افتراض النيّات التكتيكية الخاصة بـ«أصول» الحكي والنقاش والكباش في شأن تشكيل الحكومة وتفاصيلها وموازينها لتفسير بعض المواقف الانفعالية والجامحة لبعض أهل السياسة، يظلّ أحسن وألطف وأنعم من افتراض شيء آخر يحور ويدور حول سالفة العودة بالزمن إلى الوراء البائس وعدم الاتّعاظ من ذلك الوراء وبؤسه!

هناك لغة حربية تُستخدم في غير أوانها ومكانها! وهناك جموح في الحساب والخطاب لا يناسب أيام الهناء والرخاء السلميَّين الراهنَين! ولا يتناسق مع «الموضوع» المطروح ولا يُصنّف في خانة المصائر الكبرى التي تحتاج إلى تعبئة استنفارية قصوى!

يُفهم في المبدأ، أن يخضع مسار تأليف الحكومة والأحجام فيها إلى شدّ وجذب كبيرَين. وأن يعمد البعض، وخصوصاً (مثلاً) رئيس «التيار الوطني الحر» جبران باسيل إلى افتراض وجود فرصة سانحة أمامه لا بدّ من التقاطها والبناء عليها حيثيّة متقدّمة في المدارَين الطائفي والوطني العام.. وأن يعمد بعض آخر إلى تهبيط الحيطان وتكسير كل زجاج ممكن في وجه الرئيس المكلّف سعد الحريري «للضغط عليه» ودفعه إلى زاوية مستحيلة.. يُفهم ذلك في حدود المعقول والمألوف والمقروء والمسموع في أدبيات الشغل السياسي اللبناني، لكن ما لا يُفهم ويصعب فهمه هو أن يشطّ كثيرون باتجاه تسعير اللغة في أساسها! واعتماد خطاب مزلزل وناري وكأنّ الحرب لم تذهب إلى أيِّ مكان! وخطوط التماس بين ناسها لم تضمحل ولم تتبخّر! أو كأنّ المقعد الوزاري اليوم، والنيابي بالأمس، يحدّدان «مصير» الجماعة برمّتها! ويقرّران ما إذا كانت محمية أو معرّضة لمخاطر وجودية! أو كأنّ صاحب المواقف النارية قادر أصلاً على الذهاب أبعد من أنفه الوزاري أو النيابي!

بعض الخفّة في الأداء الاستيزاري مطروح على بساط الأسئلة عن موجباتها! وما إذا كان صاحبها يعي تماماً ماذا يفعل!! أو يعرف في العمق وعلى السطح حدود المقبول والمرفوض في بازار العرض والطلب! وحدود المسموح والمنبوذ في الأسلوب المعتمد! وحدود اللعبة من أولها إلى آخرها! والأهم من ذلك ما إذا كان يعرف فعلياً وواقعياً بعض المبادئ الأولى في الشأن النيابي والوزاري والوظيفي والوطني العام. وهذه التي تقول واستناداً إلى الحقائق والتجارب والمرارات ومشتقاتها المعروفة عند عموم اللبنانيين، إنّ مفهوم «الإلغاء» في لبنان مطّاط ونسبي وغير أكيد وغير يقيني وغير حاسم! وإن الأثمان في الغالب يدفعها صاحب المبادرة من كيسه حتى لو راكم انتصارات عابرة! وإن هذا المعطى يسري بالجملة والمفرّق! وعلى الشأن السياسي والتنظيمي الحزبي كما على الشأن المذهبي والطائفي الأوسع مدى والأشمل! وإن في «جينات» اللبنانيين مكوّن طبيعي يأخذ بهم إلى التعاطف مع المظلوم! والمقهور! والمفترى عليه! ولا تخفّف من وطأة هذا «الجين» اصطفافه في زاوية واحدة مع «زميل» له يدفع بالكثيرين إلى تقديس «القوة» والاستنفار والتعبئة والتوتير والتطرّف!

ثمّ من تلك المبادئ العامة التي يغيّبها الجامح والطموح من وعيه ومن برنامج عمله، أن الإمساك بالسلطة من أحد رؤوسها لا يعني إمساكاً بكل هذه السلطة! مثلما لا يعني تأبيداً على الطريقة الأسدية وغير الأسدية! مثلما لا يعني تمكنّا من اليقين الآتي! وأن فرادة لبنان بهذا المعنى هي تماماً في كونه يشبه المطحنة التي تحتاج دائماً إلى طحين جديد كي تبقى دائرة!.. تطحن الأسماء والأحزاب والأدوار والدول.. وتعتمد في محرّكها المركزي على الدوران الدائم الذي يعني في السياسة والوظيفة العامة التناوب على القرار وصناعته، حتى لو أظهرت التجارب نفسها بعض الخلل لجهة دوام ظواهر أكثر من غيرها!

ولا مرّة كانت الحكومات والرئاسات مقياساً لميزان القوّة والضعف! أو معياراً لسعة أو ضيق شعبية ما، أكانت شخصية أو حزبية! والأهم هو أنّه ولا مرّة كانت الحصّة الوزارية طريقاً إلى التسيّد أو الاستئثار بالقرار، بل هذه كانت عاملاً مساعداً لكن فرعياً وليس رئيسياً! وبالتالي لا يستحق الأمر كل هذا الضنى والشّطط في الأداء الإعلامي والسياسي والتوتيري المتّبع!

علي نون