تتجه أنظار العالم اليوم صوب العاصمة الفنلندية هلسنكي حيث ستعقد اول قمة ثنائية بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب ونظيره الروسي فلاديمير بوتين. وقد تمثل القمة حقل ألغام سياسي محتمل في الداخل بالنسبة لترامب بينما تمثل انتصارا جيوسياسيا لنظيره الروسي.

ولا يتوقع أي من الطرفين أن تتمخض المحادثات في العاصمة الفنلندية عن انفراجات كبرى باستثناء الكلمات الطيبة والاتفاق على إصلاح العلاقات الأميركية _ الروسية المتدهورة وربما التوصل لاتفاق بشأن بدء محادثات في قضايا مثل الأسلحة النووية وسوريا.

وقد يتفق الزعيمان، اللذان امتدحا قدرات بعضهما البعض القيادية عن بعد، أيضا على بدء زيادة عدد العاملين في سفاراتي بلديهما وعودة الممتلكات الدبلوماسية المصادرة بعد موجة من الطرد والتحركات العقابية في أعقاب تسميم جاسوس روسي سابق في بريطانيا.

وينوي الرئيسان بحث آفاق العلاقات الثنائية ومناقشة القضايا الراهنة على الأجندة الدولية والتي تُشعل الخلافات بين البلدين خلال لقائهما، وتنظر طهران بأهمية وتخوف شديد إلى القمة، نظرًا لما يتم تداوله من تنبؤات لما سوف تسفر عنه مناقشات الطرفين حول ملف وجود القوات الإيرانية في سوريا.

ويعد الملف السوري من المواضيع الرئيسية لمحادثات الرئيسين، فهو النقطة الفاصلة في كافة الملفات الدولية العالقة فعليا بين الدولتين، فبالرغم من كثرة الموضوعات التي ستكون مطروحة على طاولة النقاش والمتمثلة في قضية انضمام شبه جزيرة القرم إلى روسيا، والاتهامات بـ "التدخل الروسي" المزعوم في الانتخابات الرئاسية بالولايات المتحدة التي فاز بها ترامب في نهاية عام 2016، والخلاف حول أوكرانيا، وكوريا الشمالية، ومراقبة الأسلحة النووية، إلا أنه من غير المرجح التوصل إلى اتفاقات حولها.

وتدور التنبؤات حول ما سوف تسفر عنه المحادثات بين الطرفين بشأن الأزمة السورية حول ثلاثة احتمالات، يدوران حول تقليص النفوذ الإيراني في سوريا، أي أن إيران هي محور هذا الملف وليس رئيس النظام بشار الأسد، وهما على النحو التالي:

الاحتمال الأول: يتمثل في الاتفاق على انسحاب القوات الإيرانية من سوريا وتحميل روسيا مسئولية طردها مقابل إعادة تأهيل الرئيس السوري بشار الأسد، وقد صرح وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف سابقًا بأن حدوث ذلك "غير واقعي على الإطلاق"، فإيران كما صرح مستشار المرشد الأعلى للثورة الإيرانية علي أكبر ولايتي ستسحب قواتها من سوريا والعراق إذا طلب سلطات هاتين الدولتين ذلك. كما نفى الكرملين أنباء عن وجود صفقة بانسحاب القوات الإيرانية وميليشياتها من سوريا مقابل رفع العقوبات الاقتصادية الغربية عن روسيا.

الاحتمال الثاني: يزعم الاتفاق على البحث عن وسيلة مناسبة لانسحاب القوات الأمريكية من سوريا، مقابل احتواء روسيا للوجود الإيراني. وما يعزز من ذلك الاحتمال تصريحات وزير الخارجية الروسي لافروف الأسبوع الماضي بأنه لا يتوقع انسحابًا كاملا لإيران من سوريا، وهو ما يوحي بأن هناك استعدادًا لقبول حل جزئي.

وهي الرؤية التي يطرحها فريق المستشارين المرافق للرئيس الأمريكي، بأن يتوصل الرئيسان الأمريكي والروسي إلى اتفاق حول نشر قوات حكومية سورية على طول الحدود مع الجانب الإسرائيلي من مرتفعات الجولان، وانسحاب القوات الإيرانية وحزب الله تدريجيًا من المنطقة.

والقلق السائد الآن يدور حول ما يعتزم الرئيس ترامب تقديمه إلى فلاديمير بوتين، مثل اعتراف الولايات المتحدة بالسيطرة الروسية على شبه جزيرة القرم، أو تخفيف العقوبات مقابل تعهد روسيا بالحد من النفوذ الإيراني.

الاحتمال الثالث: أن لا يسفر اللقاء عن نتائج ملموسة تتعلق بالملف السوري، وأن ينتظر إجراء تغيير حقيقي به القمة الثلاثية المنتظرة بين روسيا وتركيا وإيران أواخر الشهر الجاري والمقرر عقدها في طهران.



وقبل القمة، قلل الطرفان من قيمة الحدث إذ قال ترامب لشبكة "سي.بي.إس" إنه سيدخل القمة "بتوقعات منخفضة" بينما قال جون بولتون مستشار ترامب للأمن القومي لشبكة (إيه.بي.سي) إن الولايات المتحدة لا تتطلع لتحقيق "إنجازات" وإن الاجتماع لن يكون منظما.

وأبلغ وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف تلفزيون (أر.تي) أن توقعاته منخفضة أيضا. وقال إنه سيعتبر القمة ناجحة لو تمخضت فقط عن اتفاق لإصلاح خطوط الاتصالات التي انقطعت بين الجانبين.

وبالنسبة لبوتين فإن حقيقة عقد القمة، رغم حالة شبه النبذ التي تشهدها روسيا من بعض الأمريكيين وحلفاء واشنطن، هي فوز جيوسياسي لأنه يظهر، بالنسبة للروس، أن واشنطن تعترف بموسكو كقوة عظمى ينبغي وضع مصالحها في الاعتبار.

وبالنسبة لروسيا فإنها أيضا مؤشر قومي على أن المساعي الغربية لعزلها فشلت.

لكن بالنسبة لترامب، الذي أفادت لائحة اتهامات أميركية صدرت في الآونة الأخيرة أن فوزه بالبيت الأبيض حصل على دعم فعلي من 12 عميلا للمخابرات العسكرية الروسية، والذي لا يزال أفراد من دائرته المقربة تحت التحقيق لاحتمال التواطؤ مع موسكو، فإن القمة محفوفة بالكثير من المخاطر السياسية.

وقال أندري كورتنوف مدير مؤسسة رياك البحثية في موسكو المقربة من وزارة الخارجية "نستطيع أن نقول بثقة إن المخاطر السياسية على بوتين أقل بكثير من المخاطر على الرئيس ترامب". وأضاف "بوتين ليس لديه الكثير ليخسره ولديه الكثير ليكسبه لأنه ليست له معارضة في الداخل، وليس لديه برلمان ربما يكون عدائيا، كما أنه لا يخضع للتحقيق مثل ترامب. لكن إذا نظرت إلى الإعلام الأمريكي فإنهم يركزون بشكل أساسي على المخاطر المحتملة. لا أحد هناك يعتقد أن هذه القمة ستنتهي على خير".

وخيم على رئاسة ترامب التحقيق في مزاعم بشأن تدخل روسيا في انتخابات الرئاسة عام 2016. ونفى ترامب أي تواطؤ مع الروس من حملته كما نفت موسكو أنها تدخلت.