فلوريان زيلر، كاتب مسرحي فرنسي لم يتجاوز التاسعة والثلاثين، سطع نجمه من خلال رائعته «الأب»، والتي قدّمت في 35 لغة و5000 عرض في العالم.

ويبدو أن الموسم الجديد الذي يبدأ في أول الخريف، سيكون أيضاً موسمه، من خلال رائعة جديدة بعنوان «قبل الطيران» ستقدم في لندن من بطولة جوناسان برايس، ثم مسرحية «الأب» في شباط 2019 في المدينة ذاتها، وستقدم في طوكيو، و«الأم» في نيويورك بطولة إيزابيل هوبير.

في باريس ستقدم مسرحية «الابن» في الكوميدي دي الشانزيليزيه مع الممثل المولييري رود بارادو وستيفان فريس.

وقد مُنح الكاتب جوائز عدة في القارات الأربع.

هنا حوار أجرته معه مجلة «لوبوان الفرنسية» نقتطف معظمه!

**********************************************

* كيف يُنظر إلى المسرح الفرنسي في العالم؟

- عاصمة المسرح، فعلياً، هي لندن. وطبعاً نيويورك. بطريقة عامة، فالعالم الأنغلوساكسوني ليس عنده فضول لمعرفة ما يحدث خارج لغته. منذ جان أنوي (كاتب مسرحي فرنسي) لا أعتقد أنه كان هناك أكثر من مسرحيتين أو ثلاث مُثّلت في برودواي.. وهذا يعني أن هناك نوعاً من الجهل بالمسرح الفرنسي.

* والفرنسيون هل هم أكثر انفتاحاً على المسرح الأجنبي؟

- أكثر بقليل. لكن قلّة من الناس تبذل مجهوداً للذهاب ورؤية ما يحدث في الخارج. طبعاً هناك كتّاب كبار أجانب مثل جون فوس، إدوارد بوند، وهارولد بنتر يقدمون هنا بانتظام. لكن الايرلندي مارتن مكدوناغ، والانكليزي نيك باين أو الأميركي كينيث لونرغان، وهم في رأيي أفضل الكتّاب اليوم، ما زالوا مجهولين تماماً في فرنسا.

تسلية

- هل أصبح المسرح «تسلية» للشيوخ؟

- صفوف المسرح في باريس مليئة بالممثلين الشباب الذين يحلمون بالصعود إلى الخشبة والمخرجون الذين تميّزوا في أفينيون هذا العام كطوماس جولي وجوليان غوسلين، هم في الثلاثينات من عمرهم.. طبعاً لا يمكن الذهاب عفوياً إلى المسرح. لا بد أن يكون هناك من يأخذك إليه. في المرة الأولى، ليتاح لك الشعور أنه يحكي عنك.

في مسرحيتي الأخيرة، كان الشخصية الأساسية في السابعة عشرة. «الابن يروي صعوبة العيش عند مراهق. إنه رود بارادو الذي يجسد هذا الصبي الممزّق. بالنسبة إلي إنه ممثل كبير»، كأنه على الخشبة يحمل ناراً في عينيه.

معنى «ممثل كبير»

* ماذا يعني القول «ممثل كبير»؟

- غير خاضع للتحديد. فهو ليس مسألة تقنية وجمالية فقط. مثلاً عندما يدخل روبرت هيرش، كان يحدث شيء خاص، كأنما حضوره يجذبك بطريقة مغناطيسية. كان كل شيء مهماً بالنسبة إليه، صوته، جسمه، طريقته الخاصة في التحرك، واحتلال المكان.. لعب دور مسرحية «الأب»، على امتداد ثلاث سنوات. كان يأتي إلى المسرح في السادسة عشرة، ينزوي في غرفته، ويعيد قراءة نصّه كان يحفظه غيباً. وعندي انطباع أنه في قراءة النصوص وتكرار لينتهي الأمر شيئاً فشيئاً، إلى الاختفاء خلف الظن.. وبحسب ميشال بوكيه (أحد كبار الممثلين الفرنسيين)، فإن الممثل الكبير لا يرتقي الخشبة لكي نراه، بل على العكس لكي يصبح غير مرئي. لكي يختفي خلف الشخصية.

