دعا الرئيس التركي رجب طيب أردوغان المواطنين الأتراك لإثبات تماسكهم الوطني أمام العالم، وتحويل مقتنياتهم من الذهب والعملات الأجنبية إلى الليرة التركية.

وقال أردوغان، خلال كلمته بمركز المؤتمرات والثقافة الوطني، بالعاصمة أنقرة، الجمعة: "سنخرج منتصرين من الحرب الاقتصادية التي نواجهها، ولا داعي للقلق".

واستمر هبوط الليرة عند أدنى مستوى لها في أكثر من 10 سنوات أمام الدولار، لليوم الثالث على التوالي، فوق حاجز الخمس ليرات للدولار الواحد، بعدما فرضت الولايات المتحدة عقوبات على وزير العدل عبد الحميد جول، ووزير الداخلية سليمان صويلو بسبب سجن القس الأمريكي أندرو برانسون المتهم بدعم المحاولة الانقلابية في تركيا العام 2016.

وتأتي دعوة الرئيس التركي شعبه لدعم العملة التركية، وتعزيز قوة اقتصاد البلاد، بعد دعوة مماثلة في كانون الأول 2016، لاقت أصداء واسعة لدى مؤسسات الدولة وقطاعها الخاص والمواطنين على السواء.

ودشن نشطاء أتراك، حينها، في استجابة سريعة لدعوة الرئيس أردوغان، هاشتاغ "#BozDolar"، أي "حوِّل الدولار"، وضجت واجهات المحلات التجارية بالعروض التحفيزية لتشجيع المواطنين على تحويل الدولار واليورو إلى ليرة تركية.

وتسابق الحرفيون والباعة الأتراك إلى عمل عروض مجانية وتخفيض على الأسعار للحث على تحويل العملات الأجنبية إلى العملة التركية، ما انعكس بشكل إيجابي على سعر صرف الليرة أمام العملات الأجنبية بشكل سريع ولافت للأنظار.

وحول مدى الاستجابة لدعوة الرئيس التركي الثانية، توقع الخبير الاقتصادي عبد الحافظ الصاوي، في حديثه لـ "عربي21" أن "تلقى الدعوة تعاطفا من جانب عدد من المواطنين، لكنه سيكون –بحسب رأيه- تعاطفا على المدى القصير، أو المتوسط على أحسن الفروض".



وقال الصاوي: "التعاطف الشعبي قصير الأجل مع دعوة الرئيس أردوغان سيفرض على الحكومة التركية أن تتخذ خطوات جادة تجاه تقليص مشكلاتها مع أمريكا"، لافتا إلى أن "الارتفاعات الأخيرة على مدار الشهرين الماضيين لم تكن لأسباب اقتصادية على الإطلاق ولكنها كانت لأسباب سياسية تتعلق بالعملية الانتخابية في 24 يونيو/ حزيران الماضي ونتائجها، ثم الخلاف مع أمريكا والتطورات التي تشهدها المنطقة".

أضاف: "المشكلات الاقتصادية التي تواجه الليرة التركية يمكن التغلب عليها أو التعامل معها، لكن حجم المضاربات الموجود الآن على الليرة يرجع إلى التصعيد السياسي بين واشنطن وأنقرة بشكل رئيسي".

وأوضح الخبير الاقتصادي أن "التدفقات من النقد الأجنبي لتركيا لم تتأثر بشكل سلبي، بل بالعكس كانت مؤشراتها إيجابية، وكذلك معدلات النمو الاقتصادي في تركيا، التي يتوقع أن تحقق معدلات إيجابية خلال العام 2018، وهو ما يعني أن الاقتصاد التركي لا زال يحافظ على زخمه في الأداء الإيجابي".

واستطرد: "عائدات السياحة خلال الشهور الستة الأولى من العام الحالي وصلت لقرابة 16 مليار دولار، وفي حال استمرت على تلك الوتيرة فنحن نتحدث عن 32 مليار دولار بنهاية العام الحالي، فضلا عن أن الصادرات لا زالت تحقق معدلات زيادة شهرية لا تقل عن 10 بالمئة بمقارنتها بنفس الشهور في العام 2017، وهو ما سيساعد على موقف قوي لليرة التركية، ولكن تبقى القضية هي قضية سياسية بامتياز".

وأشار الصاوي إلى أنه من العوامل الإيجابية المنتظر أن تساهم في تحسين المناخ الاستثماري في تركيا، وتحسين موقف العملة التركية أمام العملات الأجنبية، خلال الفترة المقبلة، هو برنامج المئة يوم الذي أعلنه الرئيس أردوغان أمس. وهو برنامج يتضمن العديد من المشروعات على المستوى القطري، وكذلك بعض الفاعلات السياسية والاقتصادية سواء في العراق أو سوريا وأيضا المشروعات الكبرى.

ومن ناحيته، اعتبر الخبير الاقتصادي عبد الرحمن الجاموس، أن دعوة أردوغان لشعبه بتحويل مدخراتهم من العملات الصعبة إلى الليرة التركية لا تتعدى كونها طريقة شعبوية لإيقاف تدحرج الليرة، مضيفا: "نحن كمتابعين للاقتصاد التركي نرى أن تركيا يجب أن تعالج مشاكل اقتصادها الهيكلية بطرق بعيدة عن الشعبوية".

وقال الجاموس: "صحيح أن هبوط الليرة تزامن مع العقوبات الأمريكية إلا أن العقوبات رغم تأثيرها لم تكن السبب الوحيد، بل أن معدل التضخم المسجل على مدار العام الماضي بلغ مستويات قياسية".

وتابع: "بعيدا عن العقوبات الأمريكية، فرغم أن تركيا اقتصاد ناشئ؛ إلا أنها وقعت في عنق الزجاجة بسبب الاعتماد المفرط على الديون الدولارية وهوس النمو".

وأردف: "تركيا الآن أمامها تحديات كبيرة، وعليها إما الانعتاق من الانتماء لدول العالم الثالث، أو الالتحاق بركب الدول المتقدمة"، مؤكدا أن تركيا لديها الإمكانات الكافية لأن تصبح بركب الدول المتقدمة، ولديها هامش مناورة يمكنها إشغاله.

وأكد الخبير الاقتصادي أن "تركيا في مطلع جمهوريتها الجديدة؛ تواجه تحديين أساسيين، الأول يتعلق بمدى وجاهة خطة المئة يوم التي أعلن عنها الرئيس أردوغان وتوجهاته في الإصلاح الهيكلي للاقتصاد، والتحدي الثاني سياسي له انعكاسات اقتصادية؛ ويتمثل بقدرة وزارة الخارجية التركية وديناميتها في إنجاز اختراق وإنجاز صفقة كبيرة مع الولايات المتحدة الأمريكية حول عدة ملفات منها منظومة S400 وقضية القس الأمريكي، وموضوع العقوبات على بنك خلق، ومنظمة غولن، وكذلك مشاكل العلاقات الشائكة في الإقليم".

(عربي21)