يحدث الان
   23:20   
قوى الامن توقف في عيترون الحدودية "ح،ا" ٥٣ عاما لتحرشه بطفلة عمرها سبع سنوات وتودعه مخفر بنت جبيل لاجراء التحقيق
   22:46   
المملكة العربية السعودية تدين وتستنكر التفجير الانتحاري بسيارة مفخخة في العاصمة الأفغانية كابول
   22:43   
‏الداخلية العراقية: قتلى وجرحى بتفجير استهدف مقهى في مدينة الرمادي
   22:30   
‏السيسي عبر تويتر: التدخل في شئون الدول ودعم الإرهاب هما أسباب لما وصلت إليه المنطقة من أزمات
   22:15   
‏ملك الأردن يطالب نتنياهو بإلغاء الإجراءات الأمنية في الحرم القدسي
   المزيد   




الإثنين 17 تموز 2017 - العدد 6125 - صفحة 13
اكتشاف سبع عشرة قصيدة مجهولة لتوفيق صايغ
شاعر مختلف، وهامشي، وداخلي، ومجدد، حفر طريقاً آخر، خاص جداً به في خضم الشعر الفلسطيني والعربي. شاعر المنفى الآتي من أمكنة أخرى، ومن لغة أخرى، يعبر بهما عند منفاه، فلا خطابة، ولا حتى غنائية معهودة، ولا أطر مسلوكة، ولا غربة «مجلجلة». شاعر الصمت، والزوايا، والعزلة، لكنها العزلة التي تحمل في طياتها آلام بلاده المسلوبة، ومنفاه المتعدد، وبعاده القاسي. ثلاث مجموعات تركها وراءه: «ثلاثون قصيدة» (1954)، و«القصيدة ك» (1960)، و«معلقة توفيق صايغ» (1963).

ولأنه سقط باكراً متنائياً عن فلسطين وبيروت التي عاش فيها ردهاً من الزمن ودرس في جامعتها الأميركية، فكأنه اكتفى بهذا القليل، بعدما رحل عن 47 عاماً، وهو في عزّ بحثه الابداعي عن المختلف في الشعر، خارج أسراب المواويل، والخطب، والشعارات.

الزميل الشاعر خالد المعالي، اكتشف «هذه الكنوز»، ونشرها في داره «منشورات الجمل»، وقدم لها الباحث المميز محمود شريح.

ب.ش.

توطئة الناشر

كان الوقوع على هذه القصائد من قبيل الصدفة ومن باب الصداقة في آن. تنشر هنا للمرة الأولى، وهي برهان ساطع على أن صاحبها انصرف إلى الشعر باكراً، فبرع فيه كما تشهد قصائده هذه، وإن كانت تقتفي النمط التقليدي من حيث الوزن والقافية، وتختلف عن قصيدته النثرية المجددة في دواوينه الثلاثة: ثلاثون قصيدة (1954) والقصيدة ك (1960) ومعلّقة توفيق صايغ (1963).

صوب نهاية 2015 أعلمتني صديقتي هالة صايغ ابنة فؤاد أخي توفيق أنها بصدد إغلاق شقة عمها أنيس في رأس بيروت واعطائي ما فيها من أوراق لتوفيق احتفظ بها أنيس حتى وفاته، فإذا بي أقع على كنز دفين: «قصائد لتوفيق بخط يده بين 1943، حين كان في العشرين، و1946، حين كان في الثالثة والعشرين. هي سبع عشرة قصيدة تشكل مجتمعة بداياته الشعرية: في بيروت طالباً في الجامعة الأميركية؛ وفي طبرية والقدس والناصرة، اثر تخرجه في تلك الجامعة (بكالوريوس في الأدب الانكليزي، حزيران 1945). في طبرية حيث سكن أهله، وفي القدس حين كان أستاذاً لفترة وجيزة في كلية روضة المعارف، وفي الناصرة وهو في زيارة، وفي بيروت من جديد حين التحق بالجامعة الأميركية ثانية لإنهاء مقررات الماجستير في الأدب العربي.

أولى هذه القصائد«إلى الواقفة على الشرفة»دوّنها الشاعر في بيروت بتاريخ 31/10/1943، وهو في العشرين وآخرها«بحر الجليل»دوّنها في طبرية والقدس خلال شهري كانون الثاني وشباط 1946 وهو في الثالثة والعشرين، وهاتان قصيدتان دونهما على صفحات منفصلة، كل قصيدة على حدة، ثم ان الشاعر أسقط القصيدة الأولى واحتفظ بالثانية مع خمس عشرة قصيدة اخرى ضمنها جميعاً في دفتر صغير عنونه«الشفق – شعر – توفيق عبدالله صايغ»، وعليه فنحن هنا مع سبع عشرة قصيدة كتبها صاحبها وكله إيمان بأن الشعر غايته إذ قدم ديوانه الشفق بقوله:«إن لم أكن – عبر هذه القصائد – قد وصلت إلى كعبة الشعر، فإنني قد سرت، أتوكأ على عصاي في طريق الحج الوعر». على هذا النحو نذر توفيق حياته للشعر على مدى قرابة ثلاثين عاماً وهو الذي أمضى سبعة وأربعين على ظهر هذه البسيطة.

