الجمعة 3 أيلول 2010

ص10ص9ص8
ص7ص6ص5ص4ص3ص2

حداد والعزي وسنو وحلاق وغليون وكشلي في اليوم الأول من جلسات مؤتمر "أي عروبة تصح في القرن الواحد والعشرين؟"

عروبة لبنان الحقيقية تنبع من وحدته واستقلاله واحترام خصوصيته وتعدديته



حداد والعزي وسنو وحلاق وغليون وكشلي في اليوم الأول من جلسات مؤتمر "أي عروبة تصح في القرن الواحد والعشرين؟"

عروبة لبنان الحقيقية تنبع من وحدته واستقلاله واحترام خصوصيته وتعدديته

المستقبل - الجمعة 27 شباط 2009 - العدد 3232 - شؤون لبنانية - صفحة 7


فيديل سبيتي

أسئلة كثيرة طرحت في جلستي الحوار في اليوم الاول من لقاءات مؤتمر "أي عروبة تصح في القرن الواحد والعشرين" في فندق البريستول الذي دعا اليه "تيار المستقبل". والاسئلة الكثيرة والمتعددة تأتي من تعقيد القضية التي تدور عليها أي العروبة سواء كان يتم تناولها من الناحية التاريخية او من الناحية السياسية البحتة او بمفهومها الفكري. والنواحي الثلاث المذكورة قد يتم تناولها كل على حدة، ولكنها بالفعل مرتبطة ببعضها ارتباطا وثيقا. فالتاريخ والسياسة حالة واحدة في ما يخص العروبة كفكرة، ولم تكن فكرة العروبة يوما الا ذات تأثيرات سياسية على حياة الشعوب العربية، سواء كان ذلك قبل نشوء وقيام الدول او بعده، وسواء كان يتعلق بطلب الوحدة الجغرافية بين الدول او الوحدة الثقافية والاقتصادية فقط، وسواء كان ذلك قبل تحول فكرة العروبة الى أيديولوجيا تحملها أحزاب سياسية وتقاتل من أجلها بل وتسعى الى تحقيقها بالعنف او بعده.
في الجلستين الحواريتين تم تناول العروبة من زوايا مختلفة منها التاريخي ومنها الفكري ومنها السياسي، وقد طرحت تساؤلات كثيرة حول جدوى العمل على إعادة الحياة الى فكرة العروبة. الدكتورمحمود حداد إعتبر أن الهوية العربية أو الوعي بها لم يخب سواء من الناحية الثقافية أو العرقية. والدكتورغسان العزي رأى أن الاوروبيين يحلمون الحلم نفسه (الوحدة) بلغات مختلفة كما نحن نعيش الكابوس نفسه بلغة واحدة في طول الامة العربية وعرضها: كابوس الدولة المنقوصة والديمقراطية المفقودة. الدكتور عبد الرؤوف سنو تمنى لو تعي الشعوب العربية أهمية الوحدة والتلاقي لعالم عربي متخلّف ومنقسم على نفسه، ما عرف مذاق الديمقراطية والحرية، كبلته أنظمته في سجن كبير. ورأى الدكتور برهان غليون أنه يمكن إعادة بناء العروبة لتتحول إلى فكرة حية وملهمة، تساعد العرب جماعة وأفرادا على تجاوز حالة الانحطاط الأخلاقي والسياسي والفكري التي يعيشونها اليوم. الاستاذ محمد كشلي عرض تجربته مع النضال العروبي في سنوات الستينات، واعتبر ان الرئيس رفيق الحريري دفع حياته ثمنا لتطبيقه المضمون الحقيقي لاتفاقية الطائف من خلال بناء وإعمار لبنان من جديد وترسيخ السلم الأهلي والعيش المشترك وتحقيق الوحدة الوطنية للوصول الى استقلالية القرار الوطني اللبناني وتحرره من التدخل السوري في شؤونه الداخلية.
