الجمعة 3 أيلول 2010

ص5ص4ص3ص2

لبنان الأزل بين الجدّ والهزل ـ3



لبنان الأزل بين الجدّ والهزل ـ3

المستقبل - الاثنين 17 تشرين الثاني 2003 - العدد 1454 - شؤون لبنانية - صفحة 5


كتاب لجورج الراسي

ستون عاماً هو عمر هذه الوثائق.
وستون عاماً هو عمر استقلال الوطن.
إنها لعبة البحث عن العلامات الفارقة.. بعد ستين عاماً.
ماذا تبدل في الصورة وماذا لم يتبدل، أو على الأصح: هل تبدل شيء؟
ابحث عن الفوارق بين الصورتين.
فالوثيقة كالصورة الفوتوغرافية. تثبت الزمن.
تثبته بلا حراك في لحظة من اللحظات.
فعندما تعود الى صورته بعد ستين عاماً يمكنك أن تتبين ما الذي تغير، إن كان شيء ما قد تغير، وما الذي بقي بلا حراك.
هذه الوثائق كتبتها الإدارة الفرنسية ـ أو كتبت لها ـ عندما كانت فرنسا هي الدولة المنتدبة على لبنان. وهي جزء يسير جداً من عشرات آلاف الصفحات، ومئات العلب والكراتين التي تفترش أروقة ودهاليز ومصنفات الخارجية الفرنسية، والتي تتناول أوضاع هذا الشرق المعقد، وهو على عتبة حصول دولتين من دوله ـ سوريا ولبنان ـ على استقلالهما.
هذه الوثائق إذن هي غيض من فيض.
لا أقول إنها أفضل ما هو موجود. ولا أقول بأنها منتقاة بأفضل طريقة ممكنة. أقول فقط إن اختياري وقع عليها ـ ربما بطريق الصدفة ـ لأنها تعكس واقعاً ما زال مستمراً في كثير من جوانبه.. منذ ستين عاماً.
إنها أيضا لعبة المرايا المتجاورة، والمتقابلة، التي يبدو للواقف أمامها أنها تكرر الصورة الى ما لا نهاية..
هذه الوثائق إذن أرادت أن تعكس واقعاً حسب رؤية من كتبها، وحتى يستفيد منها، في سياسته وقراراته، من كُتبت له.
بهذا المعنى فهي صادقة، أو أرادت أن تكون كذلك.


