رغم كل أشكال التهويل والقلقلة والبلبلة المهيمنة سياسياً وإعلامياً على أجواء الملف الحكومي، يدخل الرئيس المكلف سعد الحريري شهر التكليف الثاني ممسكاً دستورياً بحبل التأليف وعاملاً بكل ما أوتي من قوة دفع وطنية وسياسية على حلحلة عقده، عقدة عقدة، توصلاً إلى جمع أهل «الحل والربط» حول «تشكيلة» توافقية تلمّ الشمل الحكومي وتُعلي مصالح الدولة والناس على ما عداها من مصالح. وبينما كان مسار التكليف «قاب قوسين» من نقطة التأليف في ضوء خارطة التشكيل التي رسم معالمها الحريري وحملها إلى رئيس الجمهورية ميشال عون عصر الجمعة الفائت، غير أنّ العملية عادت نهاية الأسبوع لتصطدم بكباش على «الأحجام» و«الأعراف» عطّل مفاعيل التفاؤل بقرب ولادة الحكومة وأعاد عقارب التأليف إلى حقبة التجاذب بين القوى السياسية مع استعادة عبارات ومعادلات عفا عليها الزمن من نوع «الثلث المعطل».

فعلى ضفة «الأحجام»، يبرز المد والجزر المتبادل بين «التيار الوطني الحر» وكل من «القوات اللبنانية» و«الحزب التقدمي الاشتراكي» على خلفية رفض الأول نيل هذين الحزبين ما يصبوان إليه من حصة وزارية، وهذا ما عبّرت عنه صراحةً قناة «أو تي في» بنشرتها المسائية الأحد واصفةً مطالبهما بأنها «مضخمة وغير مشروعة» وصولاً إلى اعتبارها «حجم الاشتراكي النيابي لا يعطيه ثلاثة وزراء وحجم القوات لا يعطيها وفق ما تطلب»، ملمّحةً في المقابل إلى أنّ الاستجابة لمطالب «القوات» و«الاشتراكي» تستدعي رفع «حصة التيار والرئيس حسابياً». في وقت يحتدم على فضاء «التواصل الاجتماعي» الاشتباك العوني – القواتي بدءاً من «تغريدات» الاتهام المتبادل السبت بين الوزيرين سيزار أبي خليل وبيار بو عاصي حول ملف النزوح، وصولاً أمس إلى «النصائح» المتبادلة التي لم تخلُ من «التجريح الشخصي والسجال القضائي» بين الوزير سليم جريصاتي والنائب جورج عقيص.

أما على ضفة «الأعراف»، فتوضح مصادر متابعة لمشاورات عملية التأليف لجريدة «المستقبل» أنّ محاولات ابتداع أعراف جديدة فرضت نفسها على العملية خلال الساعات الأخيرة وقوّضت المساعي التي يبذلها الرئيس المكلف للتوفيق بين المكونات الحكومية، وأبرزها مسألة تكبيل كل من موقع نيابة رئاسة الحكومة والوزارات غير السيادية بقيود من الأعراف المصطنعة. وأوضحت المصادر في هذا المجال أنّ تسمية نائب رئيس مجلس الوزراء غير مرتبط لا بالدستور ولا بالعرف بأي جهة سياسية أو طرف محدد إنما هو رهن بميزان التوافقات على خارطة توزيع الحصص الحكومية والبت به يعود إلى رئيس الحكومة بالتشاور مع رئيس الجمهورية، في حين العرف الوحيد المعترف به والمتعارف عليه هو مرتبط حصراً بتوزيع الحقائب السيادية الأربع (الداخلية والدفاع والمالية والخارجية) وما عدا ذلك من وزارات لا يمكن بأي شكل من الأشكال زجه بأعراف طائفية أو مذهبية لا تمتّ إلى التاريخ والحاضر بصلة.

وإذ لفتت الانتباه إلى أنّ مسلسل «الأعراف» إذا ما توالت حلقاته من شأنه أن يكبّل عملية التأليف برمتها، شددت المصادر في الوقت عينه على ضرورة عدم العودة بالبلد إلى مرحلة التجاذب والانقسام الهدّامة والتأسيس على مرحلة التوافق والإنتاج التي سادت الحكومة المستقيلة بعيداً عن محاولات استنساخ معادلات خشبية كـ«الثلث المعطل» الذي أثبت أنه أداة تعطيلية بامتياز لمصالح المواطنين واحتياجاتهم. وختمت المصادر بالتأكيد على كون الرئيس المكلف سيواصل مشاوراته مع مختلف القوى لتفكيك عقد التأليف، مع التعويل بشكل أساس على حكمة رئيس الجمهورية ودرايته بالمصلحة الوطنية العليا الداعية إلى تسهيل عملية التشكيل تمهيداً لانطلاق حكومة وطنية متراصة قادرة على جبه التحديات الراهنة والداهمة اقتصادياً وإقليمياً.

(خاص "المستقبل")