بدأت الجلسة الاولى عند الساعة العاشرة والنصف صباحا وامتدت حتى الواحدة وقد أدارها الاستاذ بشار شبارو، وتناوب على الكلام فيها الدكتور محمود حداد بمداخلة بعنوان "قراءة جديدة في تاريخ الهوية ومعضلات القومية"، والدكتور غسان العزي بمداخلة بعنوان: "الهوية القومية والدولة الامة في المفهوم الفرنسي"، والدكتور عبد الرؤوف سنو بمداخلة بعنوان: "القومية الالمانية وتجلياتها الوحدوية والامبريالية". وبعد استراحة الغداء بدأت الجلسة الثانية التي أدارها النائب روبير غانم، وقد تناوب على الكلام فيها الدكتور حسان حلاق بمداخلة بعنوان " العروبة من الحكم العثماني الى عصر النهضة"، والمفكر برهان غليون والاستاذ محمد كشلي بمداخلة بعنوان" العلاقات العربية - العربية (التجربة اللبنانية)".
البداية كانت مع الدكتور محمود حداد الذي اعتبر أن الاتهامات التي وُجهت الى العروبة في العقود القليلة الماضية كثيرة فقد رُذلت وسفهت وقام أكثر من مثقف برثائها ونعيها وأسهم بذلك أكثر من تيار فكري وسياسي على الأصعدة المحلية والإقليمية والدولية. هذا بالإضافة إلى كون العروبة قد أنهكت بسبب المعارك المتكاثرة التي جرى بغير حق اعتبار أنها مسؤولة عنها.
والواقع أن الهوية العربية أو الوعي بها لم يخب سواء من الناحية الثقافية أو العرقية منذ ما قبل ظهور الإسلام مروراً بالمرحلة الإسلامية الأولى ثم العصر الوسيط وصولاً إلى العصرين الحديث والمعاصر. ثم عرض للفكرة "العربية تاريخيا"، منتقلا الى الفترة الحديثة التي أشار فيها إلى إشكاليتين تأريخيتين لا تزالان مطروحتين في مسألة نشوء الفكرة العربية الحديثة. الإشكالية الأولى، تتعلق بنسب الفكرة. أما الإشكالية الثانية فتتعلق بمراكز الفكرة القومية العربية المبكرة هل كانت بيروت هي المدينة الأم للفكرة كما يقول أنطونيوس؟ أم أنها كانت دمشق وحماه وحمص وحلب كما يرتئي أرنست دون؟
ثم تحدث الدكتور حداد عن هدف قيام أمة ودولة عربية واحدة من المحيط إلى الخليج معتبرا ان هذا الهدف يشوبه نوع من الطوباوية أو المثالية فإن إنشاء جامعة الدول العربية كان بمثابة تأكيد على "الواقعية " إذ أصرت النخب العربية الحاكمة للكيانات العربية السياسية بعد الحرب العالمية الثانية- ولا تزال -على تفضيل بقاء كل منها داخل حدوده الذاتية مع اعتراف جماعي عربي ودولي بأن هذا هو النظام المقبول للتعامل بين هذه الدول بعضها مع بعض ومع العالم.
أما بالنسبة الى "الوطنية القطرية" إذا ما كانت تعطي أولوية مرحلية لمشاكلها المحلية ليست بالضرورة معادية " للقومية العربية"؟ قال الدكتور حداد ان الامر قد أشكل علينا لان الكثير من العصبيات ما دون القطرية بل ما دون الوطنية تدثرت برداء الوطنية والقومية.
ثم أنهى الدكتور حداد مداخلته المطولة قائلا: "إذا كان من غير الواقعي تصور أمة عربية واحدة في دولة عربية واحدة في المستقبل المنظور بسبب عدم توفر لا الظروف الذاتية ولا الموضوعية في المرحلة الحاضرة، فإنه من الخطأ عدم الاعتراف بأن الكثير من الثقافة والكثير من المشاعر والمصالح لا تجمع بين أطراف بلاد العرب. فنحن لسنا بصدد إقامة دولة عظمى واحدة ولكننا نستطيع أن نأمل بأن تؤدي الوحدة الثقافية وجدية الإرادة السياسية إذا توفرت وصحح مسارها وفسد فسادها، أن نخطو بعض الخطوات نحو الخروج مما نحن فيه من تردي بالغ".
