من الوضع الأمني المستقر إلى حد كبير في لبنان، يُمكن الإستدلال إلى مرحلة الأمان الراهنة التي يعيشها اللبنانيون في مختلف مناطقهم، والتي تُعوضهم عن الإحباطات التي يمرون بها نتيجة غياب العديد من وسائل الحياة الأساسية، وأبرزها العوائق التي توضع في وجه تأليف الحكومة، مع غياب شبه تام للكهرباء وعدم إيجاد حل كلّي لقضية النفايات. ومن هذا الجو العام دخلت منطقة البقاع الشمالي في مرحلة أمنية جديدة قلما شهدتها المنطقة من قبل، خصوصاً في ظل إصرار الجيش والقوى الأمنية على تطبيق الخطة الأمنية على اكمل وجه هذه المرّة، ومن دون وضع جدول زمني لنهايتها، ولا حتّى التراجع قيد أُنملة عن القرارات التي اتُخذت في هذا السياق، والتي بدأت تُترجم إيجابياتها في نفوس الاهالي وأمنهم واستقرارهم.

الداخل إلى البقاع الغربي خلال الفترة الحالية، يُمكن أن يُلاحظ جديّة وفاعلية الخطة الامنية التي يُنفذها الجيش هناك، والتي تهدف بالدرجة الأولى إلى ضبطِ الوضعِ الامني وتوقيفِ عدد من المطلوبين الخطرين الذين يقفون وراء تعكير صفو الأمن، من اشكالات امنية وعمليات خطف وطلب الفدية وتشكيلِ عصاباتٍ لسرقة السيارات وتجارة المخدرات وتهريب السلاح وبيعه. والملاحظ أيضاً، أن الخطة هذه شملت مناطق لم تنعم سابقاً بكافة أنواع الإستقرار، بعد أن كان ممنوعاً على الدولة دخولها لأسباب يعلمها الجميع، وبعد أن كانت حكراً على فئة حوّلتها إلى مربعات خاصة وإلى أوكار للموبقات والفلتان المتنوّع، فالحواجز التي تُقام اليوم والدوريات التي تُسيّر في بلدة رأس العين والسوق التجاري والمدخلِ الجنوبي لمدينة بعلبك ولمداخل مدينة الهرمل داخل قراها، وسط ترحيب الأهالي وارتياحهم، خير دليل على أن البقاع بدأ يستعيد عافيته ودوره الطبيعي وسط إصرار جماعي على عدم العودة إلى مرحلة ما قبل الخطّة بأي شكل من الاشكال.

اللافت أنه بعد العملية الامنية التي نفّذها الجيش في بلدة الحمودية غرب بريتال والتي أسفرت عن سقوط امبراطورية "اسكوبار البقاع" زيد علي اسماعيل، المُصنّف رقم 2 على لائحة كبار المطلوبين، توسعت رقعة الامن تدريجياً في البقاع على حساب فلتان العصابات التي ظلت لعقود من الزمن تعيث خراباً بجرائمها وتشوه صورة البقاعيين. وتأتي على رأس الخطة الأمنية اليوم، مهمات عديدة أبرزها: توقيف الرؤوس الكبيرة في تجارة المخدرات وإسقاط "إماراتهم" ورؤساء العصابات من عمليات سطو وخطف وقتل وسرقة، وذلك بحسب ما تؤكده مصادر عسكرية لـ "المستقبل". وتلفت المصادر إلى أن الخطّة بدأت تُعطي نتائجها على كافة الصعد وهذا ما يتناقله أولاً اهالي البقاع الشمالي، وزوّار المنطقة ثانياً. والأبرز أن العملية تُستكمل بنجاح تام وسط عدم سماح الجيش لأي تدخلات جانبية وهو يقوم بتنفيذ الخطة بشكل دقيق وبحسب برنامج العمل الميداني الذي وضعته قيادة الجيش القائم على أمر هام جداً هو ان لا خيمة فوق رأس أحد.

