يحدث الان
   00:17   
‫فوز اسبانيا على فرنسا ٢-٠ وايطاليا على هولندا ٢-١ والسويد على البرتغال ٣-٢ وديا‬ الثلاثاء
   23:57   
‏البيت الأبيض: الرئيس المصري يجتمع مع ترامب الإثنين
   23:44   
‏الشرطة الأمريكية: "الطرد المشبوه" قرب البيت الأبيض "إنذار كاذب"
   23:35   
الجيش : طائرتا استطلاع معاديتان خرقتا الاجواء اللبنانية
   23:30   
‏العراق: مقتل 20 داعشياً بضربة جوية في صلاح الدين
   المزيد   




الإثنين 20 آذار 2017 - العدد 6016 - صفحة 5
المقاومة وازدواجية السلطة (2 من 6)
سليمان الرياشي

عندما أُسدل الستار على الحرب العالمية الأولى، خرجت إيطاليا منتصرة مع المنتصرين، ولكن مدماة في وضع يشبه في حدود بعيدة وضع فرنسا وبدرجة أقل وضع بريطانيا العظمى. الأزمة الاقتصادية خانقة، الصناعة تفتقر إلى المواد الخام، والبطالة المرتفعة أصلاً ازدادت تفاقماً خصوصاً بعد عودة الجنود من ميادين القتال إلى الحياة المدنية، وترافق ذلك مع أزمة مالية ونقدية حيث وصل التضخّم إلى نسبة 450%.

وخلافاً للحليفين المنتصرين الآخرين بريطانيا وفرنسا اللذين خرجا من الحرب محافظين على «ممتلكاتهما» ما وراء البحار، بل زادا عليها غنائم حصلا عليها من العدو الألماني المهزوم، فإن إيطاليا خرجت من الحرب «مجروحة الكرامة»، فهي لم تتمكّن من استعادة كافة المناطق التي تعتبرها إيطالية كمنطقة كيومو، ولم تتمكّن كما «وُعدت» من قبل الحلفاء، من وضع اليد على ألبانيا كغنيمة حرب، بل على العكس من ذلك أصرّ الحلفاء وبخاصة الرئيس الأميركي وودرو ويلسون على الاعتراف باستقلال ألبانيا. أما منطقة كيومو التي احتجّت إيطاليا بأن معظم سكانها من الناطقين بالإيطالية، فقد رُدّ عليها بأن المحيط الطاغي لهذه المنطقة ينطق بالسلوفينية، وهي بالتالي تعود إلى يوغوسلافيا المستقلّة. وكيومو تشكّل اليوم جزءاً من جمهورية كرواتيا المنفصلة عن الفيدرالية اليوغوسلافية. أما ألبانيا فسوف تغزوها إيطاليا وتحتلها في الثلاثينات، ثم تنسحب منها تحت وطأة المقاومة الشعبية. وفي منتصف الثلاثينات سوف تغزو إيطاليا إثيوبيا، البلد الوحيد المستقلّ في القارة السمراء، وتحتلّها كما سوف تتخلّى عن «غنيمتها» هذه تحت وطأة المقاومة وضغط الحلفاء ولكن لذلك سياق آخر.

إيطاليا: معارضة لا سلطة موازية

في هذا المناخ العام المحتدم سياسياً واجتماعياً، مناخ ما بعد الحرب، انتعشت القيادات الشعبوية كافة، أكانت يمينية متطرفة أم يسارية متطرفة. وكان للفاشية الإيطالية، الشعبوية بامتياز، أن تنبثق مزيجاً من الايديولوجيا القومية المتطرفة التي تتغذّى من مشاعر «الكرامة المجروحة»، ومن شتات من الأفكار الاجتماعية الإصلاحية الغائمة، والمتوسّلة أفكاراً «يسارية» غائمة بدورها؛ وذلك في ظاهرة شبيهة بما سوف تجري الأمور عليه في ألمانيا في بداية عقد الثلاثينات في عملية سوف يكون حامل رايتها، كما هو معروف، أدولف هتلر. أما حامل الراية في إيطاليا فسوف يكون بنيتو موسوليني.

