«علاقاتنا كانت في أسوأ حالاتها قبل اليوم لكن هذا تغير منذ 4 ساعات»، بهذا الكلام الإيجابي جداً لخص الرئيس الأميركي دونالد ترامب وقائع «قمة هلسنكي» الثنائية الأولى بينه وبين نظيره الروسي فلاديمير بوتين، والتي تناولت «مواضيع موجعة» وترت العلاقات بين واشنطن وموسكو خلال السنوات الماضية، وكان لافتاً اتفاق الزعيمين على أن تكون «الأزمة السورية في الفترة المقبلة، مثالاً لكيفية إمكان تطوير العلاقة بيننا بشكل فعّال»، كما تأكيدهما على ضرورة «ضمان أمن إسرائيل في ظل التطورات الجارية في سوريا»، في حين احتفظا بخلافهما في ما يتعلق بإيران وشبه جزيرة القرم وقضايا أخرى.

وفي مزحة سياسية، علق بوتين على تصريح لوزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو تحدث فيه عن أن «كرة التسوية» في سوريا تبقى في ملعب روسيا، بالقول في المؤتمر الصحافي المشترك مع ترامب: «في ما يتعلق بكون كرة سوريا في ملعبنا.. فقد قال السيد الرئيس (ترامب) بأننا نجحنا في استضافة كأس العالم لكرة القدم. وأريد أن أقدم هذه الكرة للسيد الرئيس، فهي الآن في ملعبه».

وفي المؤتمر الصحافي عقب القمة، أبدى الرئيسان استعدادهما لتعزيز التنسيق والتعاون بشأن الأزمة السورية من أجل إقامة مناطق آمنة في سوريا تسمح للاجئين السوريين المنتشرين في بلدان الجوار مثل لبنان والأردن وتركيا بالعودة إلى بلادهم. وأكد بوتين أن من الضروري، بعد دحر الإرهابيين جنوب غرب سوريا، «تكييف الوضع في مرتفعات الجولان بالتوافق التام مع الاتفاق المؤرخ في العام 1974 حول فصل القوات الإسرائيلية والسورية». واعتبر أن هذا سيتيح إعادة الهدوء إلى هذه المنطقة، وإحياء نظام وقف إطلاق النار بين القوات السورية والإسرائيلية «وضمان أمن دولة إسرائيل بشكل وثيق».

وقال بوتين: «الرئيس ترامب أولى اهتماماً خاصاً لهذا الموضوع اليوم (أمس)، وأود التأكيد بأن روسيا مهتمة بهذا التطور للأحداث، وستلتزم بهذا الموقف بالضبط». ورأى أن اتخاذ هذا الإجراء سيُمثل خطوة في طريق إحلال سلام عادل وصارم في المنطقة على أساس قرار 338 لمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة.

وأشار بوتين إلى أنه تحدث في الشأن السوري أول من أمس، مع الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون، الذي كان يُشاهد نهائي كأس العالم الذي فازت به فرنسا في موسكو، واتفق معه على تعزيز الجهود الإنسانية الروسية والأوروبية عبر إرسال طائرات شحن مساعدات إلى الأراضي السورية لمساعدة المحتاجين.

ترامب من جهته، أكد أن «بوتين يعمل لمصلحة أمن إسرائيل تماماً مثل الولايات المتحدة. لكننا أيضاً نريد أن نعمل على حل المأساة الإنسانية التي يعيشها الشعب السوري، وأن نعمل على بناء أماكن إقامة آمنة للسوريين الفارين إلى دول الجوار كي يعودوا إلى بلادهم».

وذكّر ترامب بالتنسيق العسكري الأميركي - الروسي في سوريا، وبإنجازات التحالف الدولي التي أسهمت في القضاء على 98 أو 99 في المئة من وجود «داعش» في المنطقة. لكنه شدد على وجوب «تشديد الصغط على إيران وعدم السماح لها بالاستفادة من انتصارات التحالف على داعش في المنطقة».

وطرح بوتين على ترامب انضمام الولايات المتحدة وبلدان أخرى إلى محادثات الآستانة الخاصة بسوريا التي تشمل إضافة إلى روسيا، كلاً من إيران وتركيا. وقال الرئيس الروسي إن «الكرة الآن في الملعب الأميركي» بهذا الخصوص، معتبراً أن «الأزمة السورية ستكون في الفترة المقبلة مثالاً لكيفية إمكان تطوير العلاقة بيننا بشكل فعّال».

ولفت بوتين إلى أن مواقف موسكو وواشنطن حول الملفات الإقليمية لا تتطابق في جميع المسائل، إلا أن «عدد المصالح المشتركة ليس قليلاً أيضاً»، مشدداً على «وجوب البحث عن القواسم المشتركة، وتعزيز التنسيق بما في ذلك في إطار المنتديات الدولية».

وأكد ترامب أنه أولى مع نظيره الروسي وقتاً كثيراً لبحث «القضية المعقدة التي تمثلها الأزمة في سوريا». وقال: «إن التعاون بين بلدينا قد ينقذ حياة مئات آلاف الأشخاص. لو نستطيع فعل شيء من أجل مساعدة الشعب السوري وتقديم مساعدات إنسانية له، فأعتقد أن كلينا سنكون مهتمين جداً بذلك. إننا سنقوم بهذا».

وكرر بوتين موقفه الداعم للاتفاق النووي المبرم عام 2015 مع إيران، وقال: «بفضل هذا الإتفاق، تُعتبر إيران أكثر بلد خاضع للرقابة الدولية حالياً، فقد أوفى الإيرانيون بالتزاماتهم وسمحوا لمفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية بزيارة المواقع التي طلبوها. كما أن تقرير المفتشين الأخير أكد على سلمية البرنامج النووي الإيراني».

