كلٌ على موقفه حول ملكية محطة المؤسسة اللبنانية للإرسال، فرئيس حزب "القوات اللبنانية" سمير جعجع ينفي بيعها: «هي أمر مقدس بالنسبة لي فمن يجرؤ على بيع مقدساته»، يقابله كلام مغاير من مدير عام المؤسسة بيار الضاهر الذي يؤكد بأنه اشترى «موجوداتها بما فيها العقار في أدما حيث مركزها بخمسة ملايين دولار».

وبين هاتين الإفادتين المتناقضتين، حاولت الحاكم المنفرد الجزائي في بيروت القاضية فاطمة الجوني، التي يشهد لها حرصها على إعطاء كل فريق حقه في الدفاع عن نفسه، وإنْ كانت قد أصدرت قرارات صارمة خلال انعقاد الجلسة، دفعت بجعجع إلى التعليق «الحمدالله مسموح نشرب مي»، أن تظهّر إلى العلن الخلاف بين الطرفين انطلاقاً من نشأة القوات اللبنانية الذي تحول لاحقاً إلى حزب سياسي، لتصل إلى أسباب الخلاف الذي وصفه جعجع بأنه «ليس تجارياً ولا مالياً إنما المحطة أمر مقدس»، فيما وصفه الضاهر بالخلاف «السياسي، فأنا أردت أن لا تكون المحطة مصبوغة بحزب أو طائفة فيما جعجع كان يريد العكس».

في الجلسة الماراتونية التي واكبتها تدابير أمنية مشددة بدأت ليل الخميس لتمتد حتى انتهائها عصر الجمعة ورفعِها إلى الثامن من تشرين الأول للمرافعة، كشف جعجع أن الضاهر الذي كان يناديه أحياناً خلال الجلسة بـ«بيارو»، أنه كان مديراً صورياً كغيره من مدراء شركات القوات، على اعتبار أن الحزب لم يكن قد استحصل على ترخيص من الدولة، وقال:«كنت اعتبر بحكم الثقة المطلقة بيني وبين الضاهر أن المحطة بأيد أمينة ولم أطالبه بشيء انطلاقاً من هذه الثقة وهي ملك للحزب حتى ولو كانت مسجلة باسمه». وروى جعجع بأن الضاهر وبعد اعتقاله كان يجمع الحرس في المحطة ويطلب منهم أن تبقى عيونهم «مفتحة» لأن المحطة أمانة بأيدينا «وبكرا بس يطلع الحكيم من السجن نسلّم الأمانة متل ماهيي».

وهل كانت الظروف السياسية التي أدت إلى دخول جعجع السجن سبباً في تخليه عن المحطة وبيعها؟ نفى الأخير أن «تكون الضغوط السياسية والأمنية التي تعرض لها وساهمت في دخوله السجن، سبباً في تنازله عن المحطة أو بيعها للضاهر أو أي جهة أخرى، لأن المحطة باتت أهم مؤسسة إعلامية في لبنان وربما في العالم العربي».

وقال: «عند دخولي السجن لم أفقد الأمل بالخروج من الاعتقال لأني كنت أعتقد أن مدة اعتقالي ستكون محدودة، وكأنها مجرد «فركة إذن»، لأني رفضت الدخول في حكومتين بعد الطائف. وفي العام 2006، عندما شعرت ببعض الإجراءات الملتبسة التي يقوم بها الضاهر، استدعيته وطلبت منه أن يتنازل عن ملكية المحطة لمصلحتي، فرفض وادعى ملكيته لها، عندها وجهت له ثلاثة إنذارات، ولما لم يستجب تقدمت القوات بدعوى ضده».

وأوضح جعجع أن «الخلاف ليس مالياً أو تجارياً، لأن الـ«أل بي سي» أهم من المال بكثير، وهي تعني كل عنصر في «القوات» وكل محازب ومؤيد لها. وكشف أنه في العام 1993 تلقى اتصالاً من الرئيس الشهيد رفيق الحريري واجتمع به، وأن الأخير عرض عليه تأسيس شركة «هولدينغ» تضم المؤسسة اللبنانية للإرسال وتلفزيون «المستقبل» ليكونا شريكين في البث الفضائي، بعدما أوقفت الحكومة المؤسسات الأرضية عن البث الفضائي، لكن «القوات» اشترطت أن تملك الـ«ال بي سي» ثلثي الشركة، فرفض الحريري لكونه أراد أن تكون الشراكة مناصفة. وقال«جوهر البحث هو المحطة فهي ليست لي ولا للضاهر، هي للقوات».

وكيف أنه ليس على علم بعقد التفرغ بين سامي توما والضاهر عام 1992 بنقل موجودات المحطة الى المؤسسة اللبنانية للارسال انترناشونال، وتبديل«اللوغو»، قال جعجع إنه لم يكن في ذهنه أنه يحصل أي تغيير «ولم أدخل في تفاصيله لأنني كنت اعتقد أن شيئاً لن يمس بالجوهر أو بملكية القوات للمحطة».

ولماذا لا تتصالحون - سألت الجوني جعجع فقال: «كل القصة مش مظبوطة، وانت تأخذين على خاطرك عندما يكون لديك ثقة بشخص وترين أنه يحوّل الصداقة والثقة إلى ما حصل».

وطلب وكيل جعجع النائب جورج عدوان من المحكمة ضم كتاب الرئيس الراحل الياس الهراوي المتضمن «شراء الدولة اللبنانية سلاحاً من القوات اللبنانية بقيمة خمسة ملايين دولار بعد انتهاء الحرب».

بدوره أكد الضاهر خلال استجوابه أنه اشترى موجودات محطة الـ«أل بي سي» في العام 1992 بقيمة 5 ملايين دولار، سددها على أقساط لحزب «القوات»، موضحاً أنه في العام 1994 دهم الجيش مبنى المحطة في جونية، ما اضطره إلى الطلب من جعجع تأمين مبنى آخر لينقل البث إليه، فقام الأخير بتأمين المبنى الحالي في أدما، مشيراً إلى أنه (الضاهر) دفع مبلغ 900 ألف دولار ثمن المبنى احتسب من قيمة الخمسة ملايين دولار.

وأشار الضاهر إلى أن «الخلاف مع جعجع سياسي على كيفية إدارة المحطة وليس خلافاً مالياً، لأني كنت أريد أن تكون المحطة لكل اللبنانيين، لا أن تكون تابعة لحزب معين، فنحن أردنا انشاء تلفزيون وطني وليس حزبياً كما أراده جعجع»، ليعلق الأخير على ذلك قائلاً: «إن الخلاف لم يكن على الصورة التي سيظهر فيها التلفزيون وإن أي وسيلة أعلامية لا يمكن أن تنجح إلا بالجميع»، نافياً أن تكون المحطة قد وقعت في عجز مالي أي ما يقارب السبعة ملايين دولار بين العامين 1990 و1994 كما صرح وكيل الضاهر المحامي نعوم فرح.

وبرر الضاهر تفاوضه مع جعجع عام 2006 ليثبت أنه اشترى المحطة بموجب عقد بين الطرفين. ثم استمعت المحكمة إلى الرئيس السابق لحزب الكتائب كريم بقرادوني بصفة شاهد.

(خاص "المستقبل")