الزحف على روما

أطلق موسوليني الحركة الفاشية من مدينة ميلانو عام 1919، وقد ضمّت بالإضافة الى بعض الأوساط اليمينية المتفرّقة بعض الشرائح اليسارية المتطرفة، وشرائح نقابية (الاتحاد الإيطالي للعمل)، وكذلك عدداً من أنصار تيار «النقابية الفوضوية»، هذا وقد أعلنت الحركة عداءها الصريح للديموقراطية – الاشتراكية التي سوف تنقسم في ما بعد (عام 1921) إلى تيار شيوعي وتيار اشتراكي على غرار ما حصل في فرنسا قبل عام من ذلك. وقد حظيت الحركة منذ انطلاقتها بدعم واضح من قبل أوساط نافذة في الجيش وداخل الحكومة وبعض كبار المتموّلين خصوصاً في المناطق التي شهدت تحركات عمالية ويسارية صاخبة، ممّا شجّع الحركة الفاشية، وقد تحوّلت عام 1921 إلى «الحزب الوطني الفاشي»، على عملية استباحة واسعة وناجحة للعديد من المدن الإيطالية، وفاشلة في بعضها. أمام هذا النجاح والفشل اندفع موسوليني في حركة هروب إلى الأمام ودعا عشرات الآلاف من أنصاره إلى الزحف على روما، وكان ذلك في نابولي في 26 تشرين الأول 1922.

استدركت الحكومة الإيطالية الوضع، وبدأت ترى في موسوليني خطراً يتجاوز كونه قدّم لها خدمة في قمع الاضطرابات العمالية والتصدّي لأبعاد خطر «البلشفيين» الإيطاليين. فأمرت الجيش بالاستعداد لمواجهة مسيرته. وجهّزت الحكومة مرسوماً يشرّع حالة الطوارئ. لكن المفاجأة كانت بأن الملك عمانوئيل الثالث رفض توقيع المرسوم، والحجة المعلنة كانت الخشية من اندلاع حرب أهلية. واصل الفاشيون زحفهم واجتاحوا العاصمة، وبعد أيام كلّف الملك بنيتو موسوليني نفسه بتشكيل الوزارة. (في الوقت الذي كان يستعد للهرب إلى سويسرا في حال الفشل). وهكذا انتقل الرجل من ميلانو إلى روما رئيساً للوزارة. وقد تمّ صوغ قانون انتخابي سمح له بالفوز الانتخابي في نيسان من عام 1924. واعتبرت أحزاب المعارضة الانتخابات مزوّرة، ودفع أمين عام الحزب «الاشتراكي» جياكومو ماتيوتي حياته ثمناً لذلك عن طريق اغتياله. وعام 1926 كان الحزب الفاشي قد وطّد سلطته الديكتاتورية وانفرد بالسلطة فلجأ إلى حلّ الأحزاب جميعها، وأسقط العضوية البرلمانية عن ممثّليها وأمر بحل المجالس البلدية غير الموالية وأعلن حالة الطوارئ في البلاد. عام 1929 عقد موسوليني مصالحة مع الفاتيكان حلّ من خلالها قضايا مع الكنيسة الرومانية معلّقة منذ عام 1870، عام توحيد إيطاليا.

سوف يشهد عام 1935 تقارباً بين النظام الجديد وكل من بريطانيا وفرنسا، اللتين كانتا تراهنان عليه حليفاً لهما ضد النظام النازي، لكن غزوه للحبشة ما لبث أن عقّد العلاقات بين الحليفين ونظام موسوليني، ثم ان النظام سوف يجتاح ألبانيا عام 1939 مما سيزيد الارتياب والحذر الفرنسي – البريطاني تجاهه. أما ثالثة الأثافي فسوف تكون تحالفه الرسمي عام 1940 مع ألمانيا النازية ضد فرنسا وبريطانيا، كما أنه عام 1941 سيعلن مع اليابان الحرب على الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة الأميركية، والذي سوف ينتج عنه ازدياد الاستقطاب الحاد السياسي والاجتماعي الداخلي، وينزع ورقة التين عن سياسته وطموحاته الخارجية.

إن هذا الاستعراض السياسي السريع لمفاصل من تاريخ الفاشية الإيطالية، الذي استطال لما يقرب من عقدين قبل دخول إيطاليا الحرب الكبرى، إنما كان ضرورياً لإلقاء الضوء على حقيقة أن استتباب الأمر لصالح موسوليني ونظامه من دون مقاومة حقيقية من قبل الدولة، بل بتواطؤ من قبل رأس الدولة ممثلة بالملك عمانوئيل الثالث، ثم ان دخول إيطاليا الحرب إلى جانب المحور الألماني – الياباني عام 1940، ودخول الحلفاء من جنوب إيطاليا محرّرين عام 1943 قد بدّل جذرياً ميزان القوى الداخلي لصالح حركة المقاومة، كما وضع النضال ضد النظام الفاشي في سياق دولي جديد جعل من هذه المقاومة، كما المقاومات الأوروبية الأخرى في إطار السعي العالمي للتخلّص من النازية والفاشية.