وأكد الزعيمان أن موفدين من مجلسي أمنيهما القومي، سيواصلان اللقاء بصورة دورية لمتابعة شتى الملفات.

وجدد بوتين النفي بشكل قاطع لأي تواصل بين السلطات الروسية وحملة ترامب من أجل رفع حظوظ ترامب بالفوز في الانتخابات الرئاسية ضد هيلاري كلينتون قبل عامين. كما سخر بوتين من سؤال صحافي حول ما إذا كانت موسكو تملك معطيات حرجة عن ترامب تضغط عليه بها.

في المقابل، اعتبر ترامب أن قمة هلسنكي هي «أول خطوة في تحسين العلاقات بين روسيا والولايات المتحدة التي كانت في أسوأ حالاتها قبل القمة».

وعلى الرغم من وقوف الزعيمين على طرفي النقيض حيال شبه جزيرة القرم، إلا أن ترامب اعتبر أن المحادثات كانت إيجابية، وأنه متفائل بعقد المزيد من اللقاءات، وبأن مسار التخلص من الأسلحة النووية سيبدأ باتخاذ الطريق الصحيح. ولم يغفل الرئيس الأميركي عن لوم إدارة سلفه باراك أوباما التي لم تكن على حد قوله، تُحسن لغة الحوار.

ورد بوتين في المقابل أن «موقف الرئيس ترامب من القرم معروف، وهو متمسك به، ويتحدث عن عدم شرعية انضمام القرم إلى الاتحاد الروسي، لكننا نلتزم بوجهة نظر أخرى، ونعتقد أننا أجرينا الاستفتاء بالتوافق الصارم مع القانون الدولي وميثاق منظمة الأمم المتحدة.. إن هذه المسألة مقفلة بالنسبة لنا، بالنسبة للاتحاد الروسي. قضي الأمر».

وكان ترامب وبوتين عقدا لقاء ثنائياً استمر أكثر من ساعتين في هلسنكي، تلاه لقاء موسع مع كبار المسؤولين من البلدين.

وقال ترامب، في مستهل الجلسة الموسعة للمحادثات، تعليقاً على لقائه الثنائي مع بوتين: «أعتقد أن هذه كانت بداية جيدة بالنسبة للجميع».

وأكد الزعيمان في بداية لقائهما وجهاً لوجه، الذي استمر ساعتين و10 دقائق، على أهمية هذه القمة من أجل بحث العلاقات الثنائية وكذلك القضايا الدولية الملحة.

وقال بوتين: «الاتصالات الدائمة مستمرة بيننا. ونحن تحدثنا هاتفياً والتقينا مرات عدة في مناسبات دولية مختلفة. ولكن بالطبع آن الأوان للحديث بالتفصيل حول علاقاتنا الثنائية ومختلف المواضع المؤلمة في العالم، إنها كثيرة بما يكفي لنوليها الاهتمام».

بدوره، صرح ترامب: «لدينا مسائل كثيرة علينا أن نناقشها ومسائل أخرى علينا التفكير فيها». وأشار إلى أن العالم كله يتطلع لنتائج هذه القمة، موضحاً أن روسيا والولايات المتحدة «أكبر قوتين نوويتين وليس من الجيد أن تكون بيننا خلافات».

وفي واشنطن، تعرض ترامب، إلى انتقادات لاذعة من زعيمي الحزبين الجمهوري، الذي ينتمي له، والديموقراطي، وذلك بعد التصريحات التي أدلى بها عقب لقائه بوتين.

وقال زعيم الجمهوريين في مجلس الشيوخ الأميركي (الكونغرس)، ميتش ماكونيل، إن على ترامب «أن يدرك أن روسيا ليست حليفتنا». فيما وصف زعيم الديموقراطيين في الكونغرس، تشاك شومر، ترامب بأنه «خطير وضعيف».

واتهم شومر الرئيس الأميركي، بالإدلاء بتصريحات «غير مسؤولة وخطيرة وضعيفة» أمام نظيره الروسي. وقال في تغريدة على تويتر: «مسألة وحيدة لا تحمد عقباها تُطرح الآن على البيت الأبيض: ما الذي يدفع ترامب لتغليب مصالح روسيا على مصالح الولايات المتحدة».

بدوره، وصف السناتور الجمهوري جون ماكين قمة هلسنكي بأنها «خطأ مأسوي» وتراجع جديد للولايات المتحدة، متهماً ترامب بالتقاعس عن الدفاع عن بلاده.

وقال ماكين «لم يتقاعس الرئيس ترامب فحسب عن قول الحقيقة عن خصم، ولكن رئيسنا الذي يتحدث باسم أميركا للعالم، تقاعس عن الدفاع عن كل ما يجعلنا ما نحن عليه.. جمهورية شعب حر كرس نفسه لقضية الحرية في الداخل والخارج». وأضاف: «من الواضح أن قمة هلسنكي كانت خطأ مأسوياً».

ورأى جون برنان المدير السابق لـ«سي آي ايه» بين عامي 2013 و2017 أن «أداء» ترامب في هلسنكي «ليس أقل من عمل خيانة». وغرد «لم تكن تصريحات ترامب حمقاء فحسب، بل بدا ألعوبة بأيدي بوتين»، وتساءل «أين أنتم أيها الوطنيون الجمهوريون؟».

(«المستقبل»، روسيا اليوم، سكاي نيوز، عربية)