رولا عبدالله

تحتاج المرأة اللبنانية إلى 116عاماً من أجل أن تحظى بالمساواة في التمثيل النيابي. الرقم صادم إلا أنه واقعي بالنظر إلى التقدم الضئيل الذي أحرزته في الانتخابات النيابية الأخيرة ولا يتعدى نسبة 1،2 في المئة، على الرغم من التحالف الوطني الذي تشكل في العام 2017، وضم الهيئات الأهلية النسائية ومؤسسات المجتمع المدني الساعية لتعزيز المساواة وحقوق الانسان، إضافة إلى الهيئة الوطنية لشؤون المرأة ووزارة الدولة لشؤون المرأة بهدف أن يلحظ قانون الانتخابات الجديد في حينها كوتا نسائية تصل إلى 30 في المئة، إلا أن القانون لم يصدر وتقلصت احتمالات فوز الـ113 مرشحة إلى 6 سيدات (4،6 في المئة)، وهو الأمر الذي استدعى عودة التحركات المطالبة بالكوتا في مرحلة أولية، فكان أن أطلق «المركز العربي لتطوير حكم القانون والنزاهة» في مؤتمره الوطني في فندق الهيلتون أمس دراسة قانونية حول «تشجيع الأصوات المهمشة في عملية المشاركة السياسية في لبنان»، بدعم وتمويل من حكومة الولايات المتحدة الأميركية، وبجهد قدمه خبراء المشروع وبينهم المديرة العامة لمنظمة المرأة العربية فاديا كيوان، فهمية شرف الدين، لينا علم الدين، أودين سلوم، وكذلك فريق عمل إدارة المشروع وبينهم مؤسس المركز وسيم حرب ونللي ريحان ومنسقة المشروع نادين حمادة وسالي شرارة وروجيه خوري والعديد من أهل الاختصاص والخبرة في القانون.

تأتي الدراسة بمثابة جردة حسابات «قانونية»، في ما أحرزته المرأة وما تنتظره، بالتزامن مع دخول البلد في الاستحقاق الحكومي، على أمل أن تشكل الشرارة للسؤال: «من أين نبدأ؟، بعيداً عن الحالة القدرية التي ما عادت تجدي تقدماً، فكان الخيار بالانحياز إلى الجانب القانوني في فعل التغيير باعتباره مفتاحاً رئيسياً في الدخول إلى مجتمع يقيس الإنسان بكفاءته وجدارته، بعيداً عن جنسه وطائفته، ولا سيما في موضوعات محتدمة من مثل الجنسية ومشاركة المرأة في الحياة السياسية، مع الأخذ في الاعتبار ضرورة أن تتكاتف النساء والجهات الداعمة لها على أرضية واحدة في الطريق نحو التغيير، بحيث لا تشهد العاصمة اللبنانية مؤتمرين نسائيين في فندقين مختلفين تحت عنوان واحد وأهداف مشتركة. أما الحقول التي طرقتها الدراسة، فهي: قوانين الأسرة، قانون الجنسية، قانون العقوبات اللبناني، قانون حماية المرأة وسائر أفراد الأسرة من العنف الأسري، قانون العمل، قانون الانتخابات، مرفقة بأسئلة قيد البلورة والتطوير من مثل: هل أن مشاركة المرأة السياسية هي هدف بحد ذاته أم وسيلة؟ وفي هذه الحال ما هي الغاية من مشاركة المرأة في الحياة السياسية وفي صنع القرار؟ وهل يمكن السعي إلى تحقيق المساواة بين الجنسين في الحياة العامة فيما إن هناك أشكال سافرة من التمييز بين المرأة والرجل في المجالات الأخرى، ولاسيما منها الأدوار الأسرية النمطية لكلا الجنسين في الأسرة وفي الأرث وفي المجتمع وفي الحياة الاقتصادية ؟ وما هي المطالب الخاصة بالمرأة والتي تستحق أن تمنح الأولوية في أجندة الجمعيات النسائية؟ كيف يمكن وضع تصور مدني استراتيجي في مجال العمل لتعزيز مشاركة المرأة في صناعة القرار في مختلف الميادين؟.كيف يمكن تقييم التقدم التدريجي وتقييم فعالية الأنشطة والمشاريع؟ وهل هناك حاجة للمزيد من الدراسات وفي أي مجالات؟ ومن لديه القدرة على القيام به؟.

وتحدثت خلال المؤتمر مديرة المشاريع في المركز العربي نيللي ريحان التي أشارت إلى أن الدراسة تندرج ضمن أنشطة مقررة. وأشارت السفيرة الأميركية إليزابيث ريتشارد إلى أهمية أن تتكاتف عضوات البرلمان والهيئات غير الحكومية من أجل تشكيل كتلة مؤثرة في ما يخص المجتمع. وبعد تسليم حرب درعاً تذكارية إلى ريتشارد، تحدث وزير الدولة لشؤون المرأة جان أوغاسابيان عن الدور الذي قدمته الوزارة في إحداث نقلة نوعية في القضايا التنموية التي تخص المرأة، لافتاً إلى أهمية الدعم الأميركي في مرحلة تختبر فيها المنطقة العربية تغيرات وثقافات جديدة. وحذّرت داليدا بارود ممثلة النائب بولا يعقوبيان من انعكاسات الدور الذكوري الذي لا يزال مهيمناً في المجتمع، مطالبة بالكوتا بعيداً عن المزايدات التي حوّلت المرأة إلى زينة من مثل القول: «زينّا لائحتنا بامرأة».

