منذ سنوات وتحديداً مع بداية الثورة في سوريا، نشرت مواقع التواصل الإجتماعي، فيديو يُظهر مجموعة من جيش النظام السوري وهم ينفذون أحكام إعدام بمجموعة من الحمير يفوق عددها المئة، بعد ثوان قليلة على إطلاقها في إحدى المناطق الريفية. يومها لم يبدُ المشهد مألوفاً لا من حيث الطريقة الوحشية التي تمّت بها تصفية هذه الحيوانات، ولا من حيث التبريرات التي أطلقها إعلام النظام بأن الجماعات الإرهابية كانت تستخدمها ليلاً لنقل الأسلحة والمتفجرات بين المناطق.

اليوم وبعد مرور سبعة أعوام تقريباً على الإجرام الذي ارتكبه جيش الأسد بحق الحيوانات وقطع نسلها، وذلك بعدما قتل البشر وقام بتهديم الحجر وأهلك الحرث، ظهر مقطع فيديو جديد يبرز مُجدداً "قّوة" النظام و"إنجازاته" البطولية وهذه المرة عن طريق قائد ميليشيات ما يُسمّى بـ "الدفاع الوطني" في مدينة حماة السورية طلال الدقاق وهو يلقي حصاناً على قيد الحياة إلى مجموعة أسود لافتراسه. وقد ظهر الحصان في المقطع وهو يحاول الصمود إلى أن سقط أرضاً لتبدأ الأسود بنهش لحمه. وقد أثار مقطع الفيديو موجة انتقادات واسعة على مواقع التواصل، حيث وصفته الأغلبية بالعمل الوحشي، فيما لم يستغرب آخرون ذلك الفعل، بالتزامن مع اتهامات للشخص نفسه بأنه يقوم بإطعام جثث ضحايا إجرامه إلى أسوده.

في حربه التي يقودها ضد شعبه، يظهر بكل وضوح أن نظام الإجرام لم يستثنِ الحيوانات من إجرامه ولا الزرع ولا حتى العمران وتحديداً المدارس والجامعات والمستشفيات ولا المساجد أو الكنائس، فمن امتهن قتل الإنسان من أطفال ونساء وشيوخ، كيف له أن يرف جفنه وهو يصوّب رصاص حقده وغدره تجاه حيوان لا يمتلك أدنى وسائل معرفة الدفاع عن نفسه ولا حتّى مجرّد التفكير بالذنب الذي اقترفه ليُقتل بهذه الطريقة. وهنا قد يسأل المرء نفسه، هل وجدت عصابات الأسد أن من بين هذه الحيوانات، من هو إرهابي أو زعيم "ميليشيا" أو من يُخطط لقيادة عملية إنقلاب على النظام؟. أمّا التعليق الابرز، فقد جاء من أحد المشاركين على مواقع التواصل إذ سأل: "لماذا لم يُعلن النظام السوري هوية زعيم تلك الحمير وجنسيته أو المهمة التي كان يسعى إلى تنفيذها؟".

قد تكون الحرب في سوريا بالنسبة إلى كل المشاركين فيها، تُشبه إلى حد ما الأشخاص الذين يدّخرون كل ما قاموا بتجميعه خلال فترة طويلة لينفقوه على مآكلهم وشرابهم وبسطهم في ليلة العيد. وكذلك الحال بالنسبة الى حالات الإجرام التي يرتكبها عناصر النظام السوري أو حلفائهم، فهم ادخروا غضبهم وسلوكهم منذ الصغر ونزعاتهم وغرائزهم، ليفرغوها جميعها في هذه الحرب. الأمر نفسه ينسحب عى الدقاق زعيم ميليشيات "الدفاع الوطني" في حماة والذي عُرف ببطشه وابتكاره العديد من طرق التعذيب منذ بداية الثورة، إذ أن رميه للحصان وسط مجموعة من الأسود، إنّما يُعبّر عن حجم الإجرام الذي يكتنزه في داخله وهو المعروف عنه بأنه المسؤول الأبرز عن اعتقال المئات من الشبان في حماة وتصفيتهم. وكنتيجة لهوسه بالقتل الذي يمارسه بشكل يومي، فهو وبحسب عارفيه، يعيش في أماكن مختلفة ويتنقل في سيارات مصفحة يتم تبديلها بشكل يومي. وقد ذكر أحد أبناء قريته، بأن الدقاق جنى ثروة كبيرة من خلال عمليات القتل والخطف بعد أن كان مجرد سائق سيارة إجرة.

المعلومات الواردة من الداخل السوري، تؤكد أن الدقاق لا يُعتبر المتورط الوحيد في عمليات قتل وتنكيل واختطاف، بل هناك أثرياء "شبيحة" تابعين لفرق رديفة داعمة للنظام، يمارسون عمليات القتل والإعتقال إضافة إلى السطو وسرقة الممتلكات، وقد امتدت في بعض الأحيان إلى الاتجار بالأعضاء البشرية. وتحت عنوان "سري للغاية"، كانت شعبة المخابرات الفرع ــ 219 في حماة، أرسلت رسالة في العام 2015 إلى رئيس الفرع تُفيد بأن الدقاق يقوم بتربية شبل أسد صغير سرقه من إحدى حدائق الحيوانات حيث يقوم بإطعامه من لحوم المخطوفين الذين يقوم بتصفيتهم بنفسه أو عن طريق عناصره. وتضيف الرسالة بأن الدقاق كان عمد الى اختطاف مئات الأشخاص من حماة وريفيها خلال السنتين الاخيرتين ثم عاد وأطلق سراح معظمهم بعد تلقيه فديات مالية ضخمة، أما من لم يتسنّى له الخروج، فقد قام بتصفيته ورمى بجثته للأسود.

مما لا شك فيه، أن ما حصل ويحصل شكل صدمة جديدة للكثيرين في هذا العالم، وفي الوقت عينه، كان لمواقع التواصل الإجتماعي، الدور الأبرز في الكشف عن جريمة الدقاق وجرائم "حيوانية" أخرى كان قد حاول النظام إخفاءها عن الرأي العام، والسؤال الأبرز الذي يستوجب الوقوف عنده: كم هو عدد الضحايا الذين التهمتهم أسود هذا المجرم، وكم ضحية يحتفظ بها اليوم، ليُقدّمها غداً ولائم لأسوده التي يحتفظ بها في مزرعته؟.