يحدث الان
   22:56   
مجلس الأمن الدولي يمدد العقوبات على الحوثيين
   22:43   
وفاة 13 مهاجراً اختناقاً في حاوية بليبيا
   22:30   
الأمم المتحدة: أطراف النزاع في سوريا تتحمل "مسؤولية تاريخية" لتحقيق السلام
   22:15   
العثور على جثث 130 من مقاتلي المعارضة السورية في مقبرتين جماعيتين
   22:13   
توقيف سوري في النبطية الفوقا لضربه ابنته بشكل مبرح
   المزيد   




الأحد 5 شباط 2017 - العدد 5975 - صفحة 1
سياسة «ما بعد الحقيقة»
بول شاوول


«الحقائق» بمصادرها، تشبهها أو تتماهى بها أو تلفظها.

هذا ما عرفه الإنسان في مختلف الحقبات، والظواهر، والوقائع، وكذلك في مختلف الأنظمة والمرجعيات الثقافية والسياسية والاجتماعية. «قل لي من أين تأتي هذه المعلومة أقل لك ما هي»: فنّ الطبائع والأهواء والأوطار والمنازعات والهواجس... والفنون يُدرج في باب الافتراض أحياناً وفي باب التزييف أحياناً أخرى، وكذلك في سياق طبيعة الأنظمة كافة، توتاليتارية، ديموقراطية، ليبرالية، فوضوية، وضمن مختلف الإشكاليات الزمانية والأمكنة والأعراف. لا «حقيقة» واحدة، يعني أن الحقائق كجوهر وواقع، ومنظور ورسالة، «غير موجودة». أنها المسألة «الكبرى»، التي إن اقتصرنا على الحديث عنها في القرن العشرين وحتى اليوم، تبدو من فِتَن التزييف، أو النسبية، أو الذاتية، أو الاختلاق. كيف تختلف «حقيقة» واحدة في أطوار عديدة، أو في ملامسات متناقضة: ما بين النظرة الخصوصية، والعمومية «ما بين الفرد والجماعة». الواحد هو مجموعة حقائق، والحقيقة هي أيضاً مجموع. تبقى الظروف والنوازع، واحتمالات نسب الوعي، أي مستوى العقل النقدي في التمييز بين هذه الحقيقة المصبوبة علينا، وبين تلك المتّصلة بالتصديق، والتمهيد، وأدوات الفهم، والاستفهام، والقناعات، والالتزامات، والانتظارات.

قال كثيرون من العلماء، والسياسيون، إن العام الماضي كان عام «كلمة واحدة» أو عبارة واحدة: «شخصية العام» كانت «كلمة» لا عالماً، ولا فناناً، ولا مبدعاً ولا زعيماً، ولا رئيساً: حل الكلمة المفتاح هي «The Post truth»، أو «سياسة ما بعد الحقيقة»، وحرفياً «ما بعد الحقيقة». وقد أخذ هذا التعبير بعد قضية «البركست» أو خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وما رافق ذلك من معارك سياسية، وثقافية، وكذلك من فُجاءة انتخاب دونالد ترامب، حتى أدرجت هذه الكلمة كتكريس لفحواها في «قاموس أوكسفورد».

في القاموس:تشير هذه العبارة الى «ظاهرة عمّت مجموع الأمم والشعوب المعاصرة، سواء ديموقراطية كانت أم استبدادية. الإشارة هذه ترتبط بالنتائج الميدانية، من انتخابات، واستطلاعات واستفتاءات وردود الناس عليها» فما هي أطوارها، وينابيعها، ومسائلها؟ كأنما فكرتها تتلخص في «أن الشعب عندما يُحس (أو يعي)، أنه متروك من النخب، ووسائط الإعلام الجديدة (المتطورة خصوصاً)، والتي تسمح بالتعبير عن كل شيء، (أي كل شيء مباح فيها)، فيعني أن»الحقيقة«المفترضة تحتل مكان الواقع، أو»يصبح هذا الأخير في المرتبة الثانية«. الواقع في مكان والحقائق المعلنة في مكان آخر. والسؤال الآن كيف فعل هذا الأمر فعله في الناس؟ إنه السؤال المركزي. وماذا نصدّق وماذا لا نصدّق.