في نشأة بعض الأحزاب اللبنانية
حزب "الكتائب اللبنانية"
ـ من الملف رقم 41
ـ الصفحة 84
ـ 1943
يرجع تاريخ تأسيس "الكتائب اللبنانية" الى عام 1936 حين برز ـ على غرار ما جرى في سوريا ـ تيار قوي في أوساط الرأي العام يدعو الى عقد معاهدة تحدد العلاقات ما بين لبنان وفرنسا.
وقد رأى بعض الشبان الواعين لواجباتهم تجاه الأمة ـ أمثال السادة شارل حلو وجورج نقاش وبيار الجميّل وجوزف شادر والمحامي شلهوب واندريه يارد والدكتور توتونجي... ـ ان لا يتركوا أمر تحديد مستقبل البلاد الى أهل السياسة وحدهم.
فتكوّنت لجنة مركزية جمعت حولها شبيبة متحمسة ومُستقلة بشكل عام.
حصلت "الكتائب اللبنانية" على الاعتراف الشرعي بها عام 1936. وعقدت اجتماعها الأول بتاريخ 21 تشرين الثاني (نوفمبر) 1936 في ضاحية بيروت. واختتم ذلك النهار بمسيرة اعتبرت أول تظاهرة لها في الشارع.
السنة الأولى من الوجود تميّزت بالبلبلة والغموض. فقد كانت المسيرات بالزيّ الخاص تتوالى مع الرحلات، بينما كان قادة الحركة يبحثون عن طريقهم في اجتماعات عقيمة.
كان السيد بيار الجميّل هو الذي حدد قدر المجموعة. فعل ذلك مطلع صيف العام 1937 بأسلوب سلطوي بمناسبة عودة إميل اده من فرنسا، إذ رأى أن لا تشارك الكتائب في الاستقبال الرسمي الذي أجري لرئيس الدولة، وكسب تأييد رفاقه له في هذا الموقف.
لقد وجد الكتائبيون فيه طريقهم وزعيمهم. وأصبح بيار الجميّل، الشاب الرياضي الفارع، المحبوب والمعروف من طرف الشبيبة، صاحب المشاعر اللبنانية الخالصة، هو "الرئيس الأعلى".
وتمّ تثبيت هذا المنصب بعد ذلك بتعديل أجري على النظام الداخلي للمجموعة بتاريخ الأول من تموز (يوليو) 1938.
وبمقتضى التعديل الأخير للنظام الداخلي، أصبحت الكتائب اللبنانية تنظيماً "للشبيبة الوطنية" هدفها الأساسي "وطني" lanoitaN وهي تسعى الى تكوين أمة لبنانية ـ esianabiL noitaN enU ـ تعي واجباتها وحقوقها ضمن إطار دولة مستقلة وذات سيادة، متحالفة مع فرنسا وصديقة لها.
ومن أجل تحقيق هدفهم الوطني بشكل أفضل، يعمل الكتائبيون على تطوير الاقتصاد اللبناني وتحسين الوضع الاجتماعي للطبقات الشعبية، وتسعى الكتائب الى غرس حب الرياضة وممارستها في نفوس الشباب.
وتقضي المادة الرابعة من النظام الداخلي بأن الكتائب تشكل "مؤسسة وطنية لبنانية خالصة، لا تحمل أي طابع طائفي أو فئوي". وقد جاء فيها:
ـ الكتائب لا تعمل لمصلحة ذاتية.
ـ الكتائب منتشرة على امتداد مناطق لبنانية، وتوجّه نداءها الى اللبنانيين كافة، داخل الوطن وخارجه.
ـ الكتائب تنظر بازدراء الى كل سياسة فئوية، وكل سياسة مبنية على النزاعات الشخصية والصراعات المحلية.
ـ تعمل الكتائب من أجل ديموقراطية منظّمة ومنضبطة... ومن أجل استمرارية التقاليد اللبنانية الطيّبة ومن أجل مبدأ التقدم في بقية المجالات، وهو تقدم لا بد من تحقيقه بواسطة إصلاحات ينبغي تطبيقها بجرأة.
ـ المادة الخامسة:
شعار الكتائب اللبنانية هو: "الله، الوطن، العائلة".
ـ المادة العاشرة:
يقود الكتائب اللبنانية ويديرها رئيس أعلى يمثلها في المناسبات كافة.
أول رئيس أعلى للكتائب هو السيد بيار الجميّل الذي يستمر في مهامه لمدة خمسة أعوام، ابتداء من تاريخ إقرار هذا النظام في الأول من شهر تموز ـ يوليو 1938. أما الذين سيخلفونه في هذا المنصب فسوف يتولّون هذه المهام لمدة ثلاثة أعوام فقط.
قبل شهر من انتهاء ولاية الرئيس الأعلى يُصار الى عقد جمعية في بيروت من أجل انتخاب خلفه. وتكون هذه الجمعية مؤلفة من أعضاء يجري تعيينهم بمقتضى النظام العام...
ويمكن إعادة انتخاب الرئيس الأعلى بلا حدود.
