هناك شعوب وأفراد يموتون من أجل الحرية، وآخرون يموتون من أجل العبودية. اعطِ الحرية لبعضهم يرفضوها، ليختاروا بملء إرادتهم الجلادين. كأنها حكاية لبنان من عشرات السنوات..

فالشعب السوري عندما أعلن ثورته البيضاء السلمية على نظام آل الأسد في درعا عام 2011 أراد أن ينزع عن «جلده المستعار» الخضوع للاستبداد، ليواجهه النظام بحرب مضادّة «أهلية» بشعارات طائفية يرفعها حزب «التحرير» في لبنان (حزب الله) ليعلن هؤلاء الأحرار في بلادهم! حزب التحرير «اللبناني» ضدّ الحرية! يا للمفارقة. كيف يكون حزب تحرير لبنان من الاحتلال الإسرائيلي، ضدّ إرادة شعب آخر يقاوم احتلال نظامه له. إنه تصدير «التحرير» بعكسه. ويعني ذلك، أن هذا الحزب ليس لا حزب التحرير ولا حزب الحرية بل حزب «العبودية»، وتحقيق العبودية لشعب يريد الحرية.

جرت الانتخابات في لبنان في جو من الحرية. لا ضغوط (هل هذا صحيح في بعض المناطق؟)، ولا إكراه. بل عملية تصويت بلا «شائبة» ولا فاصلة، تعبّر عن إرادة الناس المطلقة. لكن كيف يمكن شعباً أن يفتخر بانتخاب ممثليه في البرلمان، يدعم نظاماً لا ينتخب فيه أحدٌ أحداً، سواء في إيران أو في سوريا. كيف لمَن له أن يتمتع بالسيادة أن ينحاز إلى مَن يهدّد سيادته؟ إنه لغز ميتافيزيقي ممزوج بالمذهبي مخلوط بالارتزاق مضروب بالخضوع مشوب بالعمالة.

وهذا من البديهيات سواء الديموقراطيات «الشكلية» أو الحقيقية، فكيف لهؤلاء أن يخرجوا عليها، ليصطفوا نظاماً بلا برلمان.. تم اختياره بإرادة «سنية»؟ البرلمان هو أم التشريع، فكيف لأحزاب «تَبَرلَمنت» أن تنكر شرعيته، وهو يعيّن الحكومات، فكيف لهذه الأحزاب «الحاكمة» أن تكون محكومة من خارجها، ومن خارج الناس الذين أولوها «ثقتهم»! إنها لعبة المصير، الغامض، المتناقض: لعبة الصغائر!

الطاعة

ها هم اليوم، نواب نجحوا فيه أو فشلوا في السباق الانتخابي في لبنان، يتسابقون، ليقدموا الطاعة والولاء لمَن ينفون وجودهم السياسي. سوريا الأسد تريد لبنان، وإيران خامنئي أعلنته «ولاية» لها. أف! كيف يقبل هؤلاء، من باب الخجل على الأقل أو من باب الكرامة أو الحس الوطني أن يحكمهم مَن تحكّم بأهلهم وينفي وجود دولتهم وحدودهم؟ أكثر: عندما يتسابق وزراء ونواب من لبنان لينالوا بركات الأسد وسليماني، فيعني كأن الإثنين هما اللذان انتخبناهم وليس ناسهم. يتهافتون إلى هناك، فرادى وزمراً، وكأنهم «يحجّون» إلى «وطنهم» الأم، وإلى جمهوريتهم «الأب» الأصلية، وإلى رؤسائهم الحقيقيين.

وكأن لا يكفي أن يتجاوز بعضهم شرعية الدولة (وهو في صلبها) فيخرج على الحكومة، وهو من تكوينها، وينكر البرلمان وهو من أهله. يذهب إلى سوريا بقرار إيراني ليحارب شعباً إسلامياً «شقيقاً» عربياً، من دون حتى إعلام المعنيين، من مسؤولين أو رئيس جمهورية، برلمان، سلطة. رائع! والأخطر، أن هؤلاء يذهبون لتقديم فروض الطاعة إلى الأسد وخامنئي كلبنانيين، أصحاب حيثية ليرموها على عتبة الحدود.

ألبنانيون أم سوريون أم إيرانيون!