العزي: الامة في المفهوم الفرنسي
ثم تحدث الدكتور العزي عن الدولة الامة في الفكر الفرنسي وعن قيام ونشوء دولة إسرائيل قبل ان ينتقل الى الحديث عن الدستور الاوروبي المشترك الذي لم يبرم، معتبرا انه لم يحدد دينا رسميا لأوروبا فمعنى ذلك ان الاتحاد مفتوح، نظريا على الاقل، امام من يريد الاندماج فيه بمعزل عن دينه او عرقه او ثقافته (تركيا مثلا) فالمهم ارادة الانضواء عبر اعتناق مبادئ المجموعة وقيمها. دول اوروبا هي التي اخترعت مفهوم الامة الذي تحول الى شوفينية التهمت شعوبها وادت الى انتحار القارة في الحربين العالميتين. لذلك عمدت الى اعادة رسكلة مفهوم الامة عبر اضفاء قدر من البراغماتية اليه، أي خلق مصير مشترك يتخطى مجرد ارتصاف دول قومية الى جانب بعضها البعض. المجموعة الاقتصادية قامت في الاساس كرد على المغالاة القومية في النصف الاول من القرن العشرين قبل ان تتجه الامور صوب الامحاء التدريجي لسيادة الدول لمصلحة مساحة مشتركة(التشريعات والعملة الموحدة وغيرها). لكن الاساسي يبقى كامنا في النفوس: الشعور الذي يمتلك كل مواطن في اوروبا بالانتماء او عدمه الى كيان واحد. واذا ارادت التحول الى امة ينبغي على اوروبا، على المستوى المؤسساتي، ان تذهب الى آخر المطاف في مسيرة التوحد كأن يحل البرلمان الاوروبي في ستراسبورغ محل البرلمانات الوطنية لتمثيل سيادة اوروبية واحدة بالمعنى الذي ذكره ايمانويل سييس أي الطبقة الثالثة (الشعبية) وان تقوم احزاب سياسية على مستوى القارة(حزب شيوعي اوروبي او اشتراكي او بيئي الخ...) بالاضافة طبعا الى الخارجية والدفاع المشتركين. وهذا طريق ما يزال طويلا ومزروعا بالالغام والعقبات.
هناك امم من غير دول (الاكراد مثلا) لكن برهن التاريخ ان الامم يمكن ان تنشأ بطريقتين: في فرنسا مثلا كانت الدولة المطلقة المركزية موجودة قبل الامة اما في المانيا فبالعكس كانت الامة موجودة في الاذهان ولم تقعد على دولة الا في العام 1871 مع بسمارك.
ورأى العزي ان الامة العربية التي تمتلك من عناصر الدمج والتكامل ما لاتملكه اوروبا ما تزال تنتظر ان ينعم الله عليها بزعماء وحدويين يمتلكون القناعة والرغبة والقدرة على ترجمة احلام شعوبهم بالاتحاد. المفارقة ان الشعوب الاوروبية لم تبرهن عن رغبة حقيقية وفعلية بالاتحاد بدليل انه في فرنسا، وهي احدى العجلتين اللتين يسير عليهما الاتحاد(الاخرى المانيا) منذ ان اطلق ارستيد بريان الفكرة بين الحربين العالميتين ثم تبناها بعد الحرب المستشار اديناور وروبرت شومان وجان مونيه ثم شارل ديغول، صوت الشعب في العام 1992 بنسبة فقط 50,5 في المئة لمصلحة معاهدة ماستريخت وفي العام 2004 اجهض الدستور الأوروبي المشترك عندما صوت ضده. وللمعلومة فقط فان أوروبا تصرف سنويا اكثر من مليار يورو فقط على ترجمة الأوراق الرسمية وفي كل اجتماع أوروبي ينبغي حضور أكثر من 25 مترجما أي من كل لغة أوروبية الى كل اللغات الأخرى، وهكذا. يمكن القول انهم يحلمون الحلم نفسه بلغات مختلفة كما نحن نعيش الكابوس نفسه بلغة واحدة في طول الامة العربية وعرضها: كابوس الدولة المنقوصة والديمقراطية المفقودة.