فعندما يصرّح الزعيم البريطاني»السيادي«،»الاستقلالي«فراج»إنه يعد الجمهور باسترجاع الـ450 مليون يورو المرسلة أسبوعياً الى ميزانية الاتحاد الأوروبي من الخزينة البريطانية، ويرتكب «كذبة» كبيرة، لا علاقة لها بالواقع. «إنها»حقيقة«شعبويّة بامتياز، ليركّز على أنّ إرسال هذه المبالغ»خطأ ارتكبته الحكومات البريطانية«، فلا خطأ ولا إرسال ولا طلب.

المفاجأة أنّ هذا التصريح لم يفاجئ ولم يصدم»مناصريه«، بمعنى أنّ هذه الأكاذيب كان لها»وظيفة سياسية«تلقّفها الناس من دون أسئلة، أو تمحيص، أو مراجعة. وعندما يتمكّن دونالد ترامب من ادعاء أن شهادة ميلاد باراك أوباما»مزوّرة«، فيهلّل له الناس ثم ينفي ذلك من دون أي إثارة فضيحة»أخلاقية«أو سياسية»، فيعني أنّ هذه الرسالة فعلت فعلها، في أهدافها أي اللعب على أوتار العنصريّة، لتحفر مسالك مهيّأة للكراهية الغرائزية عند قسم كبير من مناصريه. أيهما الصحيح؟ هو تزوير شهادة ميلاد ترامب (الأسود)، (وكذلك مكان ولادته)، أم أن هذه الشهادة واقعية؛ الحقيقة في كلتا الحالين باتت مسألة ثانوية. المهم أن تصريح ترامب أمسى جمهوراً»أبيض«محموماً لأنّ أوباما»أسود«!.

الوقائع الباطلة

من هنا، فما»بعد الحقيقة السياسية«هو اللحظة التي تصبح فيها الوقائع الموضوعية باطلة المفعول والتأثير في تكوين الرأي العام إزاء تحريك الغرائز، أو الأفكار الخاصة، أو الأهداف المعيّنة، هو الأساس.

ولنعد الى ما خبرناه عندنا، وما زلنا نختبره: أعلن بوش الإبن أن صدّام حسين يمتلك أسلحة نووية، ومطلوب منه أن يدمرها لأنها تشكل خطراً على الولايات المتحدة وعلى العالم. صدّق الأميركيون هذه الكذبة، التي استند إليها بوش لغزو العراق، ليكتشف العالم ووسائل الإعلام والسياسيون بعد التحقيقات، أنّ صدّام لا يمتلك لا أسلحة نووية ولا ذرّية...

مع هذا، لم يثر اكتشاف كذبة بوش أي فضيحة على مستوى الناس! وقد ظهرت مؤلفات عدة، وأبحاث، في التسعينات تشير الى أنّ هذه الظاهرة، وأكاذيب أميركا ومنها كتاب المنشق اليوغسلافي ستيف تشيش (1942 - 1996) عن نظام تيتو، في كتاب أثيري بعنوان»انحراف أميركا«الذي يراجع فيه 30 عاماً من أكاذيب الولايات المتحدة منذ فضيحة ووترغيت، على الشعب الذي صدّق أو ظنّ أنّه يصدّق كل ذلك.

ويقول تشيش»إن دخول أميركا في حرب الخليج يرسم عهداً أو عقداً «تراجيدياً بين الحكام والرأي العام ورسالته هي التالية: نعطيكم نصراً مجيداً مجلجلاً، يُعيد إليكم، تقديركم لأنفسكم، وافتخاركم الذاتي، لكن أعطونا الحقيقة فكأنما تجب المفاضلة بين تقدير الذات والحقيقة».

من هنا إن تشيش ومنذ التسعينات يصوغ بوعي وإمعان العلاقة الجديدة بالحقيقة. «كل الدكتاتوريين، وحتى يومنا هذا عملوا على حذف الحقيقة. لأنهم يرون أنها لم تعد ضرورية». نحن عندنا آلية سحرية (روحية) تستطيع تجريد الحقيقة من كل أهمية أو أثر، ونحن بوصفنا شعباً حراً مستقلاً، قررنا أن نعيش في عالم «ما بعد الحقيقة»... ويعني ذلك رسالة الى الشعب أنه «مجرد من المرجعيات. واننا نحن الحكام المطلقين يمكننا وحدنا تقويم الأمور بطريقة تجعلنا نقدّم المصلحة على الفضيلة، ونطبّق هذه المفاهيم على كل جوانب الحياة».

