"رباعية"14شباط "تزف" عدالة المحكمة الدولية
الثقافة السياسية العملية في المسيرة الحريرية
المستقبل - الجمعة 13 شباط 2009 - العدد 3218 - ملف - صفحة 16
محمد كشلي()
في الذكرى الخمسين للاستقلال عام 1993 أقام النادي الثقافي العربي ندوة بالمناسبة بعنوان "50 سنة على الاستقلال نظرة في وضع لبنان بعد اتفاقية الطائف".. اشتركت فيها، وتطرّقت مداخلتي إلى تجربة الرئيس رفيق الحريري، وكانت في بدايتها، ولم يمض عليها عام ا..قلت آنذاك: "أمام عجز الحكم عن إيجاد برنامج لحل الأزمة الاقتصادية رغم استعانته بلجنة خبراء التي قدمت له النصائح، إلا أن المسألة تتعدّى هذه النصائح وتتعلق ببنية وآلية الأداء السياسي والحكومي.. أمام هذا العجز دخلت قوة سياسية جديدة ممثلة بشخصية رفيق الحريري وسمعته المالية وخدماته الاجتماعية، دخلت إلى الحكم لتطرح مشروعها للإعمار والإنماء وبناء البنية التحتية للبلاد من كهرباء وطرقات ومياه وهاتف الخ.. شخصية سياسية جديدة اقتحمت الحكم بقوة وثقة وكانت شخصية عملية واثقة من نفسها ومن قدراتها وامكاناتها، حائزة على موافقة عربية ودولية، هذه الشخصية السياسية الجديدة من خارج الطبقة السياسية التقليدية ومن خارج القوى والأحزاب السياسية التي اشتركت في الحروب الأهلية اللبنانية، استلمت الحكم من موقع رئاسة الحكومة بعد اتفاقية الطائف، وأمسكت بمفاتيح السلطة المسؤولة عن شؤون الخدمات والمال والاقتصاد بفريق عمل منظم يضم كفاءات على طريقة الشركات الكبيرة.. وهنا لا أقول ان التجربة الحريرية تشبه التجربة الشهابية من حيث تشكلها السياسي والاداري ولكن العامل الذي دفع بمجيء الجنرال فؤاد شهاب هو نفسه الذي دفع بمجيء رفيق الحريري أي عجز الزعامات السياسية التقليدية عن حل المشاكل الاقتصادية والاجتماعية القائمة وعن العمل بتنفيذ اتفاقية الطائف.وعلى الرغم من النقد لهذه التجربة الحريرية لنواقصها السياسية والثقافية كأبعاد لا بد منها لأي مشروع إعماري وإنمائي، إلا أنها تشكل تجربة لا بد منها في اطار الوضع السياسي القائم يدور حولها النقد لا عليها.. يرافقها نقد بنّاء يتطلع إلى المستقبل، وإلى سياسة انمائية فعالة على مختلف الصعد الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وإلى إصلاحات سياسية واجتماعية أوسع وأشمل.. بحيث تتوصل إلى مشروع وطني ديموقراطي عام وبرامج انمائية شاملة.. وأنهيت هذا النقد الايجابي بالقول على "المستقبليين" الديموقراطيين أن يناضلوا من أجل بناء حركة سياسية وطنية شاملة ومن أجل جمهورية لبنانية متطورة وحديثة، ومن أجل مستقبل لبنان".وفي صباح ذلك اليوم الذي نُشرت فيه هذه المداخلة في جريدة "النهار" استدعاني الرئيس الحريري في الصباح الباكر ليفاجأني بأنه قرأ هذا التحليل لتجربته ولنواقصها، وليقول لي: من السهل تحديد "نواقص" مشروع الإعمار والإنماء وأنا أعرف هذه "النواقص" التي أشرت إليها في مداخلتك، ولكن الأهم من معرفتها وتحديدها تحديد كيفية العمل من أجل تحقيقها، فإذا كنت تريد شيئاً فعليك العمل من أجل تحقيقه، وللعمل على تحقيق ذلك من أجل المستقبل لا بد من توفير الامكانات بقوة إدارية وسياسية ملتزمة في الحكم لتحقيقه في الظروف المناسبة، وإذا كانت هذه الظروف غير متوفرة فعليك العمل على توفيرها وفي الوقت المناسب، وبعد توفير هذه الظروف، وفي الوقت المناسب تبدأ العمل على تحقيق ما حددته..".