في الثاني من شهر آب العام 2017 استقلت عائلة عجاج السورية إحدى الحافلات «المكيّفة»، التي أقلّت المسلحين من جبهة النصرة وعائلاتهم من جرود عرسال إلى مدينة إدلب السورية، ضمن صفقة التبادل التي حصلت حينها مقابل الإفراج عن خمسة من مقاتلي حزب الله كانوا أُسروا في العام 2015.

على أن عائلة وحيد عجاج المؤلفة من ثلاثة فتيان، إضافة إلى الوالدة، ما لبثت أن عادت إلى لبنان عن طريق المصنع «من أجل لقمة العيش»، عودة انتهت بالوالد و«صبيانه» القاصرين في السجن بعد أن ألقي القبض عليهم بتهمة الانتماء إلى تنظيمات إرهابية والمشاركة في أعمال عسكرية لصالح تلك التنظيمات، ليتكشّف مع التحقيق أن الاشقاء الثلاثة شاركوا «مرغمين»، في حفر خنادق في الجرود لصالح جبهة النصرة العام 2014.

يدخل الوالد إلى قاعة المحكمة العسكرية بخطى ثقيلة، وهو يتكئ على عصاه، يتبعه أولاده، جمعة، زكريا فبشار. يسأل رئيس المحكمة العميد الركن حسين عبدالله الوالد وحيد في البدء عن سبب مغادرته لبنان وأولاده مع القافلة التي أقلّت مسلحي النصرة وعائلاتهم. وبصوت خافت يكاد يُسمع أجاب: «لقد أجبرونا وقلنا لهم اتركونا بحالنا، ثم عدت عن طريق المصنع مع أولادي حيث أوقفنا».

ويتابع الوالد بأنه غادر لبنان في العام 2017 «بالتزامن مع خروج قوافل النصرة إلى إدلب»، نافياً انتماءه إلى أي تنظيم إرهابي «فلا علاقة لي بهم نهائياً»، ويضيف: «أنا غادرت كمعظم العائلات التي صعدت في هذه القوافل إنما مُكرَهاً».

وسئل عما أفاد به في التحقيق الأولي بأن أولاده جمعة وزكريا وبشار صعدوا إلى الجرود برفقة مسلحين ومكثوا شهرين هناك حيث قاموا بحفر الخنادق، فقال بأن أولاده «تعرضوا العام 2014 للخطف على يد مسلحين من داعش ونقلوهم إلى الجرود حيث بقوا شهرين هناك إنما لا أعرف ما هي الأعمال التي قاموا بها هناك إنما ما أعرفه أنهم لم يشاركوا في القتال ضد الجيش اللبناني». وتابع الوالد يقول رداً على ما أفاد به أحد أقربائه بأنه كان وأولاده لفترة مع التنظيمات الإرهابية ثم غادروا بالقوافل وعادوا إلى لبنان: «يشهد الله ما إلي علاقة ولا أولادي في أي عمل إرهابي».

وباستجواب جمعة أنكر ذهابه إلى الجرود، وزعم بأن اعترافاته الأولية جاءت تحت الضغط، ومنها مشاركته في حفر الخنادق. وحول ما أكده والده بأنه بالفعل ذهب وشقيقاه الآخران إلى الجرود لشهرين أجاب جمعة: «أنا لا أكذب، خلّونا نحكي هالحكي تحت القتل».

وبادره رئيس المحكمة، وهل أن والدك يكذب اذاً؟ فقال: «والله العظيم ما طلعنا معهم ولا علاقة لي بهم».

أقرّ جمعة في معرض التحقيق الأولي معه أنه كان مقرباً من قياديي النصرة وخصوصاً أبو علي الشيشاني وأنه تعرف على الأخير عندما ذهب إلى الجرود وعمل كمرافق له مرات عدة ومنها في إحدى المؤتمرات الصحافية لدى توقيف الجيش زوجة الشيشاني، لينفي ذلك أمام المحكمة.

أما زكريا فجاءت إفادته مغايرة لإفادة شقيقه جمعة بحيث أكد أن والده تعرض للضرب على يد مسلحين من داعش الذين أجبروهم على مرافقتهم إلى الجرود، حيث عمد المسلحون إلى عصب أعينهم واقتادوهم إلى مكان يجهلونه ثم أعادوهم في اليوم التالي. فيما أفاد بشار الذي كان يبلغ من العمر أثناء ذلك 11 عاماً بأن والدته تعرضت لإطلاق النار من المسلحين ووالده للضرب عندما حضروا لإجبارهم على مرافقتهم إلى الجرود إنما «ما طلعنا».

وأين كنتم خلال «أحداث عرسال» في آب العام 2014، أجمع الوالد وابناؤه الثلاثة على أنهم اختبأوا «في قبو».

وبعد مرافعة ممثل النيابة العامة القاضي كلود غانم الذي طلب تطبيق مواد الاتهام، ومرافعة وكيلة المتهمين المحامية عليا شلحة التي طلبت لهم البراءة، أصدرت المحكمة حكماً أعلنت فيه براءة الوالد وحيد وكل من زكريا وبشار من التهم المنسوبة إليهم فيما جرّمت جمعة وحكمت عليه بالسجن مدة سنة وإلزامه بتقديم بندقية حربية.

(خاص "المستقبل")