لكن ومن هذا المنظور لا يمكن «التمييز بين سياسة ما بعد الحقيقة وبين أكاذيب الأنظمة التوتاليتارية التي تفرضها على شعبها وكل العالم. كأنه صفقة (من طرف واحد) أو اتفاق، بين الشعب وحكامه.»عقد«اللامبالاة بالحقيقة، وإهمالها، واحتقارها».

ما قبل الحقيقة وما بعدها ليسا من شأن الناس الذين يُفترض أنهم انتخبونا أو محضونا ثقتهم. بل هو من شأن الطغاة، أو الحكام، يفرضون ذلك، إما بالأكاذيب أو بالقمع، أو التهديد، أو الاغتيال أو السجن أو النفي.

هذا ما علّمتنا إيّاه الأنظمة التوتاليتارية: إما الحزب يمتلك وحده الحقيقة، وإمّا «الأخ الأكبر»، أو «القائد الخالد»، (هنا نتذكر كتاب جورج أورويل 1984). هذا ما فعله هتلر ولسان حاله غوبلز عبّر عنه وزير إعلامه. «اكذب اكذب فلا بدّ أن يبقى شيء من الكذب». وهذا ما عرّفنا عنه ستالين، وأجهزته المخابراتية، وأفكاره. «الزعيم دائماً على حق» وهذه الحقيقة يجب أن يبتلعها الناس، بلا شك ولا سؤال، ولا تحفّظ. وإلا «كا.ج.ب» جاهز، وعيونه في كل مكان، وآذانه وراء كل جدار. فمن النظام الأميركي «الديموقراطي» الى الأنظمة التوتاليتارية الحقيقة مرجعيتها واحدة. فعندنا في أميركا في الثلاثينيات مدير التحقيقات الفدرالية هوفر الذي تأثر عميقاً بممارسات الأنظمة الاستبدادية، وسجن العديد من المفكرين والكتّاب والفنانين أو حملَهم على الهروب كشارلي شابلن أو أورسون ويلز الى المنافي... لاتّهامهم بالشيوعية، ضمن عصر سمّي «المكارثية». (اليوم يعتبرون هوفر عاراً على أميركا«!

ونحن؟

ونريد هنا أن نعود الى تجذر هذه الظاهرة»ما بعد الحقيقة«عند بعض أحزابنا وأنظمتنا. ففي النظام السوري المذهبي والعائلي، مرجع وتأكيد دامغان: عندما قتل النظام محمود الزعبي، ومن ثمَّ غازي كنعان ادعى أنهما»انتحرا«.

أكثر: احتفل النظام بانتصاره في الجولان في حرب تشرين والجولان ما زال محتلاً من إسرائيل، وكل عام يذكر النظام شعبه بانتصاره وتحرير هذه الهضبة السورية.

واحتفالاً بالمناسبة المجيدة أنشا جريدة»تشرين«! تأملوا أنه يحتفل بتحرير الجولان ولما يزل محتلاً! والناس أمام اختيارين: إما المشاركة في هذا الكرنفال الاحتفالي والتهليل للقائد الخالد»من الأبد الى الأبد«، وإما السجن أو القتل». صدقوا فقط، وارموا الواقع وراءكم. فالحقيقة تأتيكم منا! واليوم بالذات يصرح وليد حافظ الأسد بشار «بأنه سيحرر سوريا شبراً شبراً» يهلل له مناصروه، وهم يعلمون أنه غير قادر على تحرير شيء، من دون الروس والإيرانيين. (يريد تحرير كل سوريا ما عدا الجولان)!

الإعلام الفارسي

ولنأخذ الإعلام الفارسي «نريد محاربة الإرهابيين والتكفيريين»، وكثير يعرف أنه مصدر الإرهاب في العالم. أكثر: يواجه التكفيرية والتكفيريين، والخميني أول من قام بتكفير حلفائه من «مجاهدي خلق»، وحزب «تودة»، وأول من كفر كاتباً وأهدر دمه هو الهندي - البريطاني سلمان رشدي. الناس يهللّون لهذه التصريحات الذرائعية أو يتظاهرون بتصديقها، لأن النظام بالمرصاد، والتهم والمشانق تنتظر كل من يشكك بأقوال الوليّ الفقيه «المُنزلة».