وتوضح المصادر أنه "قبل بدء معركة فجر الجرود، كان اضطر الجيش إلى سحب وحدات عسكرية له من بعض المناطق سواء من البقاع او الجنوب حيث الأولوية كانت لمواجهة الجماعات الإرهابية والقضاء عليها، لكن بعد الإنتصار الساحق وطرد الإرهابيين إلى خارج الحدود، أصبح بإمكان الجيش صبّ كل جهوده على تفعيل الأمن في الداخل وملاحقة وضرب كل من يريد العبث بأمن البلد سواء أمنياً أو اجتماعيّاً. ولكل من شكّك بالخطة قبيل إنطلاقها في البقاع الشمالي أو تساءل عن جدوى القيام بها، فإن الرد على هؤلاء يأتي من خلال الأمن المفروض والممسوك بدرجة عالية، وتراجع حجم الجرائم وسط دخول الجيش إلى كافّة المناطق والتعامل بحزم وشدة مع المرتكبين والمُخلين بالأمن وملاحقة المطلوبين وإحالتهم إلى القضاء المختص".

وتضيف: "إن التجارب الميدانية السابقة وتحديداً مواجهة الإرهابيين في الجرود وعملية بريتال النوعية، أثبتت ان لدى الجيش قدرات وكفاءات عالية، لا سيما بعدما شعر ضباطه وعناصره بأن هناك أوامر صريحة وحازمة وغطاء كاملاً لتنفيذ الخطة الأمنية. واليوم يتضح للجميع وخصوصاً لمن تتعارض توجهاتهم مع عملية الأمن والإستقرار التي ينفذها الجيش، أن الخطّة المذكورة قابلة للتنفيذ في كل لبنان مهما تبدلت الظروف والأسباب اذا ما حانت ساعة الحسم والعزم لمواجهة كل أشكال الفلتان والتسيّب".

وتكشف المصادر عن أن "حجم الجرائم قد تراجع منذ اوائل الشهر الماضي وحتى اليوم، بشكل لافت ضمن المناطق الخاضعة للخطة الأمنية، حتّى أن بعض الممارسات التي كانت تُعتبر او تُسمّى جنحة، قد غابت بشكل كبير، وهذا يعود إلى نيّة الحزم والحسم التي دخلت على اساسها قيادة الجيش منطقة البقاع الشمالي، وذلك وسط توافق سياسي جامع وصريح، يقضي بإطلاق يد الجيش والضرب بيد من حديد وعدم التهاون مع أي إرتكابات أو تجاوزات يُمكن أن تؤدي إلى ضرب مصداقية الخطة الامنية او تهديدها، وذلك بخلاف الخطط السابقة التي كانت تنهار كسرعة البرق أمام أوّل تحد واختبار". وتضيف المصادر أن "العملية الأمنية هذه لا بد أن تُستتبع بخطة إنمائية تعكس توجهات الدولة الرامية إلى عدم وجود نيّة للعودة بالمنطقة إلى الفترة السابقة".

هذه المرّة جاءت أفعال الجيش على قدر توقع البقاعيين، فالهواجس من فرط سُبحة الأمن مع أوّل أيام الخطة لم تعد موجودة ولا يؤتى على سيرتها حتّى، وهذا بالنسبة اليهم أصبح اليوم امراً طبيعياً لأنهم يعون جيّداً نيّة المؤسسة العسكرية بعدم العودة بالمنطقة إلى ما كانت عليه سابقاً. وإنطلاقاً من القول المأثور "بقاء الحال من المُحال"، يُصر البقاعيون هذه المرّة على استكمال الخطة الامنية حتى نهايتها وازدياد وتيرتها حتى لا يتحول الفلتان والتسيّب المستشري في المدينة والجوار إلى حالة متجذرة تستعصي لاحقاً على المعالجة والاستئصال، وتُصبح حالة مُتجذرة وسط البيوت والأحياء.

(خاص "المستقبل")