أهداف الكتائب هي أهداف لبنانية أساساً: محاضرات ومحاورات ودروس تُعطى في بيروت وفي المناطق من أجل إيقاظ الحس الوطني، وتطوير الشعور "اللبناني" emsinabiL، وفرض احترام النشيد الوطني والعلم اللبناني، والتعريف بلبنان بشكل أفضل.
"ان العَلَم اللبناني الوحيد يجب أن يكون العلم الذي اعتمدته الكتائب: أبيض وفي وسطه أرزة. وهو العلم الذي كان يفترض اعتماده للبنان الصغير القديم".
لقد قام السيد بيار الجميّل بتحديد هذه الأهداف في مطلع العام 1941 أمام حضور مُكوّن من المسلمين أساساً. فقد أعاد الى الأذهان بأن جماعته تستمد قوتها من تقاليدها العريقة، وبأن اللبنانيين عاشوا قروناً فوق صخورهم مستقلين وأحراراً، وبأن الوحدة العربية تعني عاجلاً أم آجلاً فناء لبنان. وأضاف أنه إذا كان اللبنانيون يُحسنون على الدوام استضافة جيرانهم القادمين للاستراحة في الجبل، فإن الاستقلال الذي حافظ عليه أجدادهم بضراوة هو مثلهم الأعلى.
وصرح السيد بيار الجميّل خلال الاجتماع ذاته، في إجابة له على سؤال طرحه محاوروه من المسلمين، بما يلي:
"لقد كانت فرنسا منذ قرون صديقة بلادنا، ليس هنالك من سبب يدعونا للتخلي عن هذه الصداقة. واذا كانت قد خذلتنا مدة عشرين عاماً، ولم تحقق أياً من طموحاتنا، لا بل أهملتنا أحياناً، وإذا كان بعض الفرنسيين قد خدعونا، فنحن لا نكنّ حقداً على فرنسا، ونستمر باعتبارها صديقة لنا كما فعل أجدادنا".
وشدّد السيد بيار الجميّل على وجود لغتين رسميّتين في لبنان هما: العربية والفرنسية، وعلى أن معظم عناصر الكتائب يتمتّعون بثقافة فرنسية، وانه أسهل عليهم في معظم الأحيان أن يعبّروا عن أنفسهم بالفرنسية من أن يعبّروا عن أنفسهم بالفرنسية من أن يعبّروا عنها بالعربية، وسوف يستمرون باستخدام الفرنسية كما العربية سواء بسواء.
على الصعيد الاقتصادي، قامت الكتائب بحملة من أجل استخدام وتطوير ثروات البلاد:
إعادة التشجير لجعل لبنان "روضة الشرق"، إيجاد منتجعات للاصطياف، خلق صناعات.
وقد جرى جمع التبرعات من أجل النهوض بالصناعات الحرفية اللبنانية، ورُفعت احتجاجات ضد تدمير أحواض الملح العائلية. وقام الكتائبيون بتنظيم بيع بعض المنتجات بطريقة مباشرة وبأسعار الكلفة، كالثلج مثلاً. ودانوا تجاوزات الشركات صاحبة الامتيازات سواء أكانت لبنانية أم لا.
على الصعيد السياسي برهن الكتائبيون بالإفعال عن ازدرائهم تجاه الصراعات الفئوية والنزاعات الشخصية. ومن أجل تجنّب أي خلط بين الروح الكتائبية وبين الطائفية والعقليات الحزبية، فُرض على كافة "المكلّفين بمهام" أن يتخلّوا عن أي نشاط آخر، بما في ذلك العمل الكاثوليكي.
ولا يُسمح بتشكيل فرع إلا إذا لوحظ أن التجمع الجديد يمثل فعلاً الروح اللبنانية لا ذهنية عشائرية.
ولا تمانع الكتائب بإجراء اتصالات مع الأحزاب ورجال السياسة، لكنها لا تُقدِم على مثل هذه الخطوة إلا بقدر ما تكون مبادئها الأساسية هي القاعدة في إجراء مثل تلك العلاقات.
باختصار، سعت الكتائب إلى الارتفاع بمستوى الأخلاق السائدة، وتلقين الجماهير حسّ المصلحة العامة.
لقد تم حل الكتائب بموجب مرسوم لبناني يحمل الرقم 1474/إي.د D.E يحمل تاريخ 17 تشرين الثاني ـ نوفمبر 1937. وهو المرسوم الذي وضع حداً في آن معاً لنشاط "القمصان البيض"، تنظيم السيد توفيق عوّاد، ولحزب النجادة "ولكافة التنظيمات المشابهة".
لقد أرادت الكتائب ان تحتفل بالذكرى الأولى لقيامها بتنظيم مسيرة. لكن الحكومة خشيت ان يرد النجادة بتنظيم مسيرة مماثلة.
وهكذا فإن الحكومة ـ على حد قول أحد الكتائبيين ـ "برفضها اتخاذ موقف ساوت بين اللبنانيين وبين أعدائهم".