سنو: في الوحدة تكمن القوة
وفي مداخلته عن القومية الألمانية وتجلياتها الوحدوية والعنصرية والإمبريالية، تحدث د. عبد الرؤوف سنّو عن أربع مراحل مرت فيها القومية الألمانية، وهي: مرحلة التكوين وإنشاء الدولة الألمانية الموحدة عام 1870؛ ومرحلة اكتمال مكونات الإمبريالية الألمانية من سياسية واقتصادية واجتماعية وعسكرية وتبشيرية؛ وتحول القومية الألمانية إلى مشروع للهيمنة على أوروبا في عصر الإمبراطور وليم الثاني، ووصول هذا المشروع إلى طريق مسدود في الحرب العالمية الأولى؛ ومرحلة إعادة تفعيل المشروع السابق في عصر هتلر، بعد إضافة العنصرية إلى برنامجه السياسي. فخسارة ألمانيا الحرب، لم تدفعها إلى الجنوح نحو السلم الأوروبي. ومن وجهة نظر سنّو، فإن تقسيم ألمانيا إلى دولتين منفصلتين بعد الحرب العالمية الثانية تخضع كل منهما إلى الكتلة الغربية أو إلى الكتلة الشرقية، اعتبر ضماناً للأمن والسلم الأوروبيين. لكن ترتب عليه، في ظل الحرب الباردة، انشطار الشعب الألماني في دولتين متعاديتين. ولم يتم تطبيع العلاقات بينهما إلا منذ عام 1972. واعتبر سنّو أن الأحداث في شرق أوروبا أصابت بدورها ألمانيا الديمقراطية، ما جعل ألمانيا الاتحادية تتلقف الفرصة تلك وتطرح بديبلوماسية فائقة مع الغرب ومع الاتحاد السوفياتي عملية "لم الشمل" للشعب الألماني الواحد على أساس إندماج ألمانيا الموحدة بالغرب وبحلف الناتو.
وخلص إلى الاستنتاج التالي: "إن إرادة التوحيد ولم الشمل لدى الألمان كانت أقوى من إرادة الانفصال. ففي الوحدة تكمن القوة والتصميم والإرداة الجَماعية للدخول إلى المستقبل، فعسى أن تعي الشعوب العربية أهمية الوحدة والتلاقي لعالم عربي متخلّف ومنقسم على نفسه، ما عرف مذاق الديمقراطية والحرية، كبلته أنظمته في سجن كبير".
حلاق: التجارب اثرت على العروبة
وفي محاضرة القاها الدكتور حسان حلاق رأى ان واقع العالم العربي، واستنادا الى التجارب التي مر بها، فقد انعكس على فكرة العروبة والقومية العربية، حتى ان الكثير من الشعوب العربية ومنذ سنوات عديدة، انكفأت عن الفكر القومي الى الفكر الوطني المحلي، علما ان الوطنية لا تتناقض مع القومية، بل هما توأمان متكاملان.
واشار على سبيل المثال الى ان القوميين العرب والوحدويين العرب في لبنان، ونظرا للمآسي التي مر بها لبنان والعالم العربي منذ كارثة فلسطين عام 1948 حتى اليوم، فقد بدأت ظاهرة الانكفاء الى "اللبننة"، وقد تبين بما لا يدع مجالا للشك بأنه كلما قوي العرب، وكلما انتصروا، وكلما اتحدوا، وحققوا انتصارات، كلما ارتد ذلك ايجابا على لبنان وبقية الدول العربية، وكلما ارتد ذلك ايجابا على القوميين العرب، في حين ان الهزائم والتشرذم يؤدي الى ارتدادات سلبية.
وخلص الى ان ضعف الدولة العثمانية وسياستها ازاء العرب، ادى الى ارتداد العرب من "العثمنة" و"التتريك" الى العروبة والتعريب، وان ضعف الدول العربية وسياساتها وصراعاتها وهزائمها ادى الى ارتداد اللبنانيين الى "اللبننة" وارتداد بقية الشعوب العربية الى الفكر المحلي والاقليمي.
غليون: هل تبقى فكرة العروبة حية
ثم ألقى الدكتور برهان غليون مداخلته بعنوان "عروبة القرن الواحد والعشرين؟" مبتدئا بالحديث عن العرب والعروبة التي باتت تشكل مسألة نقاش متجدد في عالم اليوم. واعتبر غليون ان قطاعات واسعة من العرب تنزع إلى نكران عروبتها او تجاهلها أو عدم إعطائها قيمة ومعنى، أحيانا لأسباب ايديولوجية، أو لأسباب سياسية. فلا شك أن الاسلامويين، أو قسما كبيرا منهم، ينفر من العروبة لأنه يخشى أن تكون بديلا للانتماء الديني الأوسع، ومثل ذلك كان يفعل الكثير من الشيوعيين والقوميين السوريين وأصحاب الايديولوجيات القطرية المتمحورة حول الدولة عموما في الماضي القريب، والحداثيين أو العلمانيين المتطرفين اليوم الذين ينظرون إلى العروبة على أنها ايديولوجية قومية، وهي بالإضافة إلى ذلك ايديولوجية عنصرية ورديفة للفكرة الاستبدادية. والنتيجة، لا تبدو العروبة أبدا أمراً بديهياً.