هذا العمق العملي، وهذا المنهج الواقعي العملي من الرئيس الحريري أصابني بصدمة إيجابية ثقافية وسياسية ووضعتني هذه "الصدمة الايجابية" أمام امتحان فكري وسياسي خاصة عندما أنهى الرئيس الحريري حديثه قائلاً: "إذا كنت فعلاً تريد أن تعمل من أجل تسديد هذه النواقص وأن تعمل لإكمال مشروع الإعمار والإنماء، التحق بفريق العمل الذي يرافقني من أجل بناء مستقبل لبنان"..بعد هذا الامتحان الفكري والسياسي اكتشفت هذا العمق الثقافي والفكري العملي في تجربة رفيق الحريري والتزمت معه كمستشار. بعد عام من بداية هذه التجربة التي علمتني الكثير.. (تجربة أخيرة في حياتي السياسية المليئة بالتجارب الحزبية والسياسية والثقافية، وها هي تجربتي الأخيرة مع الرئيس الشهيد رفيق الحريري تعلمت منها الكثير خصوصاً عندما عرفت أسلوبه وطريقة عمله ونهجه السياسي الذي يمكن وصفه فعلاً بالثقافة السياسية العملية لواقع هذا الوطن اللبناني الصغير.. هذه الثقافة السياسية العملية ـ برأيي ـ لا بد منها لبناء المستقبل، مستقبل لبنان المزدهر الديموقراطي المستقل..أسلوب الحريري في العمل وبناء المستقبل وصياغة المشاريع وصناعة السياسة:هكذا كانت تجربة الحريري في العمل.. فهو كان يتوغل في دراسة الواقع اللبناني بكل تعقيداته بتفصيل وتحديد مرتكز على العلم، وهو ما بدأ فيه عندما حضّر مشروع الإعمار بعد الاجتياح الإسرائيلي لبيروت عام 1982 ثم انسحاب القوات الإسرائيلية عن بيروت.. في العام 1983 بدأ التحضير لمشروع إعمار الوسط في بيروت بأسلوب لم تعرفه الإدارة اللبنانية من قبل.. (يعترف المهندس هنري إده الذي رافق الحريري في البداية ثم عارضه لأسباب مختلفة في كتاب له عن أسلوب الحريري في العمل بالقول: "أعترف أنا الذي شهدت بطء الإدارة ومماطلاتها أنني تأثرت بالانفتاح والقدرة على الإصغاء والحيوية التي كان يبديها هذا الرجل. وسرعان ما بدأ الشيخ رفيق الحريري يوماً بعد يوم أكثر قدرة على التمدد.. ففي حين كانت دراسات البنية التحتية التي تقوم بها مختلف المكاتب الخاصة، تشرف على النهاية، كان يشكل داخل شركته خلية مهمتها تظهير تنظيمية مفصلة على حساب تعديل الوثائق الرسمية والدراسات الجارية..كان أسلوبه الدراسة الدقيقة والإصغاء بانتباه فيتوقف عند أي تفصيل ويطلب كل نوع من أنواع التدقيق ... (من هذا الاسلوب الدقيق والعلمي في دراسة الواقع انبعثت تجربته السياسية في وضع لبنان الصعب حين استلم رئاسة الحكومة اللبنانية.. ومن هذا الموقع في رئاسة الحكومة وبتجربته كرجل أعمال ناجح، وبمشروعه الإعماري الذي وضعه بالأسلوب العلمي والعملي، بدأ يمارس صناعة السياسة في الحياة السياسية اللبنانية التي كانت قد وصلت إلى ذروة أزمتها في الحروب الأهلية التي دامت أكثر من 15 عاماً..وصناعة السياسة الحريرية هذه اعتمدت في البداية على ترسيخ السلم الأهلي بالعمل على تنفيذ اتفاقية الطائف.. والصناعة هنا تعني ممارسة السياسة بالبناء والعمل واستشراف المستقبل وبنائه من جديد، وما يتطلبه هذا البناء على كل الصعد والمستويات.. بناء البنية التحتية، بناء الدولة بالتغيير والإصلاح..كل هذه المستويات تتطلب عملاً متراكماً وإصلاحات وتغيرات متراكمة.. فالصناعة السياسية هي التعبير الآخر لممارسة سياسية تغييرية وإصلاحية.. أي انها ممارسة سياسية على أرض الواقع، وتُصنع السياسة ـ عادة ـ بالديموقراطية التي تمارس بتعدديات حزبية وحرية الرأي والإعلام، أما في بلد مثل لبنان الذي يعاني من أمراض سياسية خطيرة بعد حروب أهلية طاحنة وديموقراطية متخلفة، وفوق ذلك كله وصاية سورية سياسية وأمنية على شؤون لبنان الداخلية بكل تفاصيلها، كان لا بد لقيادة جديدة مثل قيادة الرئيس رفيق الحريري، وبمشروعه الإعماري، ان يصنع السياسة بالبرامج الممكنة التطبيق.. ومن تجربة هذه "الصناعة السياسية" تولدت ثقافة سياسة عملية جديدة..