يجلس «أبو طارق» الذي أطفأ 87 شمعة من عمره تحت تلك الشجرة المعمرة أمام منزله. يتكئ على عصاه الخشبي، ويمضي ساعات وساعات مع ذكريات تنقله من واقع بات يشعره بالغربة والوحدة وكأنه طائر يغرد خارج سرب الزمان والمكان، محاولاً جاهداً إيجاد تلك الحلقة الضائعة التي تربط بين عالمه الذي اندثر بين حنايا السنوات وبين عالم استسلم لثورة الاتصال والتواصل، وبات تحت «إمرة» شبكته العنكبوتية.

غربة أبو طارق ووحدته ليستا نتيجة إهمال عائلته له، وتركه وحيداً يعدّ دقائق النهار، أو ينتظر ليلاً طويلاً ليبزغ فجره، وتشرق شمس نهار لتضيء معها الأمل في قلبه، لا بل على العكس، فهو محاط باهتمام وعاطفة قلّ نظيرهما، لكن ذلك الثمانيني هو أكثر من يعبّر عن شعور يرافقه على مدار الـ 24 ساعة، ويقول: «أعيش في زمن تغيرت فيه كل المقاييس حتى انني أشعر أن الحياة انقلبت رأساً على عقب، ولم أعد أفهم حتى الأحاديث التي تدور من حولي وكأن الناس يتحدثون بلغة جديدة لها عباراتها ومفاتيحها الخاصة». وبعد أن يتوقف للحظات عن الكلام، يغمض عينيه وكأنه يعيد شريط حياته، يتنهد، ينظر من حوله، ويتابع حديثه بشغف عن ذلك الزمان الغابر الذي تهادت خطاه مخلفة وراءها حنيناً وذكريات. وما هي إلا دقائق قليلة حتى تظهر ابنته دلال، صغيرته ومدللته، على شاشة الـ«laptop»، فيسرع حفيده جاك البالغ من العمر 12 سنة، ويضع الجهاز في حضن جده، قائلاً: «جدي. هايدي عمتي من استراليا ما بدك تحكي معا؟»، فيوجه أبو طارق نظره نحو الشاشة، ويمعن جيداً، فيرى ابنته ويسمعها تسأله عن صحته وأحواله، فامتلأت عيناه بالدموع والدهشة، وقال بصوت خافت: «إنها صغيرتي. أين هي؟. أريد أن أعانقها وأشم رائحتها». وبعد حالة من الاستغراب مما يجري من حوله، سارت الأمور كما تشتهي سفن الابنة التي أمضت وقتاً طويلاً مع والدها «بالصوت والصورة» تحدثه بكلام مليء بالعواطف، انتهى الاتصال بين الأب والإبنة مع الكثير من الأسئلة التي تجول في باله عن تلك الجلسة مع ابنته البعيدة، فاستغل جاك الوقت ليسارع في استرداد الجهاز ليكمل الـ«game».

وعلى وقع مفاعيل المؤثرات «الصوتية والصورية»، أمضى أبو طارق نهاره على «نار» كي يصل صديقه ورفيق عمره أبو روني الذي اعتاد زيارته عند العصر، ليسرد له ما جرى معه وكيف سمع ورأى ابنته كأنها بالقرب منه، وراحا يتبادلان الأحاديث حول التطور التكنولوجي بلغة عفوية وفيها الكثير من البراءة، ليسترسل أبو روني، مدعياً شيئاً من المعرفة، ويروي كيف أن ابنه صوره على هاتفه، وسجل صوته وهو يدندن «العتابا»، وأرسل الصوت والصورة لأخيه في بيروت. وبعد صمت، خرقته قفزات هرة على عصا أبو طارق، قال أبو روني: «يا صديقي، أنا أزورك لأني أشم من خلالك رائحة الأيام الجميلة التي تغيّرت كثيراً بالنسبة لنا. إنه زمن الغرائب والعجائب». فيرد أبو طارق بمفردات وعبارات تصلح أن تكون ارشادات للأجيال الصاعدة، فبكلماته العفوية والبسيطة اختصر خبرة 87 عاماً، فقال: «الحياة يا صديقي تطورت والوسائل الحديثة سهلت حياة الناس لكن ما النفع من تطور وسائل الاتصال في وقت يفقد فيه الأخ التواصل مع أخيه. ما الجدوى من كل هذا التطور، والحد الأدنى من المحبة والإلفة والعاطفة والإنسانية لم تعد موجودة؟ الناس تحولوا إلى خرسان مع أجهزتهم النقالة حتى أحفادي الصغار أناديهم لا يسمعونني وهم غارقون في هذا «التطور»، لا يهمهم التواصل مع الأهل والأقارب والجيران». هذا ما استخلصه أبو طارق من مراقبته لنمط الحياة السريع والمتطور لكنه لم يعلم أن ما قاله بتلك العفوية والبساطة يحذّر منه الباحثون والأكاديميون في العالم، وهو تنامي ما يسمى بـ«ظاهرة الخرس الاجتماعي»، وتبقى المفارقة المدهشة في ثورة الاتصالات أنها قربت المتباعدين وأبعدت المتقاربين.

(خاص "المستقبل")