الخيانة

إذا كانوا لبنانيين، فيعني انهم يخونون أكثرية شعبهم الذي انتفضت على الوصاية السورية وطردتها من لبنان. فباسم مَن يذهبون إلى هناك. وإذا كانوا سوريين، فقد قرّر 80 في المئة من الشعب السوري أن يخلعوا هذا النظام، فباسم مَن يذهبون إلى هناك! وإذا كانوا إيرانيين فالشعب الإيراني يستعيد ثورة 2009 ويطالب بإسقاط نظام الملالي، وولاية الفقيه ومرشدها، ويصرخون «الموت للدكتاتور». «واخجلاه يا خامنئي وارحل» وإذا كانت الشرعية تعود إلى أكثرية هذه الشعوب، فيعني أن هؤلاء ليسوا لا بلبنانيين، ولا سوريين، ولا إيرانيين. وفي التاريخ أشباه لهم، وخلاّن، عند جزء من الفرنسيين الذين إنحازوا إلى النازيين، محتلي بلدهم.. فلا هم فرنسيون ولا ألمان.. أي أعداد وأصفار وأرقام بلا ظلال ولا هوية، ولا وطن، ولا مشاعر، ولا اختيارات.. وكأنه لغز في «شريط تحريك» سينمائي لا دُماه ناس، ولا ناسه حقيقيون. إنهم أدوات مستعارة في آلات مستعارة أكبر منهم.

الخير الأسود

والطريف، أن هؤلاء الذين يتوافدون إلى سوريا، من جماعة 8 آذار، بذريعة خدمة «العلاقات الأخوية» بين البلدين، أو لادعاءات «اقتصادية» أحياناً، أو الدعوة إلى التنسيق بين لبنان ونظام الأسد (أقصد ما تبقى منه)، لإعادة النازحين. ونتذكر بفخر أن حزب إيران قد تولى من دون العودة إلى الدولة ومؤسساتها لإعادة مَن اختارهم اختياراً مذهبياً، إرجاع هؤلاء إلى بلادهم. الحزب شارك في تهجيرهم وتدمير منازلهم، وقتل أبنائهم، وها هو يشرئب لخدمة الإنسانية، ليرميهم بين أشداق الأسد، الذي يستقبلهم بـ«الأحضان» ليزجّهم في السجون، أو يعدمهم، أو يختار شبابهم لتكوين جيشه «العظيم» القادم في بناء «سوريا المفيدة»: أي سوريا بلا سكانها ولا أرضها ولا منازلها، ولا مدنها، ولا قراها!

سوريا الافتراضية

أتكون تلك سوريا «المفيدة»، أم سوريا الافتراضية؟ أيكون الأسد رئيساً على شعب «متخيّل»، و«سيادتَه» «مصادرة»، وحدوده سائبة وفي الوقت ذاته يستقبل هؤلاء السياسيين، ليحمّلهم «رسائل»، ومهمات، كأنها من أصوات الماضي: تجيير الدولة، والبرلمان، والحكومة لأهدافه: أول غيث هي المهمات البطولية في مطالبة بعضهم بإلغاء المحكمة الدولية، وبعضهم نواب ترشحوا على اللوائح الإيرانية - الأسدية في لبنان. فالمحكمة، كانت من أهدافهم وأولوياتهم، منذ البداية لأنها قد تكشف (أو كشفت بعض ثمار تحقيقاتها تورطهم في جريمة قتل الرئيس الشهيد رفيق الحريري وشهداء 14 آذار). يذهب هؤلاء المشتبهون بقتل الرئيس الحريري لأن «الموس» قد تصل إلى ذقونهم في مراحل المحكمة الأخيرة!

مخططاتهم

والغريب الطريف أن هؤلاء، وعلى طريقتهم المشهود لها بالترهيب والوعيد، يضغطون على الحريري لزيارة الأسد، قاتل شعبه، ومدمّر بلده، ومستجلب أربع وصايات يشاركونه «السيادة»، ويحاولون ربط تأليف الحكومة بمثل هذه الخطوات. تلقوا «أوامرهم» اليومية من عند سليماني، «هملر» خامنئي، ليعرقلوا تأليف قيام كل «حكومة» لا يهيمنون عليها، ويتحكمون بمفاصلها، بوزاراتها الأساسية.. والأهم، يحاولون اتباع سياسة عزل أطراف سياسية ونيابية مَن تسلم ما يناسب أحجامها، أو تمثيلها، ليعيدوا تلك البدعة «الثلث المعطل»، أو، وعلى المدى المستديم، تكوين نظام أمني ديكتاتوري يتمتع بسلطة شرعية، تغطي ممارساته. لتكون خضوعاً مطلقاً لسياسات النظامين السوري والإيراني، ولضرب ما تبقى من الحريات، وما تبقى من الديموقراطية في لبنان.