القصائد هنا، باستثناء«بحر الجليل»، غزل حلو ومرح ويجنح في بعضه إلى اباحية مغرقة، وهي في مضمونها على نقيض تام مع قصائده على مدى عقد لاحق، حيث قصائده هناك غزل مر ومضن.

هذه القصائد التي دوّنها توفيق توضح أثر المدرسة الشعرية اللبنانية عليه وفي طليعتها رائد الرومانسية المطعّمة بالرمزية الياس أبو شبكة، وإن كان هناك نسمات تهبّ عليها من رياض سعيد عقل ويوسف غصوب ورشدي المعلوف وصلاح لبكي.

أمضى توفيق قرابة شهر في صياغة«بحر الجليل»وهي القصيدة الوحيدة هنا التي تعبق بروح الوطنية عنده فيما باقي القصائد غزل صاف.

تظهر هذه القصائد مقدرة توفيق على تفرّده منذ مطلع شبابه في صوغ قصيدة حديثة تشبهه وحده من حيث تمرده على المألوف آنذاك في الشعر الغزلي العربي، فإذا به يتخطّى المحرّمات، وإن بقي يستنفد الموروث.

ولعل توفيق لم يصدر هذه القصائد في ديوان مستقل لخوفه كعادته أنه لم يبلغ فيها شأواً يرضى عنه، مع انه كان يفكر بأن يقدم لها سعيد عقل، ففي رسالة صادرة من زحلة بتاريخ 17/9/1947 إلى توفيق في اوتيل كلاريدج في حي القطمون في القدس يعلمه فيها سعيد عقل ان«المقدمة حاصل عليها، شئت أنت أم لم تشأ إذ القضية تهمني وأنا – كما تذكر – صاحب الاقتراح. تحمّل كسلي ولا تنسَ أنني لك فوق ما تتوقع». واضح إذن ان توفيق كان يطمح في إصدار ديوان شعري في عام 1947 أو 1948 ثم يبدو أنه عدل عن نشر هذه القصائد، لكنه عاد وألحّ على سعيد عقل أن يقدم له ديوانه الأول ثلاثون قصيدة في 1954.

طمح توفيق صايغ في مطلع شبابه إلى أن يكون شاعراً طليعياً، فكانه، ثم طمح، في طور نضجه، إلى أن يكون ناقداً رائداً، فكانه كذلك، وطمح، في سنوات حياته الأخيرة، إلى أن يكون مترجماً بارعاً، فكانه كذلك ايضاً. جمع توفيق صايغ في ثقافته العميقة دقّة الأكاديميا إلى رهافة الشاعر. موقعه على خارطة الشعر العربي الحديث فريد وهام، فصاحبه منفي في الطباع ومغرق في التجديد، متشرب ثقافة شرقية وغربية ويقف وحيداً في مضمون قصيدته وشكلها.

وُلد توفيق صايغ في حوران في سوريا ونشأ ودرس في فلسطين وأكمل علومه في لبنان وأميركا وانكلترا، وحاضر في كمبردج ولندن وبيركلي. عاش حياته القصيرة دارساً وباحثاً وأستاذاً وقارئاً نهماً، ومتنقلاً أبداً، وعاشقاً دائماً، صامتاً ومحتاراً، ومعذباً قلقاً. وحين توقف قلبه عن الخفقان في بيركلي، بعيداً عن صحبه وأهله وخلانه، دُفن في مقبرة الغروب المطلة على المحيط الهادئ، عن يمينه قبر لرجل صيني وعن يساره قبر لرجل ياباني. عاش قريباً ومات غريباً وهو الذي كان شعاره، كما يرويه عنه صديقه جبرا ابراهيم جبرا:«النفي الداخلي أشدّ من النفي عن الوطن».

فجعته مأساة الوطن فأقصته عن الهناء الأصيل ودفعت به إلى وحدة داخلية فعانى من اغتراب دائم، وتفجّر حنينه إلى بلاده في قصائده. هجره الله فلاحقه بدعائه ولما لم يعنه أدرك أنه فقد الفردوس. ولا عجب انه يطلع علينا منح خوري من بيركلي بعد ستة عشر عاماً على وفاة صديقه بدراسة هامة تحمل عنوان«الفردوس المفقود في شعر صايغ»(في: Mounah Khouri, Studies in Contemporary and Criticism, California, Jahan Book Co. 1987).

