مريرة هذه المرحلة على أهل الحل والربط في طهران، وستزداد مرارة.. وأمرّ ما فيها هو أنها تدلّ على السقوط في لحظة الذروة. وعلى الاندحار بعد أن وصلت لقمة «الانتصار» إلى الفم! وبعد أن ظنّ الرافل في أوهام «العظمى» و«القطبية» و«المحورية» أنه صار على الباب ولم يعد أمامه سوى فَتْحِه على وسعه للولوج إلى التاريخ المُستعاد حيث «الامبراطورية» المشتهاة!

قبل الختام بلحظات، جاءت صافرة دونالد ترامب لتوقف مساراً غير سوي، ولعباً غير نظيف! ولتعدّل «قرارات» الحَكَم السابق والسيّئ الدائم باراك أوباما! ولتعيد الاعتبار والاحترام إلى قوانين «اللعبة» والمنطق السليم! حيث المُرتكب يُعَاقَب. والمتطاوِل يُرذل. والمعتدي يتلقى ما يناسب عدوانه! والمحتال الذي يريد تحقيق أهدافه بالزعبرة والاعتماد على تطنيش صاحب الصافرة، يُوضع عند حدّه!

.. إيران اليوم تصطدم بحالها قبل أخصامها وأعدائها! و«تعاني» من حلفائها أكثر مما تعاني من غيرهم. وبدلاً من أن تجد هؤلاء في صفّها، تكتشف أنهم مع مصالحهم أولاً وثانياً وثالثاً.. وعاشراً. وأن هذه المصالح ناشفة وباردة. لا تبلّلها الادعاءات والتفخيمات، ولا تسخّنها تهديدات طبولية فارغة!

الرئيس «الإصلاحي» الشيخ حسن روحاني راح عند الأوروبيين لإنقاذ «الاتفاق النووي» (؟!) والالتفاف على العقوبات الأميركية العائدة بزخم أكبر وأقسى من السابق، لكنه بدلاً من أن يكحّلها عمَاها على الآخر: ما أن نطق بجملة تهديد الصادرات النفطية في مضيق هرمز، حتى لاقاه قادة «الحرس الثوري» وعلى الهواء مباشرة! وبما يكفي لتهشيل أي احتمال تعاطف (غربي) ومع «مظلوميته»! بل بما يكفي حتى لإلغاء زيارة كانت مقرّرة، لرئيس الوزراء الياباني إلى طهران!

ما لم تلتقطه إدارات أهل «دولة الثورة» هو أن «المجتمع الدولي»، ارتضى بعد رضى الأميركيين وليس قبلهم، «التغاضي» عن سياسات إيران الخارجية في سياق «الاتفاق النووي»، وليس «نسيان» تلك السياسات! ثم ارتضى الدخول في مماحكة «داخلية» إذا صحّ التعبير، مع إدارة دونالد ترامب من أجل «تقسيط» المشكلة. أي الإبقاء على الاتفاق المهم والاستراتيجي.. ونقض ملاحقه الخاصّة بالتدخلات الخارجية التي تُهدّد دول الجوار وتقوّض استقرارها وأمنها، لكن الكسر في هذه السيبة جاء من طهران نفسها قبل أن يأتي من واشنطن مع الإدارة الجديدة.. أي بدلاً من الافتراض التلقائي أن العودة إلى العالم من شرنقة الحصار العقوباتي هي عودة بشروط هذا العالم، أخَذَ صانع القرار الإيراني نَفَساً على قياساته وحساباته وطموحاته ورهاناته وظنّ بأن شروطه هي التي تحكم وستحكم تلك العودة! وأن مزدوجة «الدولة» و«الثورة» صالحة للاستخدام الدولي مثلما كانت صالحة للاستخدام الإقليمي!

بنى ترامب قراراته استناداً إلى ما فعلته وتفعله إيران قبل استناده إلى آرائه الخاصة ومزاجه الناري.. وعند أول امتحان جدّي تبيّن لغيره، للأوروبيين والآسيويين، أنه كان مصيباً في اعتباره الرهان على صدقية نظام طهران عبث لا طائل منه! وليس أدلّ على ذلك من كون التهديد الخارج من عند ذلك النظام إزاء دول الجوار، «تطوّر» راهناً وصولاً إلى خطوط الملاحة البحرية المتعلقة بإمدادات الطاقة الدولية!

وبغضّ النظر عن البهرجة والبهورة في هذا التهديد، و«القدرة» (المستحيلة!) على وضعه في موضع التنفيذ، فإن الأمر يتعلق بسلوكيات مبدئية آن الأوان لمواجهتها.. والخروج من مسرحية الخضوع للابتزاز، التي لعبها أوباما وكأنها حقيقة مخيفة!

ما يقوله الأميركيون إن العقوبات جزء من حرب ناعمة هدفها تغيير سلوكيات النظام.. لكن ذلك لا يعني تكتيف الأيدي إذا ارتأى ذلك النظام شيئاً آخر! وهذا في كل حال، ما يجعل المرحلة مريرة في جملتها: إذا قررت طهران «المواجهة» خارجياً ستكون النتيجة مكلّفة وغير محسوبة وربما مدمّرة. وإذا قررت «المهادنة» وبلع العقوبات، فستكون النتيجة مُكلفة وخطيرة وربما مدمّرة.. داخلياً!

.. بين الخيارَين هناك كأس لا بدّ من شربها. وفيها ترياق لإيران وللمنطقة والعالم في الإجمال! والله أعلم!

علي نون