اللعبة الاستعمارية

بمعنى آخر، يلعبون اللعبة القديمة – الجديدة (الاستعمارية المنشأ)، لصنع «نظام» لبناني، على صورة النظامين الأسدي والفارسي: السيف مصلت على كل مَن يعترض، أو ينتقد «قديسي» الوصايتين، من الأعلى إلى الأسافل، ويعني ذلك عودة إلى زمن الميليشيات (ومعظم هؤلاء ميليشيات سابقة أو لاحقة)، واللادولة، واللاحدود، أي جعل لبنان كانتوناً شبيهاً بالكانتونات الماضية، أو بكانتون الحزب الذي بدأ يتفكك وينحل، بحيث تحول سكانه من «حب» مرشد «لبنان» إلى خوف منه. (وهي من أولى علامات النهاية)، وما جرى قبل أشهر في الضاحية عندما انتفضت قلة وهاجمت الحزب وأمينه العام.. وما يحدث حالياً في البقاع: أنقذونا من حزب الله، الذي منع كل تحسين لأوضاعنا المعيشية، وكل إعمار لمناطقنا، ليبقي المنطقة مساحة مقفلة، لتدريب مسلحين يوزعون ليزرعوا الإرهاب (ليس في إسرائيل، معاذ الله)، بل في العالم العربي – الإسلامي – السنّي، وفي كل بلد لا تؤيد حكومة إيران أو النظام السوري. الآن، هم في المقلب الآخر: «انتصروا» في الانتخابات النيابية وأعلنها قبلهم سليماني (لحزب الله 74 نائباً)، ليمارسوا باسم «الأكثرية» «الجديدة» ديكتاتورية الصغار، الجشعين إلى التحكم والسلطة والاستئثار، وتقديم «انتصارهم» إلى معلميهم في دمشق وطهران (ألم يهدوا انتصارهم الوهمي على إسرائيل عام 2006 لإيران!)، أو لم يكملوا انتصارهم بـ7 أيار الشاروني في غزوهم بيروت، إسقاط حكومة الحريري بعراضات القمصان السود.. فاللون الأسود كقمصان صبيتهم يليق بانتصاراتهم السوداء!

هذه الأهداف الاستئثارية، هي وراء عرقلة تأليف الحكومة، فهم «رجال الزمن الجديد»، ولم يتبق لإيرانهم غير لبنان تقامر به في مناوراتها وصفقاتها، انكسر الهلال المكسور أصلاً عند العراق (يطالب المنتصرون في الانتخابات بخروج إيران من العراق: «إيران برا برا»)، فإلى اليمن الذي يعبّرون فيه عن هزائمهم بممارسة سياسة إرهابية في باب المندب والبحر الأحمر ضد السفن التجارية، وفي سوريا وماذا تبقى لهم هناك؟ لا شيء يُذكر! هُزم هلالهم المزعوم، ولم يعد لهم سوى هذا البلد الصغير ليجعلوه لعبة في أيدي أسيادهم!

التعويض الناقص

لكن تناسى هؤلاء أمرين: إن الهيمنة على لبنان (وهي مستحيلة)، لا تعوض عن هزائمهم المدوية في إيران والعراق وسوريا واليمن، ولا عن «خضوعهم» المقبل للشروط الأميركية.

الأسد دمّر بلده وسلمه لعدة وصايات واحتلالات وها هو يعلن انتصاره، وخامنئي أوصل بلاده إلى مدارك الفقر، والحاجة، بسبب فساد نظامه، ونهب خيرات الدولة وإهدارها في طموحات وأطماع خارجية.

هل لبنان في خطر؟ نعم! ممّ؟ من نظام ديكتاتوري مثلث الرؤوس، ومن إقدام الحزب على مغامرات لتغطية هزائم أوليائه.. ومن استمرار «التراجع» الاقتصادي! لكن يبدو أن الشعب اللبناني الذي انتفض في 14 آذار ما زال الشعب اللبناني القادر على المواجهة، وأن حسابات المرتزقة الصغيرة.. أصغر من إرادة الناس: فاللبنانيون ليسوا أقل شجاعة من الشعب الإيراني المنتفض، ولا أقل قدرة على المعارضة والمواجهة من شعب سوريا وهو الشقيق حقاً: هو الشقيق الحقيقي للعرب وللبنان وليس النظام المزيّف.

بول شاوول