تاريخ الهزّات الأرضيّة في لبنان حافل، وهو من أخطر البلدان زلزالياً في منطقة الشرق الأوسط بسبب وجود فوالق ضمن أراضيه أبرزها فالق الشرق أو اليمونة. وأبرز الهزّات التي ضربت الساحل اللبناني ودمّرت بيروت بالكامل سنة 551، وأخرى مدمّرة حصلت عام 1202 وكانت بقوّة 7.6 درجات على فالق اليمونة أدّت إلى سقوط 31 عاموداً من هياكل بعلبك وأحدثت أضراراً جسيمة في طرابلس وبعلبك. وشهد التاريخ الحديث عدداً من الهزّات، وكان أعنفها عام 1956، وبلغت قوته 6 درجات، وحصلت على فالق روم المتفرع من فالق اليمونة، وأحدثت أضراراً كبيرة في منطقة إقليم التفاح وإقليم الخروب وفي البقاع، لكن الخسائر البشرية والأضرار كانت محصورة بالبيوت المبنية من التراب. وفي عام 1997 ضربت لبنان هزة بقوة 5.8 على مقياس ريختر، اقتصرت أضرارها على الماديات.

الهزّة الارضية التي ضربت لبنان مساء الأربعاء الماضي قرابة الساعة 10:45 مساء، بقوّة 4.3 درجات على مقياس ريختر، أعادت إلى أذهان المواطنين تاريخ لبنان مع الهزات خصوصاً تلك المدمرة، وذلك في ظل غياب سياسة واضحة للسلامة العامة، وعدم الالتزام بتطبيق قانون سلامة البناء الصادر سنة 2005، ومدى الجهوزية للاستجابة للكوارث الطبيعية، في الوقت الذي يُسجل المركز الوطني للجيوفيزياء التابع للمركز الوطني للبحوث العلمية - بحنس سنوياً حوالى 600 هزة، وشهرياً بين 45 و60 هزة، قوتها أقل من 3 درجات على مقياس ريختر، ولا يشعر بها الناس.

ويشير المسؤول عن شبكة الرصد الزلزالي في المركز رشيد جمعة إلى أن «ما نشهده هو أزمة زلزالية حيث تحصل هزات متتالية بوتيرة معينة على الفوالق، وهذا أمر طبيعي»، لافتاً إلى أن «الأزمة الأخيرة بدأت يوم الأربعاء عند الخامسة صباحاً واستمرت حتى صباح أمس حيث سجلنا أكثر من 30 هزة من يوم الأربعاء الماضي حتى أمس الجمعة».

ويوضح أن «هذا الحدث الزلزالي حصل على فالق المشرق المُمتد من البحر الأحمر مروراً بفلسطين ولبنان وسوريا وتركيا، وهو يفصل الصفيحة العربية شرقاً عن الصفيحة الأفريقية غرباً»، معتبراً أن «ما حصل جيولوجياً حدث طبيعي، وما شهدناه خلال الأحداث الزلزالية سنة 2008 كان بوتيرة سريعة ومتتالية على مدى أشهر إذ حصلت حوالى 1000 هزة خلال 4 أشهر و11 هزة فوق الـ4 درجات».

ويلفت إلى أن «الزلزال عادة يحصل في المناطق التي حصل فيها عبر التاريخ، ولبنان بلد معرّض لخطر زلزالي قوي لأنه تعرّض لمثلها عبر التاريخ، وهناك فوالق ضمن أراضيه، وبالتالي يمكن أن تأتي الهزة مُدمّرِة، وهناك نشاط زلزالي إذ إنه يُسجل كل سنة حوالى 600 هزة، كل ذلك يدل أننا نشهد حركة زلزالية ناشطة في بلدنا، لذلك يجب أن نكون جاهزين، وأن نحصن أنفسنا بالمعرفة»، مشدداً على «أهمية إدخال مواد متعلقة بالهزات والكوارث الطبيعية وكيفية الحماية منها في المناهج التربوية، واحترام التنظيم المدني وقوانين سلامة البناء، كما يجب القيام بحملات توعية عبر وسائل الإعلام»، مشيراً إلى أن «بلدنا أخطر بلد زلزالي في منطقة البحر المتوسط»، معتبراً أن «أي شيء وارد، وطالما شهدنا عبر التاريخ هزات قوية يمكن أن تحصل في وقت ما، لكن يصعب التكهن في مسألة التوقيت».

وتحدث مؤسس الجمعية اللبنانية للتخفيف من أخطار الزلازل، راشد سركيس عن «قانون سلامة البناء الصادر سنة 2005 الذي أكد أن كل بناء بعد هذا التاريخ يجب أن يكون مقاوماً للزلازل»، معتبراً أن «هذا لا يعني أن كل الأبنية قبل هذا التاريخ غير مقاومة للزلازل، فهناك أشخاص مثقفون ويدركون أهمية الموضوع، وأنشأوا مباني بمعايير ومواصفات تحترم السلامة، كما أن وجود القانون لا يعني أن كل الأبنية بعد الـ2005 التزمت بتطبيقه، إذ كما نعرف هناك احتيال والتفاف على القوانين، وبالتالي هناك الكثير من الأبنية التي شُيّدت بعد الـ2005 لا تتبع شروط السلامة».

ويؤكد أن «أي بناية يُمكن بعد الدراسة، تدعيمها لتصبح مقاومة للزلازل، والأهم أنها تحافظ على حياة الإنسان في حال الهزات التي يمكن أن تُسبب تشققات»، مشدداً على أن «كلفة التدعيم مقبولة جداً إذ إنها وفق عملية حسابية على المباني القديمة وغير المطابقة للمواصفات ولشروط السلامة العامة، تراوح بين 4 و6 في المئة من قيمة البناء بينما إذا عمل المهندسون وفق القانون في مرحلة الإنشاء والتأسيس، تصبح الكلفة تراوح بين واحد ونصف و2 في المئة من قيمة البناء»، لافتاً إلى «أهمية الاستعانة بمهندس جدير بالثقة عند الشراء». ويُشدد على «القيام بجردة لكل المباني التي شيّدت بعد الـ2005 للتأكد من تطبيق قانون السلامة لحماية الناس. كما على الدولة أن تُشجع الناس على تأهيل وتدعيم المباني القديمة لتصبح مقاومة للزلازل من خلال قروض ميسّرة».

(خاص "المستقبل")