لا تنفع كثرة العلك ورمي التفاصيل في تغيير حقيقة الموضوع الأصلي. ولا في تحريف عناوينه الصغيرة والكبيرة.. أي، لا ينفع الإكثار من الادّعاءات «البطولية» في حجب «واقعية» المدّعي! أو بالأحرى إيثاره السلامة باعتبارها غنيمة على غيرها المُفضية إلى خسران تام ولامع ومشعّ!

.. أي لا تنفع مطوّلات السرد الخاص بقصّة الجنوب السوري في حجب حقائق دامغة لا بدّ من العودة إليها.. ومن ذلك أن بقايا سلطة رئيس سوريا السابق بشّار الأسد لم تكن مرّة ولن تكون، مصدر خطر على إسرائيل و«أمنها» و«حدودها» واستقرارها في الجولان «المحتل»! ولو لم تكن كذلك، لما أمكن لأبطال «ممانعة» آخر زمن، التغنّي بـ«الانتصارات» المُحقّقة على عموم شعب سوريا! ولا أمكن للمدّعي الرئاسي في دمشق البقاء في مكانه ولو لساعات معدودة، وليس لأيام ولا لأشهر ولا لسنوات!

وكثرة الطنين والرنين لا يمكنها تشميع الأذان السامعة في كل حين الخبريّات القائلات بأن النخبة السياسية والعسكرية والأمنية الإسرائيلية كانت منذ اليوم الأول للثورة السورية، ولا تزال، «مؤمنة» بمزايا النظام الأسدي! والتزامه التام فروضه الوظيفية إزاء الجولان و«حدود» إسرائيل في الإجمال! ودعمت (ولا تزال!) «جهود» الروس من جهة وتطنيش الأميركيين من جهة ثانية، لإعادة تركيب الأقدام الخشبية المُتكسّرة لذلك النظام، أو لبقاياه، ليس اقتناعاً بقدراته (المتلاشية) بل باعتباره تابعاً مطيعاً بالتمام والكمال لحاميه الروسي.. وقادراً في اللحظة المناسبة (التي تقترب!) على طعن الإيرانيين وأتباعهم في الصدر وليس في الظهر!

وتلك النخبة (الإسرائيلية) انتبهت ولا تزال، إلى حجم وطبيعة العطايا التي قدّمها إليها ولا يزال رئيس سوريا السابق من خلال التدمير الذاتي «المدهش» الذي ألحقه بـ«بلاده» وبأهلها وجيشها ومؤسساتها.. وبما يكفي لإخراجها كلها دفعة واحدة، من أي حسابات مؤثّرة في أي شأن مطروح، وأهم ذلك شأن النزاع العربي – الإسرائيلي حتى في أسوأ مَدَيَاته الانحدارية التي جعلته أو تكاد هامشياً فرعياً مقارنة بمركزية المذابح «الأهلية» الدائرة بهمّة أهل «الممانعة» وحساباتهم الاستراتيجية!

وعليه (وعلى غيره أكثر) فإن «تحرير» جنوب سوريا من أهله هو في القياسات المعلومة والمحجوبة، خدمة إضافية تُقدَّم إلى إسرائيل وليس لغيرها! وإلاّ (مجدّداً) ما كان لـ«الأبطال المحرّرين» التقدّم خطوة واحدة على الطريق!

والحقيقة الدامغة الأخرى والموازية، التي لا يحجبها الإكثار من اللغو والإطناب الممانعين، هي أن موسكو «تشتغل» عند الإسرائيليين وليس عند الإيرانيين! أم ماذا؟! وكل ما فعلته وتفعله في سوريا يصبّ في بركة مصالحها الخاصة الممتدة مواسيرها إلى المصبّ الإسرائيلي وليس الإيراني.. وأن ذلك، (للمرّة الألف!) تأكّد وتثبّت وتكرّس على الحامي وليس على البارد! وبالغارات الجوية المدمّرة على مدى السنوات الثلاث الماضيات تحديداً! والتي أوقعت خسائر بشرية غير قليلة في صفوف الجماعات والميليشيات الإيرانية الارتباط والهوى والأهواء.. مثلما أوقعت خسائر بشرية غير قليلة في صفوف «المستشارين» الإيرانيين مباشرة!

ولن يطول الزمن، قبل أن تكشف إسرائيل نفسها وفي التوقيت المناسب لها، حجم الأضرار التي سبّبتها لكل البنى الإيرانية في سوريا!

وذلك كلّه حصل، ولا يزال يحصل، تحت رعاية وعناية وحماية الوجود الروسي في سوريا! أم ماذا؟!

والحقيقة الدامغة الثالثة التي لا يحجبها الإكثار من الطخّ الشعاراتي الخلّبي الممانِع، هو أن إيران في «القطر الشقيق» التزمت وألزمت أتباعها وجماعاتها في سوريا بسردية النعامة الأثيرة في عالم المواجهات غير المستحبّة! أو غير المرغوبة! أو غير المربحة! وأن الأمر وصل إلى حدّ، أن أحداً غير القاصف والمقصوف، وغير «المعنيين» المحليين والإقليميين والدوليين، لا يعرف تماماً عدد وأسماء وهويات وجنسيات ضحايا الغارات الإسرائيلية! ولا طبيعة الأهداف الثابتة والمتحرّكة التي استُهدِفت!

الرأي العام «الممانِع» و«المساوِم» على السواء، وفي عُرف المقاتِلين المحرِّرين الزاحفين في سوريا ومدنها وأريافها وبين أهلها قتلاً وسفكاً وتنكيلاً وتهجيراً، لا يستحق أن يعرف شيئاً عن ما فعلته وتفعله إسرائيل! ولا أن يطرح أي سؤال (بريء أم خبيث!) عن «وضعية» «الحليف» الروسي!.. الأهم، في عُرف هؤلاء، أن تبقى الزبدة الانتصارية بين الأيدي لفلشها على خبز «الانتصارات الإلهية». و«الإنجازات» المتراكمة في خزنة المشروع الامبراطوري المُرتجى!

والحقيقة الدامغة الرابعة، التي لا يحجبها الإكثار من الضخّ التزويري، هي أن إيران انصاعت وستنصاع أكثر، لبنود التفاهمات الكبرى في سوريا! وستحاول المساومة على شيء من النفوذ في مقابل الإذعان وعدم الاقتراب من المسّ بـ«استقرار الحدود» الإسرائيلية! أو حتى التلويح بذلك! وهي تعرف (يقيناً!) أنها صارت الطرف الأكثر ضعفاً بعد المعارضة وعموم السوريين! وأنها بين «المنتصرين» تقف عند الباب وممنوع عليها ولوج صالة الأفراح!

.. رحم الله أحمد سعيد، كان أكثر نقاءً في غلوّه! وناقلاً أميناً لما يأتيه وليس مؤلفاً ولا مزّوراً يعرف الحقيقة وينكرها!

علي نون