أي أن كل من يعبّر عن الواقع «قد يتهم بالإرهاب أو بالخيانة». يرسلون الميليشيات والأسلحة الى الانقلابيين الحوثيين في اليمن، ويصرحون بالأفواه الملأى «بأنهم لا يتدخلون في اليمن»... فالإعلام والسجون والعملاء تكرّس «حقائقهم» على حساب الواقع والملموس والمنظور. «إنهم روّاد ما بعد الحقيقة».

... واغتيال الحريري

ولنأخذ قضية أخرى ما زالت قيد البحث هي اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري: فماذا فعل الإعلام الحليف لـ8 آذار ولحزب إيران في لبنان لتضليل التحقيق، وتحويل الأنظار عن اتهامه: في البداية اتهموا أبو عدس، ثم الحجاج الأستراليين، ثمّ إسرائيل. الى درجة تحديد أن الطيران الإسرائيلي هو الذي قصف موكب الرئيس الحريري. ثمّ اتهموا أميركا!

كل هذه الاتهامات المتنوعة التي صدرت عن حلفاء النظام السوري وإيران، مرت عند جمهور هؤلاء مرور الكرام: فقد صدقوا أن أبو عدس، في البداية قد ارتكب الجريمة... ثمّ لم يسائلوا هؤلاء؛ إذا كان هذا الأخير هو المتهم، فماذا عن إسرائيل. وإذا كانت هذه الأخيرة هي المتهمة، فماذا عن الحجاج الأستراليين«.

وعندما استنفدوا ما في جعبهم من ذرائع صرخوا»المحكمة الدولية إسرائيلية«! أما لماذا وكيف، فهذا ليس من شأن الناس، بل من شأن»مروّجي«»الحقيقة«.

ذلك أن الحقيقة، باتت وراء هؤلاء، وكذلك الواقع والوقائع... صار الناس في خانة»ما بعد الحقيقة«!

وحتى اليوم عنما تناقش هذه القضية، يدافع هؤلاء»المناصرون عن المتهمين الأربعة بقتل الحريري، ليقولوا «إنها إسرائيل» ولماذا إسرائيل، لأنها تريد من وراء قتل الحريري إثارة «فتنة»؛ ولماذا تقتصر إثارة الفتنة على شهداء 14 آذار، وليس على إحدى شخصيات 8 آذار!... عندها يعود النقاش الى نقطة الصفر!

عندما أُمر حزب الله بالمشاركة في الحرب السورية بين الثوار والنظام، صرّح السيد حسن نصرالله بأنه مضى الى هناك «للدفاع عن مقام السيدة زينب» (لاستثارة الحس المذهبي)، ثم قال «للدفاع عن لبنانيي القرى الموجودة داخل سوريا»، ثم قال «لإنقاذ نظام بشار الأسد» ثم قال «دفاعاً عن لبنان» ليستقرّ أخيراً على محاربة الإرهاب. في كلّ هذه التغيّرات في المواقف كان على الجمهور أن يصدّق «مرجعيّة» إيران وحزبها الذي يمتلك الأسلحة التي يتفوق بها على الدولة، ويمتلك حرية الاغتيال، وإشعال حرب أهلية، وكذلك قمع بيئته، على الرغم من تسبّبه بمقتل نحو 2000 شيعي لبناني فداءً لإيران. بعض الجمهور صدّق. وبعضه الآخر لم يصدّق. الذين لم يصدّقوا مهدّدون. والذين «صدّقوا» ها هم يحتلون الشاشات والمنابر الصحافية للدفاع عن عبودية الحزب لإيران.

يعني كل ذلك، أن ظاهرة ما بعد الحقيقة موجودة قبل هذا المصطلح الذي أدخل الـ«قاموس اكسفورد»: وملخّصه أنّ هناك مرجعيّة واحدة تملي الحقائق، أما الناس، فعليهم أن يوقعوا «عقداً» معهم؛ اختاروا بين الواقع و«الحقيقة»... إذا اخترتم «الأول»، فيعني القتل أو التهم الجاهزة، أو القمع، وإذا اخترتم الثانية فلكم الأمان، والسلامة... شرط أن تتخذوا جانب اللامبالاة... واللاتفكير،.... وخصوصاً النقد! أوليس هذا ما نعانيه في لبنان... منذ نصف قرن؟!

مصطلح «ما بعد الحقيقة» جديد لكن الواقع موجود من مئات السنين!