التوضيح الوحيد الذي يستحق الاعتبار و«التقدير» في كلام وزارة الخارجية الإسرائيلية الذي نشرته صحيفة «هآرتس»، هو ذلك القائل بأن رئيس سوريا السابق بشّار الأسد «أصبح» حليفاً وشريكاً استراتيجياً جديداً لإسرائيل.

والتوضيح المطلوب شكلي يتعلق باللغة، وجوهري يتعلق بالوظيفة.. وهذا يعني أنه بدلاً من القول إن الأسد «أصبح حليفاً وشريكاً استراتيجياً»، يجب القول بأنه «كان ولا يزال وباقٍ» حيث هو لأنه حليف وشريك استراتيجي لإسرائيل، لا صنو له ولا مثيل!

لم يرتكب باراك أوباما «سياسته» إزاء النكبة السورية لأنه أراد فقط عدم إزعاج المفاوض الإيراني في الملف النووي، بل لأنه اعتمد الاستراتيجيات الدائمة في الإدارة الأميركية التي تضع العلاقة مع إسرائيل في باب «المقدّسات» والثوابت الأكبر والأهم والأعمق من حسابات الربح والخسارة والمصالح وموازين العلاقات الدولية المألوفة.. ويكفي لتفسير هذه الظاهرة استعراض المعادلة القائلة بأن واشنطن تؤثر وتقدم و«تفضّل» علاقتها بنحو عشرة ملايين إسرائيلي على علاقتها بنحو مليار و300 مليون مسلم! مثلما يكفي لذلك التفسير الانتباه إلى أن العالم القديم تحطّم بانتهاء الحرب الباردة وزوال الاتحاد السوفياتي وكل منظومته في أوروبا الشرقية، لكن بقيت إسرائيل في مكانها «الجغرافي» و«الأميركي»! وبقيت أولويتها برغم تعدّل دورها الذي قيل فيه إبّان مرحلة الاستقطاب الثنائي الدولي ذاك، بأنه جعل الدولة العبرية حاملة طائرات أميركية متقدمة في خريطة النزاع المعولم مع السوفيات ومثالهم الشمولي!

ولم يرتكب الزعيم الروسي فلاديمير بوتين بدوره ومن جهته، سياسته السورية فقط لأنه مهووس بـ«الحرب على الإرهاب»! أو لأنه حريص على قواعده التاريخية على ضفاف البحر المتوسط! أو لأنه وَجَد في بشار الأسد «بديلاً» عن انكسار الخريطة وتبخّر «الرّفاق» آسيوياً وأوروبياً! أو لأنه رأى في المسرح السوري باباً لـِ«الرّد» على العقوبات التي ضربته جرّاء ضم القرم والتدخل في شرق أوكرانيا.. أخذ ذلك كله في الحسبان مبدئياً ومن دون شك، لكنه في الأساس وضع في الكفة الموازية، (إن لم يكن الأكثر ثقلاً!) الضرورات التي تفرضها «العلاقات الاستراتيجية» مع إسرائيل! وأهمية الالتزام بعدم «تعريضها للخطر»! وعدم المسّ بـ«استقرارها»!

ولذلك يمكن بسهولة الافتراض، بأنّ سوريا نقطة تقاطع وليس افتراق، بين واشنطن وموسكو تبعاً لكون إسرائيل نقطة جذب مركزية مزدوجة للعاصمتين.. ولهذا، غيّر دونالد ترامب جلّ السياسات (الداخلية والخارجية) التي اعتمدها سلفه السيّئ الذكر أوباما، لكنه التزم حرفياً تقريباً، ما يتعلق منها بسوريا! وهو في هذا لن يجد صعوبة في موضوع اسمه «نكبة سوريا» خلال قمّته المُرتقبة مع بوتين منتصف الشهر الجاري! بل ربما يأخذ «النقاش» (وليس التفاوض!) في شأن إيران بعض الوقت لكن من باب «الكيفية الأسلم» لمعالجة تدخلاتها ودورها ونفوذها وليس من باب التعارض إزاء هذه المعطيات!

بهذا المعنى، «نجح» بشار الأسد في ما لم «ينجح» فيه صدّام حسين تماماً! أي التزم حرفياً وحتى الإعجاز بمتطلبات وظيفته الاستراتيجية القائمة على معادلة القبض على النظام والتحكم بكل السلطة في مقابل عدم المسّ بإسرائيل وأمنها.. وله بعد ذلك، الإكثار بقدر ما يشاء، من اللغو الممانع والمناتع و«المقاوم» عن بُعد.. أو بالواسطة ودون الخطوط الحمر السميكة!

«ظلمٌ» اتّهام صدّام حسين بأنّه لم يكن يعرف وظيفته الموازية في العراق.. لكن الفارق بينه وبين الأسد في دمشق هو أنه ركب رأسه أكثر من اللازم! وافترض في لحظة سوداء أنه «مرسل» من التاريخ لإعادة إحياء سيرة «صلاح الدين».. وعلى طريقته شطّ في القراءة حتى سقط في الامتحان ودفع الثمن الأخير!

والإثنان في كل حال، نجحا في تدمير العراق وسوريا وإخراجهما من دائرة المخاطر الكبرى الفعلية والمحتملة على إسرائيل.. سوى أن الأسد في دمشق لا يزال «مطلوباً» كجزء من الديكور المرحلي! وكفزّاعة خشبية يحملها «صاحبها» الروسي (راهناً!) ويضعها في الحقل: تارةً لمقاتلة الإرهاب! وتارةً لشرعنة الوجود العسكري والاقتصادي! وتارة لتغطية المواقف المستجدة المُتّصلة بوضع «النفوذ الإيراني» على أجندة التقليص والتحجيم!

.. في هذه المعادلة المُركّبة يتأكد اليوم ما قيل بالأمس، من أن إيران شاطرة في التكتيك وفاشلة في الاستراتيجيا! وتربح معارك متفرقة لكنها تخسر الحرب! وأداؤها العام (الخارجي) وفي الموضوع السوري تحديداً لا يليق بهواة ومبتدئين وأغرار في السياسة والعلاقات الدولية والمصالح الكبرى! أصابت غيرها بالبلاء وجاء دورها (الحتمي!) لكن الأمرّ من حالتها المتذاكية والانتهازية والمركوبة بالأحقاد والأوهام، هي حالة أتباعها وخصوصاً جداً في لبنان.. الذين «صدّقوا» الرواية! ودفعوا أغلى الأثمان دفاعاً عن بشّار الأسد: «الممانع» الذي تصنّفه إسرائيل في خانة «الحليف والشريك الاستراتيجي» لها!.

علي نون