«فالج لا تعالج. للأسف ومنذ عشرات السنين، هذا وضع بلدنا الذي يعاني من أمراض مستعصية في غرفة العناية الفائقة، ولم يجد حتى الآن من ينقذه من حالته المتدهورة. نحن جيل الشباب نريد أن نعيش بشكل طبيعي، ونرفض أن يضعونا في خانة العاطلين عن العمل، أو يجعلوا منا مسنين قبل الأوان»، هكذا عبّر مارك ع. ابن الثلاثين عاماً، عن نظرته للوطن الذي يحب ويرغب في أن يعيش فيه ويؤسس عائلة، حاله حال عدد كبير من الشباب اللبناني الذي فقد الأمل ببلاده. ويقول: «أنا شاب تخرجت من إحدى كليات الهندسة في لبنان، وسافرت للعمل في الخارج لأنه كما بات معلوماً، فإن فرص العمل ضئيلة جداً في بلدنا، فادخرت بعض الأموال لأشتري شقة في وطني، لأصطدم بالأسعار الباهظة في العاصمة بيروت، لكن أكثر ما جعلني أغيّر رأيي هي الأوضاع السيئة السائدة على الصعد كافة، والتي لا يبدو أنها تسير على سكة الحل في المدى المنظور، ولا تشعرني بالأمان والاستقرار. لذلك، توجهت إلى تركيا، واشتريت منزلاً هناك بسعر أرخص وبمواصفات أفضل، لأنني كنت خائفاً أن تذهب الأموال التي أدخرتها على مدى سنوات، هدراً في بلدي الذي أراه يتأرجح على كف عفريت. وأتمنى من كل قلبي أن يأتي يوم، وأبيعه لأشتري غيره في لبنان بعد أن يكون وضعه السياسي والأمني والاقتصادي قد استقر، ويصبح على قدر آمالنا».

وإلى جانب مارك، يجلس صديقه جايسن الذي هو أيضاً يعمل في احدى شركات الهندسة الكبرى في أميركا، بات اليوم مقتنعاً كل الاقتناع رغم معارضة أهله، بشراء منزل في اليونان، ويقول: «ارتضينا العمل في الغربة والبعد عن أهلنا على مدى عشر سنوات، وسافرنا باعتبار ان أوضاع البلد ليست مطمئنة كما أنه لا يحتاج إلى هذا الكم الهائل من الخريجين. لكن اليوم، وبعد عودتي أرى أن كل الأمور لا تزال على حالها. حتى أبسط مقومات الحياة غير متوافرة منذ سنوات إلى اليوم، وهذا يدل أن ليس هناك نية لحل المشاكل. لذلك، أنا اليوم في صدد شراء منزلي المستقبلي في اليونان». وبعد أن صمت لفترة وجيزة، ظهرت على وجهه علامات الأسف وعدم الرضى، متسائلاً: «لماذا اليونان وقبرص وتركيا وغيرها الكثير من الدول التي شهدت حروباً أهلية، وعانت من البطالة وتردي الأحوال الاقتصادية، باتت اليوم من أكثر البلدان تطوراً ونمواً أو على الأقل وضعت على سكة الحلحلة؟ لأن المسؤولين في تلك البلدان يحبون أوطانهم ويعملون لمصلحتها في حين أن المسؤولين في بلدنا لا يعملون إلا لمصالحهم الخاصة، وذلك على مر عقود حتى بات الشباب وكل المواطنين فاقدين الثقة بوطنهم وبمسؤوليهم. الشباب اليوم يريدون أن يشعروا بالاطمئنان والاستقرار النفسي على قدر الاستقرار المادي والاقتصادي، وأنا على ثقة أنه عندما يبدأ المسؤولون بوضع مشاكل البلد في سلم أولوياتهم، سيصبح في فترة وجيزة من أهم الدول، لأننا نحن كشباب لبناني لدينا الكفاءة والقدرة. وكما نجحنا في دول الانتشار، سننجح في انتشال وطننا من غيبوبته».

وبين من يسلم أن لبنان مكتوب عليه أن يبقى في وضع غير مستقر سياسياً وأمنياً واقتصادياً، وأن يبقى في حالة مرض يتنقل من الغرفة العادية إلى غرفة العناية الفائقة، لا يشفى ولا يموت، وبين من يرى في هجرة رعيل الشباب الذين تراوح أعمارهم بين 23 و39 عاماً، غنى للبنان في دول الانتشار، فالنتيجة واحدة: شباب لبناني يتخلى عن هويته لأنه يريد أن يؤمن مستقبلاً أفضل لأولاده، ما يشجعه على اقتناء العقارات في الدول المجاورة لا سيما في قبرص واليونان وتركيا، إذ إن ثقته بالمسؤولين وصلت إلى حدها الأدنى.

ويقول عضو المجلس الدستوري، أستاذ القانون وعلم الاجتماع، أنطوان مسرة في حديث إلى «المستقبل»: «ظاهرة التملك في الخارج عالمية حيث هناك كثير من البلدان التي تُسهل هذا الأمر كما أن السياحة والعمل الموقت يلعبان دوراً في الإقدام على التملك»، مشدداً على أنه «إذا كان الاستثمار في الخارج لأسباب اقتصادية، فهذا دليل عافية، لكن إذا كان سبب التملك في الخارج يعود لأسباب نفسية، فهنا تكمن الخطورة حيث أن الثقة عامل تنمية، والقلق على المستقبل في لبنان ينمي ظاهرة عدم الثقة»، معتبراً أنه «بات من واجبات المسؤولين أن ينموا الثقة لدى الشباب والشعب اللبناني، وأن يقوموا بخطوات في هذا الاتجاه وليس الاكتفاء بالأقاويل والوعود».

ويرى الاختصاصي في علم النفس نبيل خوري أن «الشباب يلجأون إلى التملك في الخارج بسبب الخوف من المستقبل وما يخبئه وعدم الثقة مما يمكن أن ينتج من الحكومات المتعاقبة، والمشاكل الاقتصادية التي لا تطمئن النفوس، والسعي لإيجاد أرضية مطمئنة صالحة خارج أراضي دائمة الاضطراب لحماية المصالح الاقتصادية للأبناء والأحفاد»، معتبراً أن «حق الملكية مقدس، ويبقى مصاناً بالحد الأدنى لعقود في الخارج، أما في لبنان فليس هناك من صيانة للملكية، وعدد كبير من الأشخاص خسروا أرزاقهم. التملك في الخارج لا يُشكل مصدر قلق بالنسبة للشباب».

(خاص "المستقبل")