"منذ ذلك الوقت ـ يضيف كتائبي آخر ـ تعاقبت التحذيرات بالحل، مع الاعترافات التي تتجاوز مجرد إغماض العينين".
إن جريدة "العمل" noitcAL تواصل المحافظة على الاجتهاد الكتائبي، وغالباً ما يستدعي الحكام الحاليون السيد بيار الجميل للتشاور معه بصفته "الرئيس الأعلى"، سواء كان الأمر يتعلق بتهدئة الخواطر أو بتشكيل حكومة.
ومنذ بداية الحرب، أمتنع الكتائبيون عن أية تظاهرات صاخبة، ويزعم أعداؤهم ان الشكوك التي أثارها تنظيمهم الذي يشبه في بعض نواحيه التنظيمات الفاشية، كانت هي بداية تعقلهم، فقد ابتعدت الكتائب بعناية عن أي انجرار في ميدان السياسة. وكان همّها الوحيد خير الشعب والمحافظة على لبنان. فمن أجل خير الشعب، ولأن التموين لم يكن مؤمناً بالشكل المطلوب، ساهم تحرك الكتائب في إسقاط حكومة الداعوق (في تموز ـ يوليو 1942)، وباسم المحافظة على لبنان، ومن أجل تذكير سامي بك الصلح بضرورة احترام الكيان السياسي الذي اسمه لبنان، نبّه السيد بيار الجميل انه "هو شخصياً وجماعته مستعدون لأسوأ الاحتمالات"، إذا لم يوضع حد للنشاط العروبي لحكومة الصلح.
لقد دُعي الكتائبيون بمقتضى مذكرة تحمل تاريخ 15 تموز (يوليو) 1942 إلى الانصراف للعمل الاجتماعي: ـ التموين، رفع الأجور، توزيع البذور ـ وأن يظلوا على أهبة الاستعداد، مع تذكير المنتسبين بعقيدة التجمع، وبالعمل على تشكيل فروع جديدة.
ان "النزعة اللبنانية" التي لا تقبل المساومة، الشديدة الحساسية، والعدائية لدى الكتائبيين، برزت بوضوح من خلال المشادة التي جرت بين "الرئيس الأعلى" وبين رئيس الحكومة بمناسبة وصول سامي الصلح إلى سدّة السلطة في أيلول (سبتمبر) من عام 1942.
فأمام احتجاجات السيد بيار الجميل الذي شدد على تذكير رئيس الحكومة بأن "الكتائب اللبنانية تأسست وعاشت ـ وما زالت تعيش ـ من أجل الحفاظ على لبنان حر ومستقل"، ردّ سامي بك الصلح بقوله: "ان لبنان ليس سلعة قابلة للاحتكار..".
هذه الملاحظة تختصر بحد ذاتها كل المآخذ التي وجهت للنشاط الكتائبي، والتي لا تصدر كلها عن "لبنانيين سيئين".
لكن للسيد بيار الجميل اتباعه، والفكرة التي يمثلها تظل غالية على قلب الجيل الصاعد.
ففي "رسالة مفتوحة" موجهة إلى السيد بيار الجميل بمناسبة الذكرى السادسة للتجمع الأول، أورد السيد جورج نقاش الشهادة التالية:
"لكن أنت يا بيار، والعشرون ألف شاب الذين يحيطون بك، تعلمون على الأقل شيئاً واحداً، وهو الشيء الوحيد الذي له أهمية في نظركم، ففي العالم الذي يتكوّن، وبأية صيغة يكون تكوّنه، لبنان له مكانه، وهو يحافظ عليه. فبين حركة البحر والسماء، هنالك بضع صخور قديمة لم تتحرك منذ بضعة آلاف من السنين. وستبقى حيث هي. ونبقى نحن كما نحن. المسافرون الأصدقاء نستقبلهم حسب طلعتهم، وحسب استحقاقهم، لكن دون أن نتخلى عن شيء من ذواتنا.. لقد عرفت كيف تبتعد بحركتك عن كل مناسبات الضم، وكيف تغلقها أمام كل محاولات التسلل. فلا المناسبات ولا المحاولات كانت قليلة، ذلك ان شبابك المتألق قد أغرى القردة المسنين كافة، لكنك ضحكت أمام أنوفهم وعبرت.."
لكن "القردة المسنّين" عرفوا على الأقل، بفضل تعابير أرادوها مستلطفة على وجوههم، كيف يكسبون بعض المؤيدين في الأوساط التي لا تمسك بضراوة بالصيغة اللبنانية وتجنبوا هكذا من أن تطرح مسألة لبنان.
فالسيد بيار الجميل وكتائبيوه لم يستطيعوا أو لم يعرفوا كيف يبشّرون بالإيمان إلا في أوساط المؤمنين.
فمنذ الأساس انطوت حركتهم على خيبة أمل، فانتماء بعض الدروز وبعض الشيعة إليها لم يكن كافياً لجعلها "لبنانية".
أما بالنسبة للرد السنّي فإنه لم يتأخر.