الاختفاء

* تتكلم عن الاختفاء الانتقال من الرواية إلى المسرح، أوَليس شكلاً من أشكال الاختفاء بالنسبة إلى كاتب؟

- أنا لا أحب أن أكون بين الأضواء. للكاتب المسرحي مكان آخر وهو أن يبقى في العتمة، في الكواليس. ويتقدم، عبر الكتاب، مقنّعاً، هذا يناسبني أكثر.. لكن ليس من أجل هذا السبب ذهبت إلى المسرح. لأنه، قبل كل شيء، فن يهزّني.

* روبرت هيرش، ميشال بوكيه.. أشعر بأن لديك ميلاً لتكون محاطاً بأشخاص أكبر منك سناً..؟

- ربّتني جدّتي في بريطانيا، وربما منحني ذلك نوعاً من الحنوّ للأشخاص المتقدمين في السن.. لكن عندما كتبت مسرحية، للممثل روبرت هيرتس، لم أفعل ذلك لأنه كان في الثمانية والثمانين. فعلت ذلك لأنه كان روبرت هيرتس الذي كنت معجباً به.. إنه هو، بجسمه، بصوته، الذي قادني إلى موضوع مسرحية «الأب». لم أكن أنوي معالجة هذا الموضوع. ولم أقل إلا بعد كتابة المسرحية «هذا فعلاً ما أقوله». عشقت مشاطرة كل ذلك معه. كان أكبر سنّاً منّي، لكن لم يكن ذلك معطىً مهماً بيننا: لا أؤمن كثيراً بمفهوم «الجيل». أفضّل مفهوم «الأخوة». هناك كائنات تحسّ أنك متّصل بها، ومعها ترغب العيش أو مشاركة الأشياء. بالطريقة ذاتها عملت مع الممثلة سارة فورستيير عندما كانت في العشرين أو اليوم مع رود بارادو..

المسارح الخاصة

* تقدم مسرحياتك في المسارح الخاصة.. أوليست مقبولة عند الجمهور؟

- عندما كتبت مسرحيتي الأولى، لم أكن أعرف شيئاً عن المشهد المسرحي، كان عنوانها «الآخر»، وقدّمت أولاً في مهرجان قبل أن يُعاد تقديمها في مسرح خاص. لم يكن اختياراً استراتيجياً بالنسبة لي.. إنما حدث ذلك هكذا. لو كنت مخرجاً، لبذلت كل جهودي للعمل هناك، لأنه مكاني لأن الإخراج يمكن أن يتيح كثيراً من الطموح.. لكن عندما تكون المسرحية قوية، يمكن أن تلعب في أي مكان.. إنها حالة معظم البلدان.

- والمسرح، أهو سياسي؟

- في الجوهر، نعم، لأنه كلام يوجه إلى جمهور.. لكن هذا لا يعني أن المسرح وجد ليصنع «سياسة». لا أحب المسرح الذي يكتفي بتأثير أو تصوير الصورة الجامدة عن العالم. بالنسبة إليّ المسرح كان للأسئلة. يستثمر عالماً آخر، أكثر صمتاً، أكثر انفلاتاً، وأكثر خروجاً على الإيديولوجيا.

- أتريد أن تقول إن مسرحياتك لا تقدّم رسالة؟

- تماماً! لا أحب الأعمال الفنية التي تشرح لك بأنّ عليك أن تفكّر أو تحسّ. لا أحمل أي خطاب خاص: الناس يتعاملون مع الأعمال على طريقتهم، أصداء تتكون مع تاريخهم الخاص، إنه شيء جدّ حميمي، وهذا يتم كلياً خارج نيّة الكاتب. ويجب ألاّ ننسى أنه بطبيعته متعدد الأصوات! ليس الكاتب هو الذي يخاطبك، لكن شخصيات. لكلّ صوته، حساسيته ورؤيته للعالم. ويمكن أن تتواجه هذه الرؤى.

ليس للكاتب أن يقوم على صواب أو خطأ. لأن المسرح، ليس للإرشاد والأخلاق.. إنه استنباش لحياة البشر.

