بينه وبيني وشائج إبداع، حبكتها وحدة الكلمة في مدار الشِّعْر، فكان التناغم الأدبيّ بيننا وليدَ مواطنة الإنسان في دولة الشهامة الرفيعة الراسية على صخر من لبنان.

يوم التقينا مصادفة، وكان واحدنا قد قرأ الآخر، وقع في حَدْسنا أنّنا ولدنا معاً على ضِفّتَي نَهْرٍ ينحدر من غابات فوق جبل أخضر والشموخ منه يكلّل هامة الحريّة فينا، فإذا نحن في دورة الثورة والنضال، نتمرّد على العسف والطغيان، ونبني للبنان جدار حدود، تردّ عنه غائلة الزمان. ونفتح أبوابه على العالم رسالة حضارة قوامها الشّعر والعقل والمعرفة، واللوحة عند باب القدر زيت محبّة، حتى إذا حطّتْ بنا سفينة القَدَر، رحنا «كعوليس» نرتاد شواطئ الغيهب لنردّ إلى الحياة بهاء الحُبّ في مغامرة مصير الإنسان، من أجل وطن نرتاح فيه وإليه، والرجال حوله دروع حماية ينشدون «نشيد الورد والشمس» فالوطن مَلِك تاجه أرز، وحماته أبطال ميامين «ونشيد الورد نشيد الشمس، ومجدي [يقول] في الأرض وغاري» مجده مرفأ ذكريات يُشطّط إليه، إنّه قريته، الجميلة الوادعة فوق الجبل، وربوعها: «تلك الربوع الخضر، من موطني، تمشي على جفني لياليها».

وهو المسافر عبر الأحلام والرؤى، يبحث عن وطن، فإذا الشهداء فيه قرابين التضحية. كما في محرقة الهيكل التاريخي عند شاطئ الزمان، ليقول: «فأروع الشِّعْر صَمْتٌ حبره دمُكُمْ/ بنبله لكتاب الأرض ينتسب./» وكان الكتاب، قمراً، ودفق حنين يبلسم جراح بلاده ويقينه أنْ: «كلّ شعْب ما عانق الجرحَ يوماً/ هو عِبْءٌ على التراب ثقيل/». ووطنه، قصيدة – امرأة هي – ولكنّها مستحيلة. ذاك أنّ أنور سلمان على الرغم من إقباله على الحياة، ظلّ مصلوباً على أوراق الشِّعْر، يحمل صليب القهر عن شعب بكامله. وعلى الأوراق دمعته تأخذ شكل امرأة تدعى الوطن.

المرأة وطن، والشاعر وحده، يدرك سرّ تلك المرأة المستحيلة، تلك القصيدة التي لا تُكتب، فتبقى في «علبة الأحلام والأسرار». أيُّ لغز يحاول الشاعر فكّ رصده، أنا أعلم، وحده الشعر، في توحُّده، في رؤاه يحاول اجتياز الرصد الشّعريّ «فالشِّعْر أجمله رؤًى، أوهامها أنّ القديم من الجمال جديد!» الشّعر مع أنور سلمان صلاة قداس، أو تجويد تسابيح، أو مناجاة في خلوة الصفاء. قُلْه: غيبوبة وحي تعتري الشاعر الساكن عند باب كأس الحُبّ كصوفيٍّ متهجّد في صومعة دافئة عند عتبة الجنّة، يتمتم كلمات هي بالطلِّسْمات أشبه! أتعاويذ هي، أم ترانيم طقسِ انجذاب، أم تغاريد طير «السيمورغ» كما في تراويح مولانا «جلال الدين الروميّ» أو سيِّدنا «فريد الدين العطار»، أو تنزل علينا «كإشراقات السُّهروريّ»؟ مُسلَّمة واحدة في الشّعر عند أنور سلمان، أنّه في رحلةٍ، مسافرٌ في المكان أو الزمان... في وحدة الشاعر، كان أنور يُصلّي، يقول: «وكم صلّيت، بحثاً عن خلاصٍ/ وعدتُ وما معي إلاّ صلاتي/». يكفيك هذا، يا صديقي أنور، فهل عندك صدى كلامٍ للسيّد المسيح: «... فصلُّوا أنتم هكذا: أبانا الذي في السماوات...» وما ورد في الذكر الحكيم ﴿ قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون ﴾. فسلام الله عليك، وأنت هناك، شيخ أزرق تقيم الصلاة، كأنّك في تجلٍّ فوق جبل «حرمون»، أو عند جبل أرز الباروك – أنا أعلم أنّك لم تملَّ. لكنّ القدر خطفك، وأنت الباحث دائماً عن أسفار، كيف أنت؟ قصائدك عندي، وكتبك، فهل كانت رحلتك حبراً على ورق... طبعاً لا. لقد نَقَشْتَ في جدار الزمن لوحةً بهيّةً للشّعْر. وكرسيُّك، هنا، في صدر المجلس، وعلى المنبر طيفك يرشق الحاضرين بعطر الكلام. وأنت ما عدت من رحلتك تعباً. ولا تَعِبَ الكلام، أنا أعرف أنّك «طائر الحبر»: «مرّ كالطير المسافر حاملاً فوقه جناحيه السماء.../ كان شاعرْ/ سَقَطَتْ عن جفنه الأحلام/ في ليلٍ/ لم يَنْهِ القصيدة/». قصيدتك «المرأة المستحيلة»، تبحث عنك، لقد هوى تاجها عن رأسها الشامخ، ولكنّها لا تزال، أغنيَّة لزمنِ أعياد الشّعر، وبطاقة ملوّنة بألوان قريتك... فإليها أقول: كان شاعرك أنور سلمان القصيدة الكبرى التي كسرها القدر، لقد عاد ترابه إلى التراب، وبقى لنا صوته الشعريّ، فقصائده تقاسيم على وتر الزمان. وإن قال: «فعدت إلى ترابٍ جئتُ منه/ ولكنْ... لم أجد إلاّ رفاتي/». فيا أخي أنور، في زمن الربيع، شعرك ربيع دائم وأنتَ الريشة الخضراء في دواة الإبداع وقد صِرْتَ «الشعر الجميلا»، وقصيدتك ليست مستحيلة. هي زهرة على باب مثواك الأخير. فنم قرير العين، ليس بارداً قبرك، فعليه يرفّ دفء الإيمان وحولك تسافر الأقلام!...

الميَّة وميَّة (صيدا – لبنان) شباط 2018