الملف 41
الصفحة 94

2 ـ حزب النجادة: بلاد العرب للعرب
يرجع تأسيس "تجمع المرشدين المسلمين" ـ النجادة ـ (أي "المخلّصين" أو "المسعفين") إلى عام 1937، وذلك بدافعين:
ـ الأول هو عدم ترك الساحة خالية أمام حزب الكتائب الذي كان في واقع الأمر تنظيماً مسيحياً.
ـ الثاني هو انصراف "كبرى" المنظمات الكشفية الإسلامية للدعوة العربية.
إن فوضى الأرشيف والحذر الذي يبديه قادة النجادة لم يسمحا إلا بجمع معلومات ناقصة جداً حول هذه الحركة.
يشكّل النجادة حسب ما ينص عليه النظام الداخلي للمجموعة "تنظيماً قومياً هدفه تحرير البلاد من الاستعمار والاستعباد، من الجهل ومن كل تبعية".
كان شعارهم "بلاد العرب للعرب".
هم يدينون كل فكرة تؤدي الى تقسيم البلد سواء كان هذا التقسيم سياسياً أو مناطقياً أو قبلياً أو عائلياً.
لكنهم، لضرورات جغرافية أو ادارية، يقبلون "طوعاً" بنظام فدرالي يحترم خصوصيات كل بلد من البلدان التي تشكل "الأمة العربية الكبيرة".
يرفض النجادة نعتهم بأنهم تنظيم طائفي.
وهم يعترفون بصفة "العربي" للشعوب التي تنطق بالعربية، وحتى لسكان الدول العربية الذين "لا يتعارض أصلهم مع الانتماء للأمة العربية".
وهذه اشارة شفافة. ذلك ان جزءاً من سكان فلسطين يقعون خارج هذه الدائرة.
للنجادة مبادئهم: المصلحة الخاصة تخضع للمصلحة العامة. العرب متساوون في واجباتهم وفي حقوقهم.
ان مثل هذا البرنامج كان من شأنه استمالة المحمديّين. فالحركة تضم أغلبية سنيّة. وقد انتسب اليها البعض في الجزر الشيعية الموزعة بين جبل عامل ومنطقة بعلبك. كما انضم بعض الدروز الى صفوفها.
النجادة يلبسون زياً خاصاً بهم هو تجديد للزيّ الذي كانت تعتمده بعض التنظيمات العراقية. ويضعون ازراراً للدلالة تحمل عبارة "بلاد العرب للعرب". وهم يؤدون تحية شبه عسكرية. وينظّمون استعراضات. ويخضعون لهرمية ادارية. ويستخدمون مفردات عسكرية، وعندهم فروع ورتب و"قائد أعلى". بل انهم قاموا بتمارين من أجل التعبئة.
"قائدهم الأعلى" محام شاب، ثقافته فرنسية، هو السيد جميل مكاوي، سنّي مُتقّد الفكر ولبق، عنده طموح شخصي يحميه من أية مساومات مع السياسيين "الوصوليين".
تعرّض للتهجم عليه مرات عديدة. وكان في كل مرة يرد الصاع صاعين وهو يوحي بثقة يجدّدها له باستمرار مناضلو حزبه الذين منحوه فيما مضى سلطات مُطلقة. وهو يدير الحركة بالتعاون مع "المعتمدين"، وهم رجال ثقة اختارهم بنفسه.
لقد تم تشكل فروع في مناطق التجمعات السكانية حيث تقطن أغلبية اسلامية سنية كانت أم شيعية. ومرة كل شهر يأتي رؤساء الفروع الى بيروت لتلقي الأوامر.
يؤكد السيد جميل مكاوي ان موارد الجمعية تقتصر على الاشتراكات والهبات التي تقدمها شخصيات في البلد تهتم بالحركة. هذه العبارة مطّاطة. وبقبولها ببعض المساعدات فإن الحركة ترهن استقلالها بشكل جزئي ومؤقت.
ومع اندلاع الحرب اتّهم النجادة ­ وقد شمل هذا الاتهام الطائفة الاسلامية برمّتها ­ بأنهم موالون لقضية ألمانيا.
لكن السيد جميل مكاوي يرد هذه التهمة بقوله:
"هذا غلط! الحقيقة اننا لا نحب الأجانب، ولا نتعاون مع دولة اجنبية حتى ولو كانت ألمانيا أو ايطاليا أو فرنسا أو بريطانيا العظمى. ان النجادة يشكلون جمعية قومية عربية "تكره الأجانب".
ان النجادة يُعربون عن انتمائهم للعروبة بحماسة. في استعراضاتهم يرفعون الاعلام السورية والعراقية والسعودية.. ولا يرفعون أبداً العلم اللبناني. وفي أماكن اجتماعاتهم يرتدون قمصاناً عليها صور الشخصيات الأكثر تمثيلاً للفكرة العربية امثال فؤاد الأول، وفاروق الأول، وغازي الأول، وسعد زغلول، والنحاس باشا..