ائتلاف ضدّ الفاشية

هذا يعني أن الوضع لم يستتبّ للنظام الفاشي من دون مقاومة. فقد ائتلف عدد من القوى السياسية الإيطالية (ومعظمها ممنوع بموجب «الشرعية» الجديدة، من ضمن هذه القوى «الحزب الشيوعي في إيطاليا» بقيادة بالميرو تولياتي الذي كان يعيش في المنفى وكان أمينه العام أنطونيو غرامشي مسجوناً، «الفيدرالية الفوضوية الإيطالية» و«الفرع النقابي – الفوضوي»، «حركة العدالة والحرية»، «الجمهوريون والليبراليون»، «فيدراليون يساريون» غير ماركسيين. يُضاف إلى ذلك عدد كبير من القوى المحلية والنوادي والجمعيات بالإضافة إلى عدد من الشخصيات الديموقراطية الرافضة للفاشية كما وعسكريين رافضين للانقلاب. ومع استفحال قمع النظام وتوطّد حكمه الشمولي سوف يصدر عن الفاتيكان عام 1931، رسالة بابوية تدين عبادة الدولة وعبادة القوة. ويرتدي ذلك أهمية بالغة في بلد مثل إيطاليا، حيث للكاثوليكية جذور شعبية عميقة. لكن هذه المقاومة، على تعددّها الفكري والسياسي، ورغم تجذّرها الحقيقي، بدت عالية الكلفة البشرية، بسبب القمع البالغ الفظاظة، وبسبب تشريد معظم قياداتها التي كانت تعيش في المنفى، أو منخرطة إلى جانب الجمهوريين في إسبانيا في حربهم ضد نظام الجنرال فرانكو الانقلابي الفاشي بدوره، بدءاً من عام 1936. وهناك سبب آخر، لكنه جوهري، يتمثّل في أن هذه القوى كانت تخوض حرباً أهلية، وإن عادلة؛ فهي لم تكن ضد عدو وطني محتلّ يستنهض القوى العامة الحيّة في الأمّة. كما أن الشعارات الشعبوية والديماغوجية للنظام شكّلت عنصر جذب لعدد يصعب تقديره من الناس، وعامل إرباك لقوى اجتماعية وسطية يصعب تقديرها أيضاً. ثم ان الوضع السياسي في أوروبا كان مربكاً أيما إرباك، وتنازلات البلدان الأوروبية الديموقراطية أمام هتلر كانت محبطة، علاوة على التخاذل أمام السيطرة الألمانية على النمسا، وتمرير احتلال النظام النازي لتشيكوسلوفاكيا في مؤتمر ميونيخ الشهير عام 1938. كما تركت المعاهدة السوفياتية – الألمانية عام 1939 إرباكاً في صفوف شيوعيي إيطاليا وأصدقائهم من الاشتراكيين واليساريين والتقدميين عموماً، ثم الرهان الفرنسي – البريطاني، الذي مرّ ذكره، حتى اللحظة الأخيرة، على إمكانية جذب إيطاليا الموسولينية إلى التحالف ضد هتلر. يبقى أنها كانت مقاومة شاملة، متنوّعة، عمّت إيطاليا ريفاً ومدناً، شكلت عامل إرباك مهم له، ومثّلت تمريناً بالحديد والنار لما سوف تكون عليه إثر الاحتلال النازي، ومهّدت الأرض أمام التدخّل العسكري الأميركي البريطاني - الفرنسي انطلاقاً من الجنوب الإيطالي الذي كان يقع ضمن ما يسمّيه رئيس الوزراء البريطاني (ونستون تشرشل) «البطن الرخو» للرايخ الألماني.

شكّل عام 1943 منعطفاً حاسماً في تاريخ الحرب على الجبهة الإيطالية. فتدخّل الحلفاء في الجنوب والزحف نحو روما والشمال قَلَبَ الموازين العسكرية وبخاصة السياسية في البلاد. فالملك عمانوئيل يقيل موسوليني ويعيّن بديلاً له المارشال بيترو بادوغليو رئيساً للوزراء. وتوّقع الحكومة الجديدة اتفاقية هدنة مع الحلفاء في 8 أيلول. ويبادر موسوليني إلى تشكيل حكومة موازية وصفت بـ«الهزيلة»، تعمل تحت سلطة ما سمّي بـ«الجمهورية الاجتماعية الإيطالية»، أي أن رئيس الوزراء المخلوع ردّ بخلع الملك والنظام الملكي.

