* يحتل ما هو ديني مكاناً كبيراً في كتاباتك، لكنك تنتقد بشدة تعاليمه، من أين تأتي هذه الجاذبية - السلبية؟

- ترعرعت في بيت جد مؤمن دينياً. كانت أمي تقرأ التوراة وتعزف على الأورغ في الكنيسة. كان والدي باحثاً في الرياضيات، وعلمياً، حاولت دائماً أن أصالح هذين العالمين، وأدهشتني ان الكائن الإنساني العقلاني والثقافي يمكن أن يؤمن بالقصص التي تقصّها الأديان.

* في أي سنة وعيت مجازية القصص التي تعلم؟

- في التاسعة أو العاشرة. كنا ذهبنا إلى متحف التطور الإنساني. سألت الكاهن الذي يرافقنا، كيف يمكن أن ينطبق هذا التطور على آدم وحواء؟ فأجابني «الأولاد المهذبون لا يطرحون مثل هذا السؤال!»، ومنذ تلك اللحظة ابتعدت. درست العلوم، الفيزياء، الكوسمولوجيا، الفلك، وفهمت أنه بقدر ما نتعمق في العلوم، بقدر ما نطرح أسئلة روحية. كانت أمي تقول إن العلم والدين لغتان تحاولان أن ترويا القصة ذاتها.. كنت دائماً، ثقافياً، متأثراً بأن كثيراً من الناس يحتاجون إلى التفكير بأن أحداً ما يسهر عليهم.. أو أن هناك عقداً أخلاقياً يجب الخضوع له، وإلا ستحدث أمور رهيبة لنا لأنها إرادة الله، وان هذه المعتقدات تجعلنا نحس أفضل.

* المدن والأبنية تحتل مكاناً جد كبير في رواياتك.. ما هي الأولوية، المكان؟ القصة؟

- بدأت كتبي وأنا مسافر.. الأمكنة تقود القصة. لا أستطيع تصور سيناريو من دون مكان محدد، إنها شخصيات كاملة.. أعرف أنه مهما حدث، فأنا في حاجة إلى بيئة مدهشة.. أجد موضوعاً هنا: «من أين نأتي؟ إلى أين نذهب» هل الله يبقى مع العلوم؛ لكن القصة لا تتخذ شكلاً قبل أن أزور متحف غوغنهام في بلباو. المرة الأولى التي زرته، لم يكن عندي شيء، تنفست النقاء المكاني، النبضات، وكانت الأفكار تأتي. كنت أرى درجاً دائرياً وقلت في نفسي: «انه مكان مناسب لاماتة شخص، وسجلت ملاحظاتي»، لكنني لم أذهب إلى إسبانيا من دون فكرة صغيرة. تسلحت بالوثائق على امتداد سنة، حول تطور البشرية، الخلق، الفن الحديث، الذكاء الاصطناعي، وقلت لنفسي إنها البلاد المنشودة لأحتضن في الوقت ذاته تاريخاً دينياً جد عميق، وعالماً فنياً حديثاً جد تقدمي وكذلك تكنولوجيا كبيرة. وضعت لائحة بالأمكنة الأكثر إدهاشاً في إسبانيا وزرتها.

الوقت

* كم تكرس من الوقت للبحث والكتابة، وأي تمرين تفضّل؟

- نصف على نصف. سنتان لكل نشاط. أفضّل البحث، المرادف للاستلهام. لكن الكتابة هي التطبيق المعقّد والموجع أحياناً. تحقيقاتي تبدأ دائماً بالانترنت، جمعت معلومات عن مونتسرا، ورأيت ان هناك ديراً يعود إلى القرن الحادي عشر، وفهمت أنه علي أن أزوره.

* كيف استقبلت؟ أنت لم يكن مُرحباً بك كثيراً في الفاتيكان، مثلاً..

- لم استقبل إطلاقاً في الفاتيكان، لا يريدونني هناك. في مونتسرا أظهروا كرماً كبيراً. كنت أريد أن أرى المكتبة، وهو مكان مغلق، لا يسمح إلاّ لقلّة بالدخول إليه. عندما اتصلت، قالوا لي انني قد أرى كثيراً من الأشياء ما عدا هذا. الأب الرئيس، جعلني أزور الأمكنة، ودار بيننا حديث مهم على مدى ساعة ونصف. وفي النهاية، أعلن أنه سيُريني المكتبة. قال لي: أرى جيداً بأنك لست ضدّ الدين، تسأل أسئلة كثيرة. أحببت «دافنشي كود». لا اؤمن لحظة بالأطروحات التي توسعها، لكنني وجدت الكتاب جد مشوق. لم أفهم ما هي القضية في هذا الكتاب، إنه للتسلية فقط، صرنا صديقين.

* في «الأصل» وسعت فكرة التكنولوجيا التي تدمّر الأديان، أهو كتاب خيالي أو خيالي - علمي؟

- أراه كتاباً خيالياً، التكنولوجيا التي أتكلم عنها في «الأصل» (onigire)، ليست على مسافة خمسين عاماً منّا، بل على عام. والبراهين الفيزيائية حول ولادة الحياة المعروضة في النهاية عمرها عام ونصف.

* هل يخيفك الذكاء الاصطناعي؟

- قليلاً، لكنني متفاءل بطبيعتي. استفهمت كثيراً حول الموضوع العديد من العلماء الذين لا يعرفون إذا كان الذكاء الاصطناعي سينقذنا أو سيدمّرنا. المتفاءلون يعتقدون أنه سيساعدنا على حل مسائل الاكتظاظ السكاني، التغير المناخي، وأنا على عتبة نهضة جديدة. البعض يخشى أن يصبح الذكاء الاصطناعي أكثر ذكاء وأقوى من الجنس البشري الذي لن يكون في حاجة إليه.

* أهو سيناريو من نوع «تيرميناتر»؟

- المستقبل لا يشبه «تيرميناتر» إذا تولت الناظمة الآلية الرقابة، فلن يفبركون روبوات لقتلنا. فقد يقطعوننا عن احتياطنا من مياه الشرب، أو قد يسمموننا. أخشى ألا يستخدم الذكاء الاصطناعي لأهداف سيئة. تاريخياً، لم يسبق أن خلق الجنس البشري تكنولوجيا لم يتمكن بعدها من جعلها سلاحاً.

* هل ستتصور أنك ستنفصل عن شخصيتك روبرت لنخدون؟

- نعم، وإن كان ذلك، ليس قراراً تجارياً. انا أكتب لأبيع كتباً، وإنما لمتعتي الخاصة، أن أقول ما أرغب في قوله. نجاح «دافنشي كود» كان مفاجأة رائعة غيّرت حياتي وعقدت ما بعد ذلك. كان عليّ أن أتعلم كيف أدير شهرتي، السينما، الدعاوى، وأمور كثيرة كانت جديدة لي. ومعرفة ان أول كلمة سأكتبها سيقرأها ملايين الناس ترعبني، استغرق العمل ست سنوات ونصف لأنهي التالي، «الرمز الضائع». أملك اليوم الكثير الكافي من المال لأستغني عن حاجتي إلى الكتابة. لكنني سأستمر لأنه ما زال عندي قصص لأرويها.

صدر كتاب «الأصل» لدان براون عن دار لاتيس في باريس من 576 صفحة.

ترجمة وتقديم بول شاوول