لكن "الأمر الواقع اللبناني" يفرض على النجادة بعض "التخريجات". فقد صرح السيد جميل مكاوي ان "هدف الحركة هو العمل من اجل الوحدة العربية. ولكن لم يكن في نية قادتها أبداً اقصاء لبنان من مشروعهم أو جعله يزول بالابتلاع".
ويكرر مكاوي قوله "ان الأمة العربية التي يتمنى النجادة تحقيقها لها شكل فدرالية حيث يدخل كل بلد عربي ويبقى محتفظاً بطابعه الخاص".
ويُعطي "الرئيس الأعلى" دليلاً على مشاعره الطيبه تجاه لبنان بوجود العديد من الرفاق المسيحيين اللبنانيين في مناصب مهمة في حركة النجادة.
وقد جاء في خطبة للشيخ محيي الدين مكاوي، امام المسجد الكبير في بيروت، ألقاها من على المنبر في شهر نيسان (ابرييل) من عام 1942، ما يلي:
"اذا كان الخلفاء ولم يتجاوز عددهم عشرة، قد استطاعوا خلق أمة من أربعمئة مليون نسمة، فإن نجاحهم هذا يرجع الى ثلاث صفات كانوا يمتلكونها وهي: الطاعة والاخلاص والتضحية. هذه الصفات الثلاث هي التي تمارسها جمعية النجادة"..
ويضيف الشيخ قوله: "بعضكم يزعم ان النجادة معادون للقضية اللبنانية. هذا غلط. النجادة هم أصدقاء لبنان. وطنهم".
لقد عرف النجادة خلال تاريخهم الكثير من المدّ والجزر. فبعد اشهر قليلة من حصولهم على اعتراف السلطات اللبنانية بحقهم في الوجود، صدر المرسوم رقم 1474/إي.د D.E بتاريخ 17 تشرين الثاني (نوفمبر) 1937 الذي قضى بحل الجمعية أسوة بكافة التشكيلات المماثلة.
لكن النجادة مثلها مثل الكتائب لم ترضخ لإرادة الحكومة. بل وصل بها المزاح الى درجة انها تولّت تقديم حرس الشرف لمرافقة رئيس الحكومة أحمد بك الداعوق في أحد أيام الأعياد. وقد ردّ هذا الأخير اللفتة بأن هنّأ السيد جميل مكاوي على اعادة انتخابه بالكلمات التالية: "انني أغتنم هذه الفرصة لكي ارسل لأصدقائي، الشباب العربي اللبناني ما يحمله قلبي تجاههم من عطف وأمل لأنهم نسغ حياة الأمة وعليهم يعتمد مستقبلها".
ان النجادة لا يكترثون الا نسبياً بقرار الحظر الصادر عن الجنرال القائد الأعلى (قرار رقم 12/3 بتاريخ 3 يناير ­ كانون الثاني 1942) الذي ينص على منع: "كل تجمع او تجمهر أو مسيرة من شأنها أن تعرض الأمن العام للخطر.. ومنع حمل الشعارات.. وبشكل عام منع كل المظاهر التي يمكن ان تلحق الضرر بالسلم الأهلي بين المواطنين".
ولأن بعض المعتمَدين حول السيد جميل مكاوي تناسوا هذا كله، فقد أرغموا الصيف الماضي على قضاء عدة أسابيع في المعتقل.
ان النجادة لم يعرفوا كيف يحمون أنفسهم من اغراءات الجماعات السياسية، بقدر ما استطاع ان يفعل ذلك حزب الكتائب. فقد استفادوا من هبات السيد هنري فرعون الذي تربطه صلات وثيقة مع الحزب الدستوري.
لكن الحق يقال ان السيد جميل مكاوي أقام كذلك علاقات مع حزب "الكتلة الوطنية"، كأنما يريد التأكيد على استقلاليته.
ان نشاط الجمعية في الأوساط الاسلامية لا يمكن اهماله. وهو نشاط يُمارس في الوقت الحاضر لمصلحة الجماعة المكوّنة من عائلات الوجهاء أمثال: آل الداعوق، وآل بيهم، وغيرهم ضد آل الصلح.
ان اعادة انتخاب جميل مكاوي مؤخراً كانت بمثابة نكسة قوية لسامي بك الصلح الذي يحاول استدراك الأمر بالعمل مع حسين سجعان على تأسيس حركة منشقّة تحمل اسم "الشبيبة الاسلامية".
النجادة اذن يُشكّلون تنظيماً اسلامياً ذي ميول عربية، في حين ان حزب الكتائب مسيحي ولبناني.
ان الناس الذين لا نزعات عرقية أو طائفية لديهم بحاجة الى مثال أعلى آخر لكي يجتمعوا حوله..