التفت إلى المرأة بحثاً عن الخلاص فأحث وجاهد وتفانى وأخفق، فجاء غزله مراً يصل المحدثين بالغزليين القدامى. قصائده إحساس بالفاجعة وثورة في الشكل وقفزة في المضمون. خاطب حبيبته كما خاطب أيوب ربه، واعتمد على اللفظة الانجيلية، دون أن تهجرها موسيقى الروح ونبضات القلب. صارت عشيقته«كاي»جزءاً من تاريخ الحداثة العربية وأصبح الكركدن الذي اشاع توفيق رمزه في قصيدة العرب شهادة على تجلي الشاعر وسقوطه، تجليه بين شعراء الحداثة من حيث انجازاته، وسقوطه في مصيدة نصبت لقرينه الكركدن. ومن هنا لقب»الكركدن المحاصر«الذي أطلقه عيسى بلاطة (في: Issa Boullata.»The Beleaguered Unicorn: A Study of Tawfiq Sayegh«Journal of Arabic Literature. IV 1973. ثم ظهرت ترجمة مقالة بلاطة هذه في مجلة شؤون فلسطينية، 30، شباط 1974).

نشأ توفيق في جو عائلي حميم فاستند، من فطرته وتربيته، إلى خلق متين وذوق سليم، وكان منذ نعومة أظافره مرهف الحس، شديد التأثر، مخلصاً لصحبه، محبا لأشقائه، وفياً لوالديه.

انطلق من الكلية العربية في القدس إلى الجامعة الأميركية في بيروت وكان لجو بيروت الثقافي ومنهاج دربته الاكاديمي اثر عظيم في صقل موهبته التي جاء بها من فلسطين. درس الأدبين العربي والانكليزي وحرر مجلة الجامعة وكتب في الصحافة البيروتية وتعرّف على منجزات الياس أبو شبكة وسعيد عقل ويوسف غصوب وصادق هذين الاخيرين واستفاد من تقنياتهما الشعرية.

يعتبر توفيق صايغ من أكثر الشعراء العرب المعاصرين اطلاعا ًعلى التراث العربي، إذ انه تخرّج من الجامعة الأميركية في بيروت (حزيران 1945) حاملاً شهادة البكالوريوس في الأدب الانكليزي (رتبة الشرف)، وفي 1950 نال منحة دراسية من مؤسسة روكفلر الاميركية أتاحت له التنقل بين جامعات«جونز هوبكنز»و«برنستون»و«هارفرد». وفي أواسط 1953 قضى مدة دراسية في«اكسفورد»و«كامبردج». ومع ذلك فإن لصايغ إلماماً واسعاً بالتراث العربي. كتب عن المتنبي والمعري واعجب بهما، وقرأ الأناجيل واستمد رموزه الشعرية منها.

ولد توفيق صايغ في قرية«خربا»من أعمال حوران، في سوريا، يوم 14/12/1923. في 1925 انتقل والده القس عبدالله صايغ مع عائلته إلى«البصة»، شمالي فلسطين، ثم إلى«طبرية»في 1930. وبقي والده قسيساً للمدينة حتى 1948 حين هاجرت العائلة إلى بيروت. لتوفيق أخت هي ماري وخمسة اخوة هم: يوسف وفايز وفؤاد ومنير وأنيس.

تلقى توفيق دروسه الابتدائية في«البصّة»(1931 – 1937)

تلقى دروسه الابتدائية في البصّة (191 - 1937) والثانوية في الكلية العربية في القدس (1937 - 1941)، والجامعة الأميركية في بيروت (1941 - 1945). عمل استاذاً بمدرسة«الروضة»في القدس (1946 – 1947) ثم عمل لفترة قصيرة في دائرة الترجمة التابعة لحكومة فلسطين، ثم أميناً لمكتبة المركز الثقافي الأميركي في بيروت (1948 – 1950)، وكان في تلك الفترة محرراً لمجلة«صوت المرأة».

من 1954 – 1959 كان توفيق محاضراً في الدائرة العربية في جامعة«كامبردج»، ومن 1959 إلى 1962 كان محاضراً في جامعة لندن. في 1962 عاد إلى بيروت وأصدر مجلة«حوار»حتى 1967. دعاه أصدقاؤه إلى إلقاء سلسلة محاضرات في جامعة«برنستون»و«بيركلي»و«ميشيغن»و«تكساس»(1967 – 1968)، ثم دعاه صديقه منح خوري ليحل مكانه لسنة في جامعة«بيركلي»(1968 – 1969)، ثم عّين استاذاً زائراً في دائرتي الأدب المقارن ولغات الشرق الأدنى في الجامعة نفسها (1969_ 1970). بقي توفيق في بيركلي، كاليفورنيا، إلى أن وافته المنية اثر نوبة قلبية حادة يوم 3/1/1971 وهو في السابعة والأربعين من عمره.