في اليوم التالي لتوقيع الهدنة، أي في التاسع من أيلول، تشكّلت جبهة من القوى المناهضة للفاشية والاحتلال من ستة أحزاب وقوى تمثلت بـ: الحزب الشيوعي الإيطالي، الحزب الاشتراكي البروليتاري الموحّد، الديموقراطية المسيحية، ديموقراطية العمل، حزب العمل والحزب الليبرالي. وقد هدفت هذه الجبهة، بالإضافة لمقاومة الفاشية والاحتلال، إلى سدّ الفراغ بعد انهيار نظام موسوليني، حتى لا تنهار الدولة، ومن أجل منع الديكتاتور من لملمة صفوفه والتقاط أنفاسه بمساعدة من حلفائه الألمان. كما بادرت «لجنة التحرير الوطني» (CLN)، إلى تشكيل لجان فرعية تابعة لها في روما وبقية المناطق، ومن ضمنها لجنة تحرير وطنية تتفرّغ لشمال إيطاليا.

ومن خارج هذه التشكيلة سوف تبرز قوى متفاوتة ومتنوّعة الفعالية. فعلى الصعيد القتالي سوف يبرز حزب «الحركة الشيوعية في إيطاليا» الذي عرف باسم «الراية الحمراء» وهو عرّف نفسه حزباً ثورياً معادياً للستالينية وقد ضمّ أساساً التروتسكيين والفوضويين. وقد وضعوا برنامجاً لهم يقوم على بناء الثورة الاشتراكية بعد النصر على الاحتلال والفاشية. وفي اللجنة كان هناك أيضاً «الملكيون الدستوريون» الذين رفضوا تحالف الفاشية مع الملكية ممثّلة بعمانوئيل الثالث، وكانت هناك قوى عديدة استنهضها زحف الحلفاء من الجنوب؛ ثم كانت الشبكات المشتركة التي شكّلها الأميركيون والبريطانيون مع ناشطين إيطاليين، وتمثّلت وظيفتها الأساسية بالتنسيق مع الجيش الثامن الأميركي والخامس البريطاني، وعمليات الاستخبار.. وإنقاذ طيّاري الحلفاء ممن يسقطون في المواجهات مع الطيران الألماني.

وكما كانت «لجنة التحرير الوطني» متعددة فكرياً وسياسياً، فإن مقاومتها في الميدان كانت متعددة كذلك، فثلاثة من فصائلها لم تمارس العمل المسلح بل كان لها دورٌ مرموق في التعبئة ضد الاحتلال والفاشية، ودور مميز في الإغاثة وإنقاذ الناس من براثن الغستابو الألماني ومن براثن ضائقات الحرب. أما المقاومة المسلحة فقد مارستها الأحزاب اليسارية بجدارة، وكما كان متوقعاً فقد تميّز بها الحزب الشيوعي لأسباب إيديولوجية تعبوية، خصوصاً لأنه تمرّس منذ تأسيسه بالعمل السرّي، واكتسب خبرة واسعة من خلال مقاومته للفاشية قبل الحرب ضد نظام موسوليني. وقد تمكن من الحفاظ على بناه الأساسية رغم قتل وأسر وتشريد بعض رموزه الأساسية. كما أن العديد من كادره كان قد تمرّس على فنون الحرب المتاحة حينها، في صفوف الجمهوريين إبان الحرب الأهلية في إسبانيا.

ووفقاً للمارشال ألبرت كيرلنغ، قائد قوات الاحتلال الألمانية في إيطاليا، فإن عدد المقاومين بالسلاح بلغ 270 ألفاً، وعدد المقاومين الشهداء 45 ألفاً، وعدد من قتل تحت التعذيب 32 ألفاً، أما عدد الجرحى فكان 20 ألفاً. أما عدد القتلى والأسرى (معسكرات الاعتقال) وعدد العسكريين الذين لم يعودوا من معسكرات الإبادة هذه فقد بلغ 57 ألفاً. وبطبيعة الحال، فإن هذه الأرقام ليست كاملة وهي من مصدر عدو. ما يهمّ هو أن الشعب الإيطالي انتصر على عدويه الخارجي والداخلي، فالاحتلال قد رحل، وموسوليني قضى مشنوقاً على يد المقاومة، والنظام الملكي الذي تواطأ مع الفاشية تمّ إلغاؤه شرعياً عام 1946 وأعلنت الجمهورية. ومن المهم التنويه بأن نهاية الحرب في إيطاليا، وإن شهدت تصفيات وعمليات انتقام، فهي أدنى مما عرفته التجربة الفرنسية على سبيل المثال وليس الحصر.

