لم تبدأ بعد العقوبات الخانقة في نسختها «المُحسّنة» على إيران ويحصل الذي يحصل في الشارع وفي بورصة العملة الوطنية النازلة «كجلمود صخر حطه السيل من عل»! فما الذي يمكن أن يحصل لاحقاً.. مع بدء سريان حظر تصدير النفط؟ وانتهاء الفترة الانتقالية المتروكة للأوروبيين لتدارك انغماسهم في التجارة مع طهران وتنظيم انسحابهم من دون خسائر صافية وتامة؟!

بل ما الذي كانت تنتظره قيادة طهران من اعتمادها المديد على سياسات مشحونة بالأوهام والخرافات ولا صلة لها سوى في الشكل والزمان، مع عالم الواقع؟ وما الذي كانت تتوقعه من مبدأ تصدير الثورة غير استيراد الأزمات بالثقل ذاته طالما أن المعادلة مكسورة في أرضها أصلاً وفصلاً، حيث المثال المطلوب تعميمه معطوب بالنَفَس المذهبي والأسلوب الإرهابي والآلية النافية للشرعيات الوطنية القائمة في الدول المُستهدفة؟ وحيث فوق ذلك كله سؤال عن أداء خبيث يتقصّد أصحابه التوتير مع الخارج من أجل التمكُّن السلطوي أكثر فأكثر في الداخل؟! وحيث الافتراض أن ذلك التوتير الحامل عنواناً مزدوجاً مذهبياً وقومياً يمكن أن يعوّض الإيرانيين عن الخبز والتنمية والخدمات والقدرات الشرائية (المتلاشية)، ويمكن في الإجمال تعويضهم عن انكسارات الخواطر جرّاء انتمائهم إلى دولة يرعاها نظام منبوذ من ثلاثة أرباع الكرة الأرضية!!

كان النظام مأزوماً قبل العقوبات (العائدة) وازداد تأزّماً الآن، وسيزداد تأزّماً في الفترة الآتية.. وهذا يعني أن رمي المسؤولية على الخارج «المتآمر على الثورة وإنجازاتها» أمرٌ غير منطقي وغير صحيح، وحجم الخداع فيه ثابت ودائم.. إيران الجغرافيا والديموغرافيا دولة غنية بمخزونها من النفط والغاز والمعادن وبالمساحات الزراعية وبالمياه في معظم محافظاتها، وبالمدَد البشري الكافي والمشتمل على طاقات ثقافية وعلمية يُعتدّ بها، لكن المردود العام بعد أربعة عقود من قيام «الثورة» يدلّ على أنها دولة «فقيرة»! ولا قدرة لها على تحمُّل تداعيات مرحلية لادّعاءات استراتيجية! مثلما لا يمكنها كفاية أهلها ومواطنيها قبل الادّعاء من حكّامها بالقدرة على توزيع الفائض عنها على الخارج!

وهذا يحيل مرة أخرى سيرة المقارنات والتاريخ (القريب!) إلى خانة العبث المصفّى مثل العسل اليمني: أمثولة الاتحاد السوفياتي حيّة نضرة حاضرة ومربوطة في جزء منها بالحدث الإيراني (ثورة 1979) وتداعياته الأفغانية. وتورُّط «الجيش الأحمر» واندحاره. وبدء العدّ العكسي للانهيار الشامل.. ومع ذلك غابت (تلك الأمثولة) عن الجار الإيراني! في تفاصيلها وعمومياتها! وأرقامها وادّعاءاتها! ولم ينتبه صاحب الشأن في «الجمهورية الإسلامية» إلى الجذر الجامع مع "الامبراطورية الملحدة"، بل بنى على الاختلافات الشكلية (الدين مقابل نفيه، والروحانيات مقابل الماديات.. إلخ) وراح لتعمير حساباته المنفوخة على الأدعية وليس على الأرقام. وافترض أنه سيكون قادراً على إنجاح «التجربة» التي حطّمت امبراطورية السوفيات، الأقوى والأقدر والأغنى بكل المقاييس.. نسي أو تناسى القاعدة الماسّية القائلة إن الاقتصاد القوي وحده لا يبني سياسة قوية ولا أدواراً عُظمى! فكيف الحال والادّعاءات في حالة «ثورة» إيران تخرّ أمامها وتتواضع ادّعاءات الأممية (الماركسية) و«الحتمية التاريخية لانتصار الاشتراكية»؟!

كان السوفيات أقوياء ويُحسب حسابهم من شرق أوروبا إلى أميركا اللاتينية لكن ذلك لم يعوّض عن ضعفهم في موسكو نفسها! ولم تعوّض الأدوار الخارجية الكبرى عن الرفوف الفارغة أمام المستهلك العادي (والعادي جداً) في الجمهوريات الاشتراكية «السعيدة»! والحال مع إيران هو ذاته وإن اختلفت المقاييس والأرقام والقدرات والعناوين، وزادت نسبة الادّعاءات غير الواقعية في الجهد الإعلامي والتبليغي و«التنويري»: ادّعاء «النفوذ» والسيطرة في أربع عواصم عربية لم يعوّض انكشاف تراخي ذلك «النفوذ» وغيابه في مدن إيران الكبرى! وادّعاء السيطرة في الخارج القريب والبعيد لم يعوّض عن تهديدها بالعمق في الداخل الوطني الإيراني! والتشاوف بالصواريخ (المستنسخة في كل حال!) لم يعوّض المستهلك الإيراني عن غياب سلع أساسية وخدمات بديهية وتدهور قدرته الشرائية تبعاً لتدهور قيمة العملة الوطنية!

.. ثم أن بناء «النفوذ» القومي على حطام الآخرين، لا يولّد (منطقياً) إلاّ الحطام! والاستثمار في الحطام لا يدلّ على ذكاء ولا على شطارة، إنّما على عبث تخريفي سرعان ما يرتدّ على صنّاعه وأصحابه! أليست تلك هي حالة إيران اليوم، في الخارج والداخل؟! وحتى قبل أن تصل العقوبات إلى ذروتها؟!

علي نون