كانت الممارسة السياسية الحريرية بأساليب العمل التي ذكرتها تولّد من داخلها أفكاره وطريقة تفكيره، كان رجل العمل لا القول أو على الأصح كان القول عنده هو قول العمل ودروس التجربة العملية لا التنظير ولا الشعارات والمواقف العامة..كان الحريري يتكلم لغة المستقبل.. ومضمون هذه اللغة ـ لغة المستقبل ـ ان كل شيء يجب أن يكون في خدمة الوطن ومصلحته الوطنية العليا.. كيف يمكن "حساب" هذه الخدمة الوطنية.. هذا ما كان يحسبه في ممارسته السياسية العملية بدقة شديدة وحذرة حسب الظروف والامكانيات المتوفرة، فلا تطرّف ولا مبالغة ولا مزايدة، لغة وطنية شاملة، لا لغة الماضي الفئوية والطائفية، لغة الحلول الممكنة لا الحلول المستحيلة، لغة تحديد الأهداف القريبة الممكنة التحقيق لا لغة الحلول المستحيلة الأهداف البعيدة. لغة الإصلاح التدريجي والمتراكم، لا لغة الإصلاح العام والفضفاض، لغة التغيير العملي لا لغة التغيير الصارخ، لغة الخطاب السياسي العاقل المعتدل والوسطية الفعالة والمصلحة الوطنية المشتركة لا لغة الخطاب السياسي المتشنّج، لغة الحوار الوطني لا لغة الخصام، لغة الانفتاح لا لغة الانغلاق، لغة التوحيد الوطني لا لغة الانقسام، لغة السياسة الوطنية الشاملة لا لغة المصالح الفئوية والذاتية، لغة السياسة العملية لا لغة المواقف المبدئية المثالية التي تحلق في الهواء فوق الواقع، ولا أثر لها على الصعيد العملي، لغة الفكر السياسي الواقعي الفعال (البراغماتية الحقيقية التي تؤدي إلى فوائد ونتائج فعلية..) لا لغة الفكر المجرّد والنظريات والايديولوجيات المنغلقة والجامدة.. لغة العمل لا لغة الشعارات.وهكذا كانت تجربة الحريري، بالثقافة السياسية العملية تغيّر الواقع بالممارسة والعمل والتراكم في الانجازات والإصلاحات.. فبناء المستقبل يتم على مراحل باتخاذ القرارات وتنفيذ البرامج الممكنة، فالبناء لا يقوم دفعة واحدة بل هو كالهندسة المعمارية يقوم على بنية تحتية صلبة أي أسس مادية صلبة، طابق فوق طابق، انها "هندسة بشرية" استمدها الرئيس الحريري من "هندسة الإعمار" ومن ثقافة العمل المثمر والمنتج، هندسة بشرية بين العلم والدراسة والعمل، بين السياسة والاقتصاد والنهوض الاقتصادي بالنمو، بالإصلاح الاجتماعي المرافق للنمو الاقتصادي، وما يرافق ذلك كله من سياسات في العلاقات العربية والدولية، وما يربط ذلك كله بدقة شديدة وروابط فعلية..والبرامج الانمائية والاقتصادية والاجتماعية وبرامج الإصلاح السياسي ليست في التجربة الحريرية منقوشة على حجر ولا جامدة، بل تتحرك حسب الظروف السياسية الداخلية والخارجية.. المهم بالنسبة لهذه التجربة هو الفائدة الوطنية والإنجاز الفعلي والحقيقي بدون مبالغة ولا نقصان، ونتائج "العمل الأول" تحدّد "العمل الثاني" إن صح التعبير، والانتقال بين الأول والثاني يتم بسرعة بحيث لا يترك فراغاً، وهكذا يتراكم الانجاز وبالتراكم على ضوء التجربة يتحسّن الأداء وتتوضح أكثر فأكثر البرامج المرسومة، فلا جمود ولا تحجّر بل مرونة فعالة تُسرع في العمل ولا تتسرّع، تصحح الخطأ ولا تتركه يؤخر مسيرة العمل..كان الرئيس الحريري يقول: لا يوجد إنسان يستطيع أن يقول ان كل ما فعله صحيح، فهذا القول بحد ذاته خطأ، مَن يعمل يخطئ ولكن المهم تصحيح الخطأ..