في وقت يفرض الحدث الكروي العالمي نفسه على متابعات اللبنانيين مع انطلاق مونديال روسيا، تظهر كمية من التوتر والحساسية في السجال السياسي. تندرج هذه الموجة في إطار الأخذ والردّ في مرحلة ما بعد الانتخابات النيابية، وبانتظار اتّضاح المسار الذي ستسلكه عملية تأليف الحكومة.

لا يمكن البناء على موجة التوتر الأخيرة للحكم على مسار التأليف، وكثيراً ما يكون "التأجيج" في لحظات شبيهة من عوامل التحريك لاحقاً، للرسو على برّ. في الوقت نفسه، يمكن، بل ينبغي التعامل مع موجة التوتر والتراشق الأخيرة على أنّها مؤشّر لسمة التهافت في الحياة السياسية اللبنانية، ليس بسبب الاختلافات والخلافات، بل على العكس من ذلك، بسبب وجود نوع من تفهّم ضمني مشترك من كل الأطراف على أنّ قضايا الاستقطاب الرئيسية في البلد ليست مطروحة بشكل عملي إلى أجل غير مسمّى، ويُستعاض عنها بتوترات متقطعة، صاخبة حيناً ومنكمشة حيناً آخر، إنما معزولة إلى حد كبير عن قضايا الخلاف الأساسية التي ينقسم عليها اللبنانيون، وفي مقدمتها مسألة سلاح "حزب الله".

بالتوازي، ثمة فارق بين سجال وآخر. بين سجال يطرح الإشكال السياسي، وبين سجال لا يساعد عملياً على طرحه. الإشكال السياسي حالياً هو إذا كان من الممكن الخروج بحكومة مختلفة عن الحكومة الماضية، أو علينا المصارحة بأنّ أفضل سبيل للتشكيل هو اعتماد النموذج الحكومي الذي قام في اثر التسوية الموطّدة بانتخاب العماد ميشال عون رئيس للجمهورية، اعتماده كصيغة، مع بعض التعديلات. عدم حصول مثل هذه المصارحة يؤدي إلى تعقيد المسائل ورفع السقوف وبعدها موجات من التراشق فشخصنة المسائل.

صحيح أنّ المسألة الآن تشكيل حكومة في اثر استحقاق انتخابي، لكن من دون الرجوع الى صيغة التسوية الحكومية الماضية، وتدبّر شروط إعادة إنتاجها في ضوء المعطيات الراهنة، من الصعب تخيّل خارطة طريق أخرى.

بدلاً من الانكباب على هذه الإشكالية المتّصلة بالتأليف بشكل يمنحها حيثية قائمة بذاتها، على مسافة من المسائل السياسية الداخلية والإقليمية المتبدلة، ظهر سريعاً أنّ الإشكال حول الوكالة الدولية المعنية بشؤون اللاجئين هو الإطار الذي اتخذه السجال في الأسبوعين الأخيرين. وهذا لا يُجدي عملياً لا للخروج بإطار عملي لتحسين الأداء الرسمي في مسألة اللاجئين وعودتهم، ولا للتسريع بالتأليف.

لم يتجاوز بعد وقت التأليف الفترة الاعتيادية غير المقلقة لتشكيل الحكومات في لبنان. ومع هذا لا يمكن المكابرة على هواجس، الناس أولاً، حول الوقت المطلوب هذه المرة. ورغم هذا، فإن طبيعة الملفات المالية والإقتصادية من جهة، ومسارات الإقليم – في مرحلة ما بعد الانسحاب الأميركي من الاتفاق مع ايران – من ناحية ثانية، تفرض تحديد سقف زمني لا تتجاوزه هذه العملية، والانطلاق من النموذج السابق كمسودة للنموذج المقبل.

الأرجح أنّ كل هذا سيؤتي ثماره ولن تُترك الأمور للمراوحة المزمنة والاشتباك المفتوح. إلا أنّ التصدّع الذي يكشفه كل هذا العناء كل مرة لزم فيه إجراء استحقاق انتخابي أو انتخاب مؤسسة أو هيئة في هذا البلد ليس بتصدّع عرضي أبداً. ثمّة بناء تتآكل أساساته في نهاية المطاف. التمكّن من استصلاح غرفة فيه، هو عملياً مطلوب وبسرعة، لكنه عملياً أيضاً لا يُسهم في معالجة الأساسات.