولوجيا هي العماء والصمم. أوليس «تقديس» بعض فلاسفة فرنسا الكبار كميشال فوكو وسارتر، وسيمون دوبوفوار وصولاً إلى المخرج الكبير غودار.. ماو تسي تونغ، وزيارة بعضهم بكين لتقديم فروض «العبادة» لـ«نبيّهم» الإيديولوجي الجديد، والتبرُّك منه، تزامناً مع «ثورته الثقافية» التي تسببت مع «القفزة الكبرى» قبلها بقتل نحو 30 مليون صيني بأيدي أدوات النظام، وبسبب الجوع (وراجت أثناء الثورة ظاهرة ذبح البشر والأطفال وأكلهم) حوّلتم الثورة الماوية آكلة لحوم البشر. والغريب أن الفلاسفة والكتّاب الذين ذكرنا انبهروا أيضاً بقائد «الخمير الحمر» بول بوت، قاتل الملايين ومدمّر المدن.. باعتباره علامة إيديولوجية جديدة خدمة للبروليتاريا، أو لأفكاره. (تبنّى نهج ماو تسي تونغ بكفاءة إجرامية عالية). وقد يُصدم القارئ (غير الملمّ) بأن جريدة «لوموند» الفرنسية، ومجلة «لونوفيل أوبسرفاتور»، وكذلك مجلة فيليب سولرز «تل كل» الطليعية، منعت كل إشارة أو مقالة أو تحليلاً سلبياً ضدّ ماو تسي تونغ.. باعتباره «وجه المستقبل» العالمي المشرق، أو «قديس الأزمنة الآتية»، وأن كل من ينتقده مجرد عميل أميركي!

النخب

فمَن ذكروا ليسوا أناساً عاديين. بل يفيضون بالعلوم، والإبداع، ولا نتكلم هنا على الناس البسطاء ذوي الثقافة المحدودة، والوعي الضروري. وقد عرف القرن العشرون (وقبله عدة قرون) حربين عالميتين مدمّرتين. في أوروبا صانعة الحداثة والتنوير والنهضة والديموقراطية والمجتمعات المدنية. ونسأل: «أين ذهب كل هذا ليبقى في عقول بعض المثقفين والعلماء ما ينفي وجودهم نفسه». وإذا تكلمنا عن أوروبا، فلنشير إلى دلالات ظواهر الانقلاب على الذوات العاقلة، والطبيعية، فما بالك إذا تناولنا علاقة بعض المثقفين العرب الكبار، من شعراء وفنانين ومسرحيين و«دكاترة»، ومتعلمين، (أي الصفوة المختارة)، بالأنظمة الاستبدادية المعروفة بظلمها وجنونها وعنفها وبربريتها. السؤال ذاته كيف نفسّر تهافت هؤلاء المثقفين على أبواب السلطة، والبلاطات، والرؤساء، والقصور، الذين لا يرون أنفسهم بأقل «آلهة الأرض» (على حد تعبير جبران خليل جبران). ماذا يمكن أن يتبقى لشاعر أو مفكر، أو صحافي، أو كاتب أو عالِم، إذا باع كل شيء يجيزه للسلطان، أو الطاغية، عندما ينظم قصائد المديح، والتزلّف، لهؤلاء؟ كيف يمكن أن يصوّر شاعر ما أو صحافي هؤلاء الدكتاتوريين كمنقذين للشعب، وحماة للحرية، ودروع للديموقراطية، ورموز للوطنية؟ مئات الصحافيين والمبدعين، قدّموا خبراتهم، وثقافاتهم إلى طغاة العرب، وكانوا (وما زالوا) يطأطئون جباههم تسوّلاً، وشحادة، على أعتابهم!

أكثر! اليوم نعيش عصراً، لا هو «بديني»، ولا بإيديولوجي ولا بتنويري، نعيش اليوم عصر التفكك في العالم. عصر التنكر لكل القيم التي صنعت الحضارات الجديدة، لتحل محلها المذهبية، والطائفية، والعنصرية، ومجّ العقلانية، ومحو حس البديهيات، في أوروبا (أوربان)، ماي، لوبان، وصولاً إلى ترامب، وخامنئي (وتوابعه) وأردوغان وسلطانيته. أهل الماضي الميت يستعيدونه أكثر مواتاً.. تجمع بينهما ثقافة الانعزال والانطواء والكراهية للغرباء، والمهاجرين والإسلام، ولا ننسى نتنياهو وصهيونيته «القومية اليهودية»، كلهم على خط واحد من العدوانية.. و«المذهبية» والمجتمعية الفاسدة، والدكتاتورية الجوفاء..