تستدعي الإجابة على هذا التساؤل الكبير التمييز بين العروبة من حيث هي واقع ثقافي (اتني) موضوعي والعروبة من حيث هي عقيدة أو فكرة أو ايديولوجية تشير إلى ما يطمح إليه العرب ليحققوا أنفسهم، أو ما يريد الآخرون للعرب أن يكونوا، أي إلى هوية سياسية وحضارية تتجاوز النسب الثقافي والاتني.
ثم تحدث المفكر غليون عن تحولات العروبة وفي أزمة العروبة وأزمة الهوية معتبرا اننا نعيش اليوم أزمة العروبة القومية التي مسحت كل ما قبلها من النسخ، وارتبطت بحقبة تميزت بصعود الحركة الشعبية الواسع والآمال والتطلعات الكبيرة التي رافقتها في التغيير السياسي والاجتماعي والحضاري. حتى أصبح من الصعب فك مفهوم العروبة الأول عن استخدامه العروبي القومي اللاحق.
واعتبر انه من الأسباب التي تفاقم من أزمة الهوية المتعلقة بالعروبة، وتعيق إمكانية حلها السريع أن الجماعة العربية، أو التي نطلق عليها اسم عربية، مثلها مثل الجماعات القومية الأخرى، ليست ماهية جامدة وثابتة يمكن تمييزها بسهولة وفصلها عن استخداماتها التاريخية وتقمصاتها الايديولوجية. فهي واقع تاريخي حي ومتحرك، وثمرة التوسع والاختلاط والتزاوج والتصاهر والاندماج المادي والثقافي معا. مما يعني أنها في تغير مستمر. ويمكن القول إن ما حصل للعرب في القرن الماضي هو انقلاب قوي في محور الهوية والانتماء القومي. فقد جاءت إعادة اكتشاف العروبة أو استعادة الوعي بالذات من منطلق ثقافي وقومي بعد قرون طويلة من سيطرة الهوية الدينية الاسلامية. ولم يكن هذا التحول في الشعور بالهوية العربية، أو بالأحرى في استراتيجية الهوية، على مستوى واحد عند جميع قطاعات الرأي العام والفئات الاجتماعية. ولا يزال مصبوغا، إلى اليوم، في أوساط كثيرة، بذاكرة الهوية الملية أو الطائفية التي ميزت تاريخ السلطنة الاسلامية الطويل وتقاليدها. ولم ينجح القوميون، أعني أصحاب الفكرة القومية وفلاسفتها في تحرير الشعور بالانتماء العربي كليا من الانتماء الاسلامي، بالرغم من الجهد الكبير الذي بذلوه في سبيل ذلك. وربما كان أكبر مؤشر على ذلك شعور بعض قادة الفكرة القومية العربية من المسيحيين بالحاجة إلى اعتناق الاسلام، أو التقرب من فلسفته ومبادئه، من أجل إظهار انتمائهم العربي أو تأكيده، كما حصل مع أحد منظري الفكرة الكبار وممثلها ميشيل عفلق.
أما في مستقبل العروبة فقد تساءل غليون:"كيف ستتطور الهوية في البلاد العربية وما هي المخارج المحتملة لأزمة الهوية فيها، أي ما هي احتمالات التاريخ؟" معتبرا ان العروبة لن تفقد قيمتها، سواء أتحقق اتحاد عربي أم لم يتحقق. ولن يؤدي انحسار الطبعة العروبية القومية منها او انحلالها إلى ضياع العروبة كانتماء ومركز استثمار للمستقبل أيضا في القرن الواحد والعشرين. بل ربما كان العكس هو الصحيح. فبمقدار ما تنحسر ذكريات الفترة القومية التي ارتبطت بالإخفاق والإحباط والانحطاط السياسي والأخلاقي في فترة لاحقة، من المخيلة العربية، سوف يعود مفهوم العروبة من جديد ليشكل مرتكزا لإعادة بناء الثقافة والهوية وربما الخريطة الجيوسياسية للمنطقة.
ورأى غليون ان العروبة لن تبقى فكرة حية إلا إذا نجحت في أن تتجدد بما يتفق مع معايير العصر، وتصبح أداة ناجعة للاندماج فيه والتعامل الايجابي والتفاعلي معه. حتى تبقى العروبة ينبغي أن تتحول إلى عروبة عصرانية، ديمقراطية، إنسانية، أي أن تكون مرجعية مناقبية، أخلاقية.