الملف 41
الصفحة 100

3 ـ الحزب الشيوعي: بداية أرمنية
لم يتم اكتشاف وجود حزب شيوعي في لبنان إلا في عام 1923. فالأفكار التي كان يُبشّر بها استوردت للتوّ بواسطة المهاجرين الأرمن من تركيا، ووجدت مكاناً خصباً لإنتشارها في أوساط الأرمن الكثيرين الذين كانوا يعيشون حياة بائسة في ذلك الوقت، على أطراف المدن اللبنانية أو السورية الكبيرة.
فأرمينيا التي بدا عليها انها لا تعاني كثيراً من السيطرة السوفياتية ظلّت الأمل الوحيد لكل الذين لم يتخلوا عن فكرة الانتماء الى وطن.
لقد وجدت الدعاية الشيوعية بعض المتعاطفين معها في الأوساط المسيحية، وخاصة في أوساط المهن الحرة والعمال. بالمقابل فإنها لم تلقَ نجاحاً لدى المسلمين إلا عند بعض العناصر الشابة المأخوذة بالحداثة، فيما بقيت الأوساط الدينية معادية لها تماماً.
ان الذي يرتبط بالأرض لم يغرّه الانجذاب الى دين موسكو. وبقيت المدن والتجمعات العمالية في البقاع: زحلة والمعلّقة ورياق، اخصب الميادين أمام النشاط الشيوعي (1).
بعض الفروع في الجبل لم يكن لها سوى نشاط متقطع.
أوائل اللبنانيين الذين التحقوا علناً بالحزب كانوا علي ناصر الدين، درزي من ضيعة بيماريان nairameB، المحامي يوسف يزبك، فؤاد الشمالي. وقد أسّس هؤلاء الثلاثة جريدة "الانسانية" التي ما لبثت سلطات الانتداب ان أمرت بتعليق صدورها.
وقد لاقت جريدة اخرى هي "المنبر" أسّسها علي ناصر الدين، المصير نفسه.
بين الأرمن الذين انضموا الى الحزب اسمان: ارتين مادويان، وستراك كاشينيان.
كان المقر المركزي للحزب الشيوعي في بيروت. وكان ينشط في البلد بواسطة "الخلايا".
وكان يديره فؤاد الشمالي الذي حمل لقب "الأمين العام".
كان الحزب يتلقى توجيهاته من الحزب الشيوعي الفرنسي وأرسل بعض الشبان الى المدرسة في موسكو.
بدأ التغلغل في الريف عام 1933. وكان دعاة الحزب يلجأون الى أسلوب مناسب تماماً لاغراء الفلاحين، إذ كانوا يحثونهم على عدم دفع الضريبة.
كانت المناشير تُوزّع خاصة في البقاع، وفي زحلة.
كانت الأعلام الشيوعية تُعلّق على أسلاك التلغراف. وقد قام البوليس باعتقال مناضلين اغلبهم من الأرمن. وبين مناصري الحزب، كان الروم الارثوذكس يحتلون المرتبة الثانية، بحكم تعاطفهم القديم مع روسيا.
لقد أقدمت الحكومة اللبنانية على حل لجان مُكلّفة "بمصالح العمال والفلاحين". لكن الشيوعيين كانت لديهم خطة اخرى: طرد المستعمرين، وتحرير البلاد سياسياً واجتماعياً واقتصادياً. وهم في هذه النقطة كانوا يلتقون مع القوميين. وأصبحوا بحكم الحاجة ملحقين "بالعائلات السورية الثلاثين".
في نظرهم، سوريا ولبنان لم يكونا سوى أرض واحدة خاضعة للاستعمار. كانوا يخوضون كفاحهم تحت صرخات: "يعيش الاستقلال المطلق، والوحدة السورية". لكنهم لم يفعلوا ذلك دائماً.
خلال الانتخابات السورية عام 1932، أخذوا على "الكتلة الوطنية" رغبتها في تحقيق الوحدة السورية، وحاربوها بشكل مكشوف.
وقام "الحزب الشيوعي اللبناني" في شهر كانون الأول ـ ديسمبر من عام 1940 بتوزيع منشورات تُدين امبريالية المستعمر الفرنسي، وتدعو الى قيام نظام للمقايضة بين مختلف الدول العربية وإيران والاتحاد السوفياتي.
ان يوم 22 حزيران ـ يونيو 1941 هو يوم مشهود في تاريخ الشيوعية في المشرق.
فما ان وصل خبر العدوان الألماني ضد الاتحاد السوفياتي حتى بدأ الحزب الشيوعي المحلي نضاله ضد الفاشية، ووقف الى جانب الديموقراطيات، وتوقف عن التعريض بدور فرنسا، وهذا الخط كان يغذي حملاته الدعائية طيلة ما يقرب من عشرين عاماً.