لبنان

لبنان لم ينجُ. بل تعود «أصوله» الطائفية إلى نحو 175 عاماً: صنيعة الاستعمار «فرّق تسدْ»، كأنما صارت هويته الأساسية «الما فوق» الوطن، والأرض، والتناحر، والنزاع وروح التقسيم، والكانتونية.

لكن هبّت رياح النهضة العربية، والأفكار التنويرية في فترة قصيرة ما بين الاستقلال الأول وحروب الآخرين عليه: عادت الطائفية بأقوى، وأوسع، وأكثر عنفاً وتقسيماً في الحرب: كانتونات وجدران فاصلة رسمتها الأحزاب المتناحرة. لكن ما زاد الطين بلّة أن المثقفين الذين كانوا خميرة وحدته وديموقراطيته الناشئة، ها هم ينزعون جلودهم المدنية والتقدمية واليسارية والليبرالية ويمخرون عباب «موسم الهجرة إلى طوائفهم». عادوا كالأبناء الضالين إلى نقاط الصفر، وها هم يستخدمون ما حصلوا عليه من ثقافات سياسية منفتحة لترسيخ الطائفية وتبريرها، والتوزع العشوائي بين نواحيها، يشاركون أحزابها (المرتهنة بالخارج): لكل طائفة مربط خيلها هنا أو هناك.. اندثر دور المثقف، وها هو في مقدم الخارجين على القِيَم السياسية التي تصنع من الوطن حراً، ومستقلاً، وعادلاً. خدّام الطغاة الصغار والكبار: يبيعون آراءهم ومواقفهم في المواسم العالية، فبات لبنان عارياً مستفرداً، مشلولاً، فارغاً، شاغراً: المثقف الذي كان يدافع عن الحرية، بات يبرّر نشاز طائفته، بانفصالاتها، وعنفها.. وارتباطاتها.

ثقافة الخراب صارت. ثقافة اللاوطن: الطائفة فوق الوطن، والطائفية إيديولوجيتها.. وها نحن اليوم في زمن ما بعد الحرب، نستمر في حروب الجاليات المذهبية، وهي حروب الخارج على كيانات الداخل. ولم يتبقَ من المثقفين ذوي الهوية الوطنية المدنية سوى حُفن، وشظايا.

هم وإسبر

وكما استعمل إسبر ثقافته العلمية في صنع القتل، ها هم المثقفون يستعملون «معارفهم» السابقة في صنع الانتماءات المزيفة: هناك عند إسبر براميل متفجّرة تقتل الأبرياء، والعُزل، وهنا مثقفون يدافعون عن أصحابها: التقى القتل في طرفَيه: الثقافي والعلمي.

بل وصلت بالمثقفين الأمور إلى تطييف البنى التعليمية، فتم غزو الجامعة الوطنية، فباتت كانتونات ترزح تحت وطأة الأحزاب المذهبية، فمذهبوها، وطيّفوها، وأفرغوها من دورها الوطني والثقافي والمدني: كأنما سقطت آخر القلاع التي تحمي المعرفة، والفلسفة والإبداع، بل أصبحت هذه الجامعة التي خرّجت نُخب الإبداع والعِلم والتربية في السبعينات، مصنعاً للحروب المذهبية القائمة والمقبلة.

هنا بيت القصيد! بل أكثر، عندما بات المثقف خارج متطلبات الثقافة والحرية والانتماء، يخضع لطغيان الميليشيات (السابقة)، والحاضرة (حزب الله)، وينحاز إلى الطغاة: تشاهدون على التلفزيونات هؤلاء المثقفين التقدميين، كيف تحوّلوا أصداء أصوات لبشار وحزب الله، ورؤوس الأحزاب المذهبية، فبات بشار منقذ الشعب السوري، وخامنئي «قدّيس» التواريخ المستقبلية..

الطاعون

ولا نظن أن هؤلاء يختلفون عن «مهندس البراميل المتفجّرة»، والصواريخ المحلية الشديدة الانفجار.. إلاّ بالدرجة: هذا يقتل شعبه، باسم محاربة الإرهاب خدمة للنظامَين الإرهابيين، وهؤلاء.. يعطلون كل أدوات الدفاع، والنهوض عند شعوبهم، ليحتل أهل الكانتونات المُشرذمة محل الدولة، وقيمها، ودورها، واستقلالها، وديموقراطيتها!

فالطاعون المذهبي، جعل من بعض المثقفين بلا عقول، ولا ضمائر، ولا إنسانية، ولا وطن.. جعلهم قتلة.. مجرد قتلة بهويات مزوّرة!

ب.ش