في هذه الحالة يمكن إعادة بناء العروبة بالفعل، لتتحول إلى فكرة حية وملهمة، تساعد العرب جماعة وأفرادا على تجاوز حالة الانحطاط الأخلاقي والسياسي والفكري التي يعيشونها اليوم. وليكون في إمكانها أن تبدع صورة للعربي ايجابية تتناقض مع الصورة السلبية السائدة عنده وعند الآخرين عنه وعن تاريخه وثقافته وهويته، وتمحو هذه الصورة الأخيرة لصالح صورة توحي بالثقة والعمل والانجاز والاخلاق الايجابية".
هكذا تعود العروبة فكرة محفزة وملهمة وبانية لثقة بالذات ومطلقة لآمال واحلام قابلة للتحقيق أو تستحق بذل الجهد من أجلها، أي تصبح عروبة مستقبلية، تفتح الباب نحو المستقبل وتشير إليه، تكون بانية لمستقبل عروبة المستقبل هذه هي نقيض عروبة الماضي. ليست عروبة التراث والأبوية والتقليد، ولا عروبة كره الذات والبرم بالواقع والشكوى من القدر والإغراق في ذهنية الضحية، ضحية القدر أو ضحية العالم والآخرين. العروبة التي تستطيع أن تعيش، وتعيد بناء ايديولوجية العرب وأخلاقياتهم من حولها، هي تلك التي تشعرهم بذاتهم واستقلالهم الفكري ونديتهم مع الآخرين، ومقدرتهم على المشاركة في حضارة عصرهم، والتصرف حسب معايير أخلاقية ومبادئ ومثل إنسانية.
أما العروبة التي تتناقض مع القيم الإنسانية ومع العصر، والتي تدفع العرب إلى الماضي وتشدهم إلى الأسفل، وتمنعهم من التقدم والتحول ومواكبة العصر، ستكون عروبة حزينة، محبطة، يائسة، كئيبة، عازلة ومعزولة عن العالم والحضارة.
كشلي: العروبة الديموقراطية
ثم قدم السيد محمد كشلي بحثا عن العلاقة السورية اللبنانية وعن التجربة اللبنانية المريرة مع سوريا الشقيقة دروسها وعبرها... وعرض لتجاربه السياسية والفكرية والثقافية التي بدأها في مرحلة الشباب التي كانت فيها ذروة الرومانسية القومية العربية أيام حركة القوميين العرب، ومرحلة الناصرية وما أعقبها من تطورات، الى تجربة المقاومة في لبنان، وتجربة الوصاية (والهيمنة السورية اللبنانية)، وهذه مراجعة نقدية لا بد منها لكل من يريد فعلاً أن يساهم في الإجابة على السؤال المطروح عن المستقبل العربي... وعن العروبة والعلاقات العربية العربية.
ثم إفتتح السيد كشلي مداخلته بالقول: "لا شك أن مأساة الشعب الفلسطيني وآخرها ما حدث في غزة أثّرت فينا عاطفياً، وهي قد أثّرت إنسانياً عند شعوب كثيرة في كل أنحاء العالم، فما بالكم في عواطفنا نحن كشعوب عربية نعتبر شعبنا الفلسطيني جزءاً منا ونحن جزء منه وقضيته هي دائماً قضية مركزية بالنسبة لقضايانا العربية. معتبرا أنه رغم ان هذه العواطف تلعب دوراً في خطابنا السياسي وأفكارنا، ولكن لا بد رغم كل الغضب والأوجاع والآلام، أن نستعمل عقلنا ونستخلص الدروس والعبر من تجاربنا وهزائمنا وأخطائنا رغم بعض الأنتصارات "المضخّمة" التي عرفناها أخيراً، فلا نلجأ الى الهروب بادعاء انتصارات من هذا النوع.
وأضاف السيد محمد كشلي "إن التجربة اللبنانية في العلاقات العربية-العربية تعتبر من أكثر التجارب العربية أهمية في تحديد أفكار العروبة الجديدة الديمقراطية والحضارية التي نبحث عنها...
