كثُر التحليل والبحث في ما ورائيات إجهاض الجهود المُضنية التي يبذلها رئيس الحكومة المكلّف سعد الحريري في سبيل جمع أهل الحل والربط على كلمة تسووية تنهي المراوحة الحكومية بين ضفتي التكليف والتأليف وتنتشل مصالح البلد والناس من بين براثن الشهية المفتوحة على نهش «الحصص» وغَرْف «الأحجام». لكن، عبثاً يتعب البناؤون.. ها هو النظام السوري وبعدما أعادت إسرائيل تنصيبه «حارس حدود» أميناً مؤتمناً على أمنها في الجولان، يعود لدفاتره القديمة محاولاً نبش صفحات تاريخ سطوته الفتنوية على الساحة اللبنانية طمعاً باستعادة نفوذ غابر ودور سافر لطالما أمعن في ممارسته فأتقن فنّ شق الصف اللبناني على قاعدة: «فرّق تسد».

فبينما يواصل الرئيس المكلّف استنباط الحلول المعقولة والمقبولة في سيره بين عقد التأليف محاولاً تفكيكها عقدة عقدة، بدأت عملياً ترتسم علامات استفهام كبرى حول مبررات الاستنزاف الحاصل للبلد تقويضاً لمسيرة استنهاضه المرتكزة إلى حجر «التسوية» الأساس في مشروع استكمال ما بدأته حكومة العهد الأولى من إنجاز واستقرار على غير صعيد أمني وعسكري ومالي واقتصادي. وما كان بدايةً تحت مجهر التساؤل والشك، بدأ يأخذ شيئاً فشيئاً في ظل المراوحة والمعطيات والمعلومات شكل اليقين الساطع الدال بالإصبع على مكمن مشكلة التأليف: النظام السوري يعمل على ضرب التسوية الوطنية التي أُنجزت عام 2016 في لبنان، وإعادة اللبنانيين مخفورين إلى حقبة الإنقسام العمودي بين جبهتي 8 و14 آذار تمهيداً لتمكينه من اختراق البلد مجدداً على متن «طروادة» الانقسام.

وإذا كانت الأدلة والشواهد على لعبة «فرّق تسد» الأسدية كثيرة في تاريخ وجغرافيا العلاقات اللبنانية – السورية، تبدو في جديدها محاولات مستميتة يبذلها النظام السوري لتقويض جهود تأليف الحكومة التوافقية المُرتقبة انطلاقاً من كونها «خط الدفاع الأول» الذي يحول بينه وبين تحقيق هدفه الأساس في ضرب التسوية الوطنية. ومن هذا المنطلق، يضع العارفون في عوائق التأليف، ما ظهر منها وما بطن، سلسلة العراقيل المُفتعلة التي تواجه عملية التأليف في خانة محاولات إبقاء الباب الحكومي موارباً أمام تسلّل النظام السوري إلى الساحة الوطنية، وهنا بيت القصيد في دفتر الشروط الذي تتوزع صفحاته بين عدة عناوين فتنوية تستهدف تارةً شق الصف الدرزي عبر محاولة فرض توزير النائب طلال أرسلان لتطويق رئيس «الحزب التقدمي الاشتراكي» وليد جنبلاط، وطوراً شق الصف السنّي لضعضعة جبهة الرئيس الحريري عبر المطالبة بحصة وزارية سنّية تابعة للنظام السوري.. وصولاً إلى فرض استئناف العلاقات السياسية مع هذا النظام على أجندة الحكومة المقبلة.

(خاص "المستقبل")