ترك توفيق ثلاث مجموعات شعرية هي: «ثلاثون قصيدة»، بيروت، دار الشرق الجديد، 1954، و«القصيدة ك»، بيروت، مجلةشعر، 1960، و«معلقة توفيق صايغ»، بيروت، الدار الوطنية للطباعة والنشر 1963. ترجم «رباعيات أربع» للشاعر الانكليزي اليوت (بيروت، مطابع الخال، 1970)، وأصدر كتاباً عن جبران صرف فيه خمس سنوات (الدار الشرقية، بيروت، 1966)، وترجم خمسين قصيدة من الشعر الأميركي (دار اليقظة العربية، دمشق) 1963)، وكتب مقدمة «عبر الأرض البوار» لكتاب جبرا ابراهيم جبرا «عرق وقصص أخرى» (بيروت، المؤسسة الأهلية، 1956، ط2: دمشق، منشورات اتحاد الكتاب العرب، 1974).

يدور شعر توفيق صايغ حول قضية الاغتراب، الاغتراب تجاه الوطن والاغتراب تجاه الحبيبة والاغتراب تجاه الله. تشهد دواوين صايغ الثلاثة التي صدرت خلال عشرة أعوام (1954، 1960، 1963)، خطاً تصاعدياً واضحاً، ينطلق ببساطة وبراءة وينتهي بالتعقيد والتجربة المرّة. أسلوب صايغ يمتاز بالجدة، إذ انه يرتكز على تلقيح ثقافة الشاعر الشرقية بأطروحات الغرب الشعرية إضافة إلى شاعرية تضرب جذورها في التراث والدين.

«ثلاثون قصيدة» من المحاولات العربية الأولى في كتابة قصيدة النثر المستفيدة من تقنيات نظيرتها في الغرب فصاحب الديوان درَس الشعراء الغربيين واختلف إلى محاضراتهم عن الشعر ونقده في هارفرد وانديانة واكسفورد، وصادقهم وهو أستاذ في كيمبردج ولندن وكاليفورنيا. في «ثلاثون قصيدة» تجربة كتابة جديدة ترتكز على تلقيح الثقافة الشرقية بمبتكرات الغرب الشعرية، وتستفيد من موهبة تضرب جذورها في التراث والدين.

«القصيدة ك» تقطير لتجربة صايغ مع «كاي»، هي كاي شو، صبية انكليزية وقع في غرامها لزمن، وهي تجربة أضنته، فجاء الديوان في آن تخليداً لها وهجراً. صدر الديوان هذا في1960 وتوفيق آنذاك محاضر في كلية الدراسات الشرقية والافريقية في جامعة لندن، وهو منصب شغله حتى العام 1962. «القصيدة ك» تجربة حب عميقة تقطر معاناة صاحبها. مفرداتها مشحونة بالنزف والفزع والضياع.

يعود الفضل إلى توفيق صايغ في التعريف بأسطورة الكركدن ومنحها مكاناً فريداً لائقاً في الشعر العربي المعاصر، في ديوانه الثالث والأخير «معلقة توفيق صايغ» الذي أصدره في العام 1963. ويعود الفضل إلى توفيق في نشر رواية الطيب صالح «موسم الهجرة إلى الشمال» وفي مجلته «حوار» (أيلول – كانون الأول 1966) ورواية «عرس الزين» في كتاب مستقل عن مجلته، ومسرحية «العصفور الأحدب» للشاعر السوري محمد الماغوط.

فيما يلي سبع عشرة قصيدة غير منشورة لتوفيق صايغ بخط يده.

محمود شريح

(بيروت – كانون الثاني 2017)

  الاكثر قراءة في « ثقافة و فنون »
Almusqtabal/ 14-07-2017 : مهرجان BEASTS عروض دولية حصرية تحتضنها بيروت للمرّة الأولى
Almusqtabal/ 15-07-2017 : إعلان برنامج الدورة الأولى من «بيروت ديزاين فير»
Almusqtabal/ 16-07-2017 : مجلة «لير» تختار روايات الصيف
Almusqtabal/ 14-07-2017 : معارض صيفية تواكب مهرجانات بيبلوس وداليدا قصة حب
Almusqtabal/ 15-07-2017 : دور الأدب والموسيقى في تحقيق استقلالها - سحر طه
Almusqtabal/ 16-07-2017 : من إمارة العبسي إلى خلافة البغدادي
Almusqtabal/ 14-07-2017 : جمال أبو الحسن يفتتح مهرجانات صور الدولية
Almusqtabal/ 17-07-2017 : الجنس في بلاد المغرب
Almusqtabal/ 19-07-2017 : أهم عشرة أفلام في الصيف الأميركي - ب. ش
Almusqtabal/ 20-07-2017 : معرض «صُنعَ في تشكيل 2017»