فلبنان الذي تكوّن عندما أُعلن في العشرينات من القرن الماضي عن قيام "دولة لبنان الكبير" أيام الإنتداب الفرنسي، له "خصوصيّة" من بين الدول العربية جمعاء، بكونه يتكوّن من طوائف عديدة ومذاهب متعددة، وتكوّن نظامه السياسي من هذا التكوين الطائفي المتعدد ونحن نعرف جميعاً أن لكل طائفة من طوائفه أيديولوجيتها وتكوينها الخاص وتعبيراتها السياسية والثقافية الخاصة، وهويتها الذاتية... وانقسمت الطوائف أو على الأصح اختلفت حول هويتها الوطنية قبل الإستقلال فمن قائل بهوية قومية لبنانية صافية، وآخر بقومية عربية لا تعترف بكيان لبنان وقومية سورية لا تعترف بدورها بكيان لبنان... إلى أن حصلت التسوية التاريخية عندما نال لبنان باستقلاله وقيام دولته المستقلة عن الأنتداب الفرنسي بالميثاق الوطني لقيام الكيان اللبناني...
وحدد الميثاق الوطني هوية لبنان على الشكل التالي:
"كيان لبناني مستقل ذو وجه عربي"... وهكذا تمت "التسوية الأولى" بين القومية العربية والقومية اللبنانية عند الطائفتين الاسلامية (وطائفته السنية والطائفة المسيحية وخاصة المارونية )، تسوية بين "العروبة" و"اللبنانية" إذ حافظ الميثاق الوطني على "الذاتية اللبنانية" كما تراها الطائفة المارونية وعلى عروبة معتدلة لا تطرح على هذه "الذاتية اللبنانية" أي توحيد أو وحدة عربية وتكتفي بعلاقات عربية طبيعية خاصة كدولة عربية في جامعة الدول العربية. ولكن هذه "التسوية" لم تصنع أمة واحدة وشعباً واحداً كما علّق بعد ذلك الصحفي جورج نقاش بجملته المشهورة " سلبيتان لا تصنعان أمة".
وسرعان ما تعرضت هذه التسوية الميثاقية الوطنية لهزات وأزمات خاصة في أحداث 1958.. وبعدها بدايات الحروب الأهلية حتى صدور وثيقة الطائف...
وبالنسبة للعلاقات اللبنانية العربية، فقد اعترفت الدول العربية جميعاً باستقلال لبنان، ولكن سوريا بالذات اعترفت ولم تعترف إن صح التعبير إذ ظلت تعتبر أن لبنان هو جزء من سوريا. وتعرضت العلاقات اللبنانية السورية الى أزمة في بدايات الاستقلال خاصة المقاطعة النقدية والاقتصادية التي حدثت بين الدولتين وأدت الى "إنفصال اقتصادي" إن صح التعبير. ثم جاءت الانقلابات العسكرية في سوريا وانشغل البلدان بمشاكلهما الداخلية في العهد الأول من الإستقلال. ومن أبلغ الدروس والعبر في سياق هذه العلاقات السورية اللبنانية ما حدث أثناء الانقلابات العسكرية في سوريا بانقلاب حسني الزعيم الذي دعم الحزب القومي السوري بقيادة زعيمه انطون سعاده للقيام بعمل مسلّح في لبنان.
وبعد فشل سعاده بهذا الانقلاب المسلّح أو الثورة المسلّحة، عاد ملتجئاً الى دمشق... ولكن حسني الزعيم "باعه" وسلمه الى السلطة اللبنانية. ومغزى هذه الحادثة التاريخية واضح، كان الحكم العسكري في سوريا يريد من خلال ثورة الحزب القومي المسلحة في لبنان أن يمد نفوذه وتدخله في لبنان أو ليضمّه بقوة الى سوريا، وعندما فشلت المحاولة، دفعت "القيادة اللبنانية" للحزب القومي السوري الثمن مقابل أن يكون للنظام العسكري في سوريا نفوذ سياسي في الوضع اللبناني بعد فشل العمل المسلّح..
وهذه المعادلة في العلاقة السورية - اللبنانية ستظل سارية المفعول بشكل أو بآخر رغم تعاقب الانقلابات والتطورات في سوريا حتى المرحلة الأخيرة..
اتفاق الطائف والوصاية السورية
أعتبر السيد كشلي انه عندما استفحلت الأزمة اللبنانية بعد الإجتياح الاسرائيلي 1982 وخروج المقاومة الفلسطينية وحصار بيروت، اندلعت ايضاً "حروب الداخل" بكل ما تحمله من أثقال الحرب الأهلية الماضية والتدخلات العربية والدولية الى أن تمت التسوية التاريخية برعاية عربية دولية في اتفاقية الطائف.