بعد الحرب مرحلة أخرى

في انتخابات نيسان عام 1946 المحلية حصل الحزب الشيوعي على نتائج مهمة وكان في الطليعة في مدن تورينو وجنوى وبولونيا، كما كان في الطليعة بالتحالف مع الاشتراكيين في روما ونابولي. لكن «الديموقراطية المسيحية» هي التي حصدت النتائج الأهم على الصعيد العام. أما في الانتخابات النيابية التي جرت في العام ذاته، والتي ترافقت مع الاستفتاء على الجمهورية، فقد حصل الحزب على 18,7 من الأصوات وعلى 104 مقاعد نيابية من 556 مقعداً، وحصل الحزب الاشتراكي على 20,7% و115 مقعداً، أما الديموقراطية المسيحية فقد حصلت على نسبة 37,2% من الأصوات ونالت 207 مقاعد في البرلمان، أي أن الحزب الشيوعي حلَّ ثالثاً بعد «الديموقراطية المسيحية» و«الاشتراكي». فماذا يعني ذلك؟ إن الخرق الباهر للحزبين في الانتخابات المحلية يؤشر إلى أن شرائح واسعة من الشعب أيضاً تمحض ثقتها للاتجاه اليساري اعترافاً بكفاءة ونزاهة ممثّليه طالما أن الانتخابات لا تمسّ السلطة السياسية. أما في الانتخابات النيابية فقد أعطى الناخبون لليسار وللحزب خصوصاً حجماً متواضعاً نسبياً من الأصوات مقارنة مع دوره الطليعي في المقاومة وتضحياته. وكان على الحزب أن يستخلص أن المرحلة التي تلت الحرب هي مرحلة جديدة تماماً بالنسبة للبيئة المحلية بتوجّهاتها السياسية وحسابات مصالحها ورؤيتها لموقع بلدها في البيئة الإقليمية الدولية. وهي تعطي إشارة واضحة بأن معركة التحرر الوطني والمقاومة ضدّ الاحتلال كانت لها موجباتها وهي قد انتهت. وعلى غرار نظيره الحزب الشيوعي الفرنسي فهم الحزب الايطالي أن زمن مقاومة المحتل يختلف عن التفويض في المرحلة التي تلي؛ وأن للجيوستراتيجيا والوضع الدولي وسياسات القوى العظمى لما بعد الحرب متطلباتها الملزمة، ويقيناً أن شبح مؤتمري يالطا وبوتسدام ما غاب عن الحزب حضوراً ومغزى. ولذلك شارك في الحكومة الائتلافية التي تلت الحرب بقيادة الديموقراطيين المسيحيين، وهي الحكومة التي أقرّت العفو العام وصاغت دستور الجمهورية.

من علائم المرحلة الجديدة، أن تشكّلت حكومة جديدة بدون الشيوعيين، ومن أسباب ذلك رفض الحزب لمشروع مارشال الأميركي، ومن علائمه كذلك انضمام الحزب في أيلول من العام نفسه إلى «الكومنفورم» الشيوعي وهو المنظمة الوريثة للكومنترن الذي مرَّ ذكره، وإن كانت الصيغة تنسيقية وأكثر مرونة.

وبعد إقصاء الحزب عن الحكومة توتّر الجو السياسي والاجتماعي في البلاد وحصل ما يشبه أجواء عصيان وانتفاضة (إضراب عام، واضطرابات وصدامات مسلحة) دامت عدة شهور، وهو أمر لم تقرّره قيادة الحزب، بل سعت إلى نزع فتائله وقد ساعدها الاتحاد السوفياتي على ذلك. وفي مراحل لاحقة عاش الحزب لفترات طويلة في المعارضة لكنه لم يخرج من النظام والدولة، وما سعى إلى تشكيل سلطة موازية. وإذا كان لنا أن نلخّص الأمر بعبارة فنقول إن الحزب كان بإمكانه أن يفجّر حرباً أهلية كارثية له ولبلاده، من دون أن يكون بإمكانه حكم البلاد عنوة، وحده أو بالشراكة مع مَن يشاء، وهو تصرّف بحكمة وموضوعية بعيداً عن المغامرة والانتحار السياسي. فكيف سوف يتصرف اليساريون وتحديداً الشيوعيون اليونانيون في ظروف شبيهة من الاحتلال وبعد الاحتلال؟