يدق شح الأمطار في الموسم الشتوي المنصرم ناقوس الخطر مضاعفاً من الهم اللبناني المتمثل في الخوف من نفاد مخزون المياه الجوفية، وانعكاسها على حياة اللبناني الذي يعيش قلقاً مزمناً لجهة ترشيد استهلاك المياه تلافياً للحاجة إلى شرائها دورياً في بلد يجاوره فيه البحر الأبيض المتوسط ويجري على أرضه نحو 17 نهراً وينابيع تكاد تختفي عاماً بعد عام.

وإذا كان الخلل البيئي في لبنان مزمن ومشكلاته لا تزال تتدحرج وتكبر ككرة الثلج، إلا أنه لم يكن يوماً غائباً عن اهتمامات أصحاب الاختصاص بل على العكس فإنه تربع على عرش اهتماماتهم حيث تتواصل الجهود لحلحلة العقد والتصدي للعديد من المشكلات، ولرفع الصوت للتدخل والحد من الضرر البيئي مهما كانت طبيعته.


وفي حين تقوم الجمعيات البيئية بكل ما تستطيع فعله لحماية البيئة، تتواصل الدراسات من قبل ذوي الاختصاص لدرء الخطر وحماية ما تبقى من الارث البيئي الموجود. وفي هذا السياق يطرح مشروع «ترشيد استخدام المياه في الصناعات اللبنانية»(WELI) مقترحات جدية على الأرض لتشجيع الصناعيين على ترشيد استخدام المياه ولحماية المياه الجوفية وذلك من خلال هبات مادية توفرها الوكالة الأميركية للتنمية بالتعاون مع جمعية الصناعيين، علماً أنها المرة الأولى التي يتم فيها منح هبات للقطاع الخاص لتشجيعه على ترشيد استخدام المياه.

تتعاون جمعية الصناعيين والوكالة الأميركية للتنمية الدولية USAID لترشيد الصناعيين على حسن استخدام الطاقة المائية كل في مجال عمله. وعلى هذا الأساس بدأت شركة الاستشارات البيئية Geoflint بدراسة واقع مصانع نشر الصخور والرخام والغرانيت ومصبوب الإسمنت كعينة من المصانع التي تحتاج كميات ضخمة من المياه للقيام بنشاطها كما أنها تنتج كميات هائلة من المياه المبتذلة. في هذا الإطار توضح المسؤولة عن المشروع في شركة Geoflint الاختصاصية البيئية نور مشرفية الدراسات التي يتم تحضيرها والتي ستتوج بتوصيات لتبني تقنيات للحد من هدر المياه في القطاع الصناعي، لافتة إلى أنه «تم اختيار هذه المصانع لأنها تستهلك الكثير من المياه وتخلف تداعيات خطرة على البيئة المحيطة بها. فهي أينما وجدت ومهما كانت حريصة على حماية البيئة إلا أنها تترك في العادة أضراراً جسيمة بالمحيط نتيجة لكثرة الوحول والمياه المبتذلة التي تنتجها خلال عملها، إضافة إلى حاجاتها الضخمة للمياه، ولذا كانت أول خيار على أن تكون نموذجاً مستقبلياً لمصانع أخرى في المستقبل القريب».

وتضيف مشرفية: «اهتمت شركة Geoflint بدراسة رؤيا عملية لتخفيف الضرر الذي يسببه هذا القطاع الذي يستهلك كميات هائلة من الماء، وبالتالي ينتج كميات كبيرة ينبغي معالجتها من المياه المبتذلة كي لا تدمر البيئة المحيطة، وقد قسمت الدراسة إلى مرحلتين، في الأولى تمت مراقبة كيفية ادارة استهلاك الماء في عشرة مصانع شاركت في المشروع من عدة مناطق، فتمت مراقبة استهلاكها والاحتمالات المطروحة للتوفير إذا ما تم اعتماد تقنيات محددة للحد من الهدر، وفي المرحلة الثانية سيتم تحضير جدوى اقتصادية بهدف تحديد القيمة التقريبية لما سيتم توفيره في حال اعتماد الحلول المطروحة.

وكانت بينت الدراسة البيئية أن الفارق بين ما تستهلكه هذه المصانع حالياً وبين ما يحتمل استهلاكه في حال تبني التقنيات المطلوبة لتوفير المياه يمكن أن يقارب الخمسين في المئة، فهذه المصانع ستخفض من استهلاك الماء وبالتالي فإن كلفة الانتاج ستتقلص، ودورة الحل تستكمل أيضاً بإعادة استهلاك المياه المبتذلة الخارجة من المصنع، تقول مشرفية: من المعروف أن المياه المبتذلة الناجمة عن نشاط هذه الورش تترك لتركد في مستنقعات ونسبة الماء في هذه الوحول تبلغ ٩٦ في المئة وهي إذا ما تم تجفيف مياهها والتخلص من الغبار الناجم عنها فإنها ستوفر في استهلاك المياه.

وتتابع: «اقترحنا تقنيات غير مكلفة وسيتم تغطية جزء كبير من كلفتها من قبل الوكالة الأميركية للتنمية وهي لن ترهق ميزانية المعنيين وستوفر معالجة هذه المياه وتقليص الأثر البيئي السلبي»، مؤكدة بأن الحلول التي يتم طرحها تحقق عدة أهداف في آن واحد «فالمصنع سيحتاج كمية أقل من الماء وهذا يعني انخفاض كلفة التصنيع، وفي الوقت عينه نحمي البيئة ونوفر من استخدام الماء ونحقق معالجة للمياه المبتذلة».

وتلفت إلى أن هذه المصانع تخلّف مياهاً موحلة تترك أثراً سلبياً على نوعية المياه الجوفية، كما تغيّر في طبيعة الأرض، حيث بيّنت مراقبة البيئة المحيطة أن التخلص من مخلفات هذه المصانع في البيئة المجاورة أسهم في تغيير وجهة استخدام الأراضي المحيطة وحرمانها في كثير من الأحيان من الإفادة من مواصفاتها الزراعية بحيث لم يعد بالإمكان استثمارها في هذا الحقل»..

وفي هذا السياق تعتبر مناشير الصخر قطاعاً مهملاً ولم يكن ثمة اهتمام بمتطلباته وتيسير عمله مع التأكيد على فاعلية الدور الذي يؤديه في لبنان والمنطقة لما يوفره من خلال نشاطه من مواد لا بد منها في قطاع البناء في لبنان والجوار.