وكانت هذه "التسوية التاريخية" تأكيداً جديداً لهوية لبنان الوطنية من ناحية ولانتمائه العربي من ناحية ثانية...
...ولكن الخروج من آثار الحروب الأهلية اللبنانية باتفاقية الطائف كان له ايضاً أثمان باهظة على لبنان، فالدور السوري تحول الى تدخل مباشر ووصاية وهيمنة على الوضع اللبناني بكل تعقيداته وآثار الحروب عليه.. وقد نتج عن هذه الحروب اللبنانية المتواصلة احتلال اسرائيل في الجنوب، ودخول للجيش السوري الى الأراضي اللبنانية حددت باتفاق دولي قبل ذلك أو بصففة سورية اميركية من خلال مباحثات كيسنجر الأسد. وهكذا تعاظم الدور السوري في لبنان بعد اتفاقية الطائف وصاية وهيمنة على شؤونه الداخلية وخاصة سيطرته على الأدوات والأجهزة الأمنية حتى يمكن القول إن الهيمنة الأمنية السورية اللبنانية المشتركة أصبحت في صلب السلطة تفعل ما تقرره القيادة السورية...
كانت اتفاقية الطائف تسوية تاريخية ولا شك... ولكن الطوائف اللبنانية بعصبياتها الذاتية وبطريقة الحياة السياسية اللبنانية اتاحت للتدخل السوري أن يتعاظم حتى وصل الى ذروته بتعيين سوري للجنرال أميل لحود رئيساً للجمهورية والتمديد له.
وكان الرئيس رفيق الحريري يعمل على تطبيق المضمون الحقيقي لاتفاقية الطائف من خلال بناء وإعمار لبنان من جديد وترسيخ السلم الأهلي والعيش المشترك وتحقيق الوحدة الوطنية للوصول الى استقلالية القرار الوطني اللبناني وتحرره من التدخل السوري في شؤونه الداخلية...
...ودفع الرئيس الحريري حياته ثمناً لذلك، وباستشهاده تحقق الإستقلال الثاني للبنان بانتفاضة الأرز لتبدأ مسيرة تكوين لبنان كوطن نهائي لجميع أبنائه وليكون لبنان المستقل هو أساس المصالحة الحقيقية بين لبنانيته وعروبته... ولتكون عروبته نابعة من وحدته الوطنية وديمقراطيته المتطورة...
إن العروبة الحقيقية للبنان لا بد أن تنبع من وحدته الوطنية واحترام خصوصيته وتعدديته وتطوره الديمقراطي وطريقة حياة شعبه واستقلاله الوطني الحقيقي، واعتبار مصلحته الوطنية ودولته الوطنية الشرعية الواحدة، هي الأساس في علاقاته العربية والدولية..
إن العروبة الجديدة التي تطرحها دروس وعبر التجربة اللبنانية هي عروبة ديمقراطية ترسخ العلاقات العربية على أسس سياسية واضحة، بالتضامن العربي وتوحيد الأستراتيجية العربية والتكامل والتعاون السياسي والإقتصادي...
واعتبر الكشلي أن العروبة الديمقراطية الجديدة لا بد أن تعترف بمضمون أساسي لتطبيقها على أرض الواقع المعقد للعالم العربي وهو العمل على اتحادات عربية بالتكامل السياسي والتوحد المتنوع بالحفاظ على الكيانات الخاصة، بالاتحادات العربية على الصعيد الاقتصادي وصولاً الى السوق العربية المشتركة، والاتحاد العربي، على الطريقة الأوروبية.

ارسل هذا المقال الى صديق اطبع هذا المقال



 



 

 
الصفحة الأولى | شؤون لبنانية | تحقيقات | مخافر و محاكم | بزنس | المستقبل الإقتصادي | شؤون عربية و دولية | رأي و فكر | ثقافة و فنون | رياضة | الصفحة الأخيرة
ملحق المصارف ... | رياضة | بزنس | شباب | أهْوَاء | ارشيف و بحث | نوافذ | PDF A4 Version | PDF Full Version
 contactus@almustaqbal.com.lb : اتصل بنا
الشركة العربية المتحدة للصحافة - جريدة المستقبل - © جميع الحقوق محفوظة 2005