ان "صوت الشعب" لسان حال الحزب، جريدة تصدر بانتظام في بيروت. والسلطات تغض الطرف عن اجتماعات المناضلين.
وقد جاء على لسان خالد بكداش في أول أيار ـ 1942 ما يلي: "اننا نلاحظ بسعادة ان جماهير متزايدة من العمال والفلاحين والطلاب والمثقفين تلتف حول هذه السياسة.. ان سياستنا في الأساس عربية ووطنية لذلك نقف الى جانب الشعوب الحرة، وننظر باحترام وإعجاب الى كافة الذين يناضلون ضد الهتلرية. ولهذا السبب ايضاً ننحني مع مشاعر الإعجاب الشديد أمام وطنية العمال والفلاحين الفرنسيين الذين وجه اليهم الجنرال ديغول نداء خاصاً بمناسبة أول أيار، ووصفهم بأنهم طليعة النضال الباسل ضد النير الهتلري".
وفي 3 أيار ـ مايو في طرابلس، جرى التصفيق لفرج الله الحلو عندما كان يشيد "بالقوات الفرنسية الحرة، وبالجيش البريطاني وحلفائه، وبالجنرال كاترو، وبكل الذين يكافحون ضد الفاشية والهتلرية".
"ان الحزب الشيوعي يقف الى جانب السلطات عندما تعي مصلحة الشعب. وهو يساعدها لكسب معركة القمح ضد عصابة المحتكرين الذين يجوّعون الشعب، وهذا الاقطاع الذي يعرقل عمل مكتب الحبوب".
لكن فرج الله الحلو يحذّر المناضلين من "العناصر المشاغبة التي تسعى الى إعطاء حركة الإضراب هدفاً آخر غير هدفها الحقيقي الذي هو الحصول على الخبز بسعر جيد، ومن نوعية جيدة".
هكذا يقف الحزب ضد الجماعات التي تسعى الى القيام بعملية سياسية كالحزب الدستوري، والنجادة، وجمعية التجار.
بعد ذلك بأسابيع قليلة أعلن فرج الله الحلو خلال اجتماع أقيم لتخليد ذكرى سقوط الباستيل: "ان على الحكومة ان تلجأ الى استخدام القوة لكي توزّع على الفقراء الخبز الذي هو من حقهم. الرأي العام يدعمها بالإجماع، مهما تكن عواقب الإجراءات المتخذة.
"ان الضريبة على أرباح الحرب يجب تحصيلها بالقوة حتى يمكن خفض سعر الخبر الموزّع على الفقراء، وزيادة الحصة الشهرية التي يحصلون عليها".
ربما تكون هذه هي المرة الأولى في تاريخ لبنان التي يقوم فيها حزب بالهجوم على قوى الأنانية التي ظلّت حتى ذلك الوقت تتحكّم بالبلاد.
وهو يقوم بذلك بتجرّد يفرض نفسه على الرأي العام، ويجعله يكسب العطف في أوساط لا تحمل الدعوة الشيوعية في قلبها.
ان تجمّعات قد ظهرت تُبدي تعاطفها مع نشاط الحزب الشيوعي كفروع الرابطة المعادية للفاشية، وجمعية أصدقاء اتحاد الجمهوريات السوفياتية.
وهنالك مثقفون كثيرون ينتمون اليها من مسيحيين ومسلمين.
ان خالد بكداش يستشهد بالانجيل والقرآن. ان الأرمن والعرب يجمعهم إيمان واحد كما انهم يخوضون نضالاً واحداً. لقد وقّع ارتين مادويان على وثيقة التحالف: "ان الأرمن أعلنوا انتماءهم الى الشعب العربي. إذا جاع الشعب العربي شعر الأرمن بالجوع معه، ان حرية العرب هي ايضاً حرية الأرمن الذين لا يمكن أبداً ان ينسوا الضيافة التي استقبلوا بها عند وصولهم الى هذا البلد".
ان قوة جديدة تظهر في لبنان، تلك التي يحركها العمل الشيوعي، ان من شأنها ان تعكّر بعمق، وفي وقت قريب، لعبة الأحزاب التقليدية..
من أجل هذا على الأقل، كان لا بد من التوقف عندها...
(يتبع)

ارسل هذا المقال الى صديق اطبع هذا المقال



 



 

 
الصفحة الأولى | شؤون لبنانية | تحقيقات و مناطق | بيئة | مخافر و محاكم | بزنس | المستقبل الإقتصادي | شؤون عربية و دولية | رأي و فكر | ثقافة و فنون | رياضة | الصفحة الأخيرة
ملحق المصارف ... | رياضة | بزنس | شباب | أهْوَاء | ارشيف و بحث | نوافذ | PDF A4 Version | PDF Full Version
 contactus@almustaqbal.com.lb : اتصل بنا
الشركة العربية المتحدة للصحافة - جريدة المستقبل - © جميع الحقوق محفوظة 2005