وفي الختام نظّمت جلسة استشارية مع لينا علم الدين، سبقها شرح من كيوان عن الدراسة التي تسعى للانطلاق نحو مجتمع تحمل فيه المرأة قضية المجتمع بدلاً من الانغماس في شؤونها وشجونها، وهذه المرأة من الزاوية القانونية إذ من المعيب أن يكون في مجتمعاتنا نساء «معلقات» لأنهن غير قادرات على الحصول على الطلاق، أو أن يمنع الجد أحفاده من السفر على الرغم من حصول الأم على حق الحضانة، وغيرها حالات كثيرة من شأنها أن تكبّل المرأة بمشكلاتها بدلاً من التطلع إلى مشكلات الوطن الكبرى. ولفتت كيوان إلى أن الأمر يتطلب انتظار 116 سنة من أجل حصول المرأة على المساواة في التمثيل النيابي، مشيرةً إلى أن ثمة مشكلة في الانقسام الحاصل بين النساء لجهات موضوعات عدة، وهو أمر قد يجعل أي لقاء يشبه حوار الطرشان.

وأسفت كيوان لخلو البرامج الانتخابية من أي مشاريع تسهم في تحسين دور المرأة، في الوقت الذي لا زالت التكتلات النسائية غير مؤثرة على الرغم من ارتفاع عددها، متمنية الانتقال من مرحلة النزاع على الهوية إلى العمل السياسي البحت، سواء من خلال العمل على القطعة أو من النزعة الراديكالية التي تجزم بضرورة التغيير.

وخلص المؤتمر إلى توصيات أبرزها: "بعد تجربة الانتخابات العامة لسنة 2018، بات ملحاً أن تعود الهيئات النسائية وكذلك مؤسسات المجتمع المدني المعنية بالدعوة والمناصرة حول حقوق الانسان، إلى تأسيس وإطلاق حملة وطنية جديدة لدعم اعتماد الكوتا لضمان فرص حقيقية للمرأة في المشاركة السياسية. وكذلك إجراء تقييم لانتخابات 2018 من زاوية مشاركة النساء فيها، ما لها وما عليها، على أن يطال التقييم أداء مرشحي المجتمع المدني في مجال تشجيع النساء على الترشح ودعمهن. والاتفاق على الأهمية الاستراتيجية للمشاركة السياسية للنساء كوسيلة لابد منها لضمان حقوقهن في مختلف مجالات صناعة القرار الأخرى. وأن يتناول التمييز الإيجابي، مشاركة المرأة في الأحزاب السياسية، على كل المستويات، بالإضافة إلى مشاركتهن في الانتخابات البلدية والتشريعية وضمان تواجدهن الوازن في السلطة التنفيذية. والقبول بالمقاربتين الاصلاحية والراديكالية، بما يخص قوانين الأسرة، بسبب الانقسام حول الموضوع، وربما من الحكمة اعتماد الاثنتين معاً. فهناك تقدم ولو خجول في مجال تطوير التشريعات الطائفية والبعض متمسك به. وأن يتم التعاون مع جهات مدنية واسعة بشكل تحالف مدني للمطالبة بقانون مدني للأحوال الشخصية لأن الموضوع لا يهم النساء وحدهن.

وفي موضوع الجنسية، شددت التوصيات على التمسك بالمساواة التامة بين المواطنين من الجنسين في قانون جديد للجنسية. وفي قانون العقوبات هناك مواد ما زالت قيد الجدل وبخاصة المادتين 519 و505. فبعض الناشطين والحقوقيين من الجنسين يعتبرون أن هاتين المادتين تعيدان تطبيق روح المادة 522 التي تم إلغاؤها. أما المادة 518 فيجب العمل لالغائها. بصورة عامة، إن تنزيه قانون العقوبات من الشوائب ما زال ذات أولوية.

ودعت الدراسة الهيئات النسائية وسائر مؤسسات المجتمع المدني أن تضاعف جهودها في هذه المرحلة ليتم وضع آليات فعلية وفاعلة لحماية المرأة من العنف الأسري وليس فقط الاقتصاص من الجاني. إضافة إلى السعي لتشديد العقوبات على الجناة والضغط على الجهات ذات الصلاحية من قوى أمنية وقضاء لإبداء تشدد أكبر في هذا الموضوع. وتشديد العقوبة على التحرش الجنسي في أماكن العمل وعلى سفاح القربى.