رسالة

*إذاً، أليس للمسرح رسالة لوصف العالم المعاصر؟

- أكيد، ومفهوم. لكن انظر إلى مسرحية «شجرة الكرز» لتشكيوف. إنه وصف مشوّق لوضع اجتماعي وتاريخي محدد: يصف عبور عالم إلى آخر. إنها كل روسيا التي تدخل في القرن العشرين. مع هذا عندما تمثّل تشيكوف اليوم، إن ما يؤثر فينا، أن مسرحيته تلتقط شيئاً ما من النفس الإنسانية. إنما نرى أنفسنا على الخشبة. ولهذا فمسرحيته كلاسيكية ومكرّسة.

تشيكوف

* أتظنّ أن الناس لم يتغيّروا منذ تشيكوف؟

- المواقف لم تعد ذاتها، لكن المخاوف ذاتها، والآمال ذاتها، والمشاعر ذاتها، وربما التناقضات ذاتها التي تحرّك الكائنات. ولهذا يبقى المسرح الكلاسيكي نوعاً من القراءة السحرية للعالم المعاصر.

* إذاً، لِمَ كتابة مسرحيات معاصرة؟

- هناك أوضاع جديدة لا يمكن استجلاؤها إلا بنصوص جديدة. مثلاً في مسرحيتي «الابن»، تتعلق المسألة بكآبة صبي شاب تطلّق أبواه، وبدأ يهمل المدرسة، ويهمّش نفسه ويعرّض نفسه للخطر: إنه وضع يتعلق بكثير من الناس. مع هذا، لا يتم الكلام عن ذلك. حول هذه القضية البسيكولوجية، وحتى المرضية النفسية، المرتبطتين بالمراهقة، هناك كثير من الجهل والعار. وكان يهمّني أن أقدّمها وأسائلها.. أو كل ما يحدث اليوم بين النساء والرجال بين قضية ونيستين.. هذا يغيّر بالضرورة الطريقة التي يخاطب الناس بها بعضهم ويعبّرون عن رغباتهم. يمكن للمسرح أن يضيء على هذه التغيرات، وخصوصاً المفارقات التي ينتجها.

* برغم ذلك لا نسمعك تتخذ موقفاً من مواضيع المجتمع. هل السبب اللامبالاة؟

- المسائل النفسية المتمثلة بمراهق، أعتبره موضوعاً اجتماعياً.. لكن الصحيح أنه ليس موضوعاً «آنياً». يمكن للفنان أن يفهم أن دوره مرتبط بموقفه «المباشر» بالنسبة إلى الأحداث.. هذا ليس من مزاجي.

ما أراه في العام، أحاول التعبير عنه في مسرحياتي.... لكنني أحترم الذين يفعلون ذلك.

*ذكرت تشيكوف وموليير. ما هي تأثراتك؟

- إن الكاتب الذي أثّر فيّ أكثر من سواه هو هارولد بنتر. ما يمسني أقل في أعماله، هو عندما يتخذ موقفاً ضد «التعذيب». فنيّته في إظهار شيء ما يضعف البعد الفني لمسرحيته.

* في أعمالك رؤيا سوداء عن الحب، العائلة وحتى عن الحياة.. أأنت متشائم إلى هذا الحد؟

- أنا شخص أميل إلى القتامة. وأتصوّر أن ذلك يُحسّ في كتاباتي.. يخيفني العالم أحياناً، وأنظر إلى تطوّره بنوع من القلق..

*والسينما، متى؟

- أظن، قريباً. أشتغل حالياً على اقتباس مسرحيتي «الأب» لفيلم سينمائي باللغة الانكليزية، الذي سيصدر قريباً مع أنطوني هوبكنز. لكن هذا لا يبعدني عن المسرح.

زيلر مواليد 1979 في باريس، أصدر عام 2002 «ثلوج اصطناعية»، (أول رواية له)، وفي 2004 نال جائزة «انترالية» عن «دهشة الأسوأ». وفي عام 2011 مسرحية «الحقيقة». أول عرض لـ«الأب» عام 2012 مع الممثل روبرتهيرش.

2018 إعادة تقديم «الآن».

ترجمة ب. ش

كلام الصور

فلوريان زيلر