من ثقافة التجربة الحريرية المراجعة النقدية الدائمة للعمل الذي أنجز، لاكتشاف الأخطاء والاستفادة من هذه المراجعة للعمل الثاني.. (وفي هذا السياق أذكر ان الرئيس الحريري سألني مرة قبل زيارته لالمانيا في عهد مستشارها شرودر: هل قرأت شيئاً عن أفكار مستشار المانيا شرودر، قلت له: انه من قادة "الطريق الثالث" في العالم بين الاشتراكية والراسمالية، فردّ عليّ بسرعة قائلاً ان هذا ما أحاول أن أسير عليه في لبنان بخصوصيته الصعبة وظروفه وأرث الحروب الأهلية التي دمّرت الاقتصاد ومستوى المعيشة والسياسة وشلّت الدولة.. فالرأسمالية الاجتماعية إن صحّ التعبير هي الفكر الاقتصادي الحر الذي يقود عملنا لنهضة اقتصادية في لبنان.. كما حدث في ماليزيا والمانيا بعد أن عانتا مثلنا من آثار الحروب..وفي نهاية الحديث عن المستشار الالماني شرودر سألني الرئيس الحريري: هل قرأت له أخيراً أفكاراً أو تصريحات، وهذه احدى صفات شخصية الرئيس الحريري الثقافية والسياسية، يريد أن يعرف كل شيء عن أي قائد أو تجربة أو دولة يزورها..قلت للرئيس الحريري ان المستشار شرودر صرح منذ فترة قريبة بعد مضي عام على استلامه الحكم في المانيا انه يقوم بمراجعة نقدية لتجربته في الحكم ليخرج من هذه الدراسة بما سمّاه بالتفكير الثاني.. أي بأفكار جديدة أكثر تطوّراً على ضوء تجربته بممارسة الحكم بعد عام..ابتسم الرئيس الحريري وقال لي هذا ما تسمّونه أنتم جماعة التجارب الحزبية بالنقد الذاتي الذي كنتم تقولون به ولا تمارسونه.. أما أنا فأقوم بمراجعة عملي ومواقفي أكثر من شرودر، أقوم بهذه المراجعة النقدية كل ثلاثة اشهر وأحياناً أقل حسب الانجاز العملي الذي تحقق أو حسب اية قرارات أو اجراءات قمنا بها تحت ضغط ظروف معينة، وما أكثر الضغوط في لبنان!، لأعرف أين الخطأ من الصواب، بالأسلوب وبالشكل وبالمضمون، وأين بالإمكان الانتقال إلى عمل وفكرة واقتراحات عملية أكثر فائدة للبلاد ولمسيرة العمل المستمر من أجل نهضة لبنان..هذه المراجعة النقدية والاعتراف بالخطأ ضمناً وعلناً كانت من ميزات وثقافة التجربة الحريرية السياسية.وتجربة الرئيس الحريري في الحكم تشبه في ثقافتها السياسية العملية تجربة المستشار الالماني شرودر، فهما كانا يتميزان بالأفكار التالية:ـ كان شرودر يقول مصلحة ألمانيا فوق مصلحة الحزب..ـ وكان الحريري يقول: مصلحة لبنان فوق مصلحة الطائفة والفئة والمنطقة والأحزاب والتيارات..ـ تحرّر من الأحكام المسبقة ومن النظرة الفوقية.ـ سياسة انفتاحية.ـ رؤية مستقبلية لعالم الغد وللسبل الكفيلة بمواجهة التحديات التي تواجه الوطن..ـ الفصل بين المهم وغير المهم سعياً إلى الوصول إلى لبّ العملية السياسية والجدل المثار حولها.ـ الانتباه الدائم إلى أهمية عنصر الثقافة في السياسة.وهنا لا بد من الإشارة أيضاً إلى علاقة الرئيس الحريري بتجربة ماليزيا بقيادة مهاتير محمد، وكان القائدان يتبادلان الزيارات والأفكار، ونشأت بينهما علاقة صداقة وإعجاب متبادل، ومهاتير محمد كما هو معلوم غيّر وجه ماليزيا من بلد متخلف إلى نمر آسيوي باقتصاد مزدهر ونهضة تعليمية وتكنولوجية..وفي عام 1998 زار مهاتير محمد لبنان وأعجب بالتقدم الحاصل على صعيد تطور البنية التحتية وترميم المؤسسات التعليمية وإعادة إعمار وسط بيروت، وكان "المشترك" بين تجربة مهاتير محمد وتجربة الحريري هو هذه الثقافة السياسية والعصامية في شخصيتهما القيادية، وكانت هذه الثقافة تتمثل بمنهج الواقعية السياسية والموضوعية إذ تميّزت هاتان القيادتان بهذه الموضوعية والواقعية والنهج البراغماتي القائم على تجاوز الصعاب والضغوطات بتقديم تنازلات آنية في سبيل مكاسب أكبر في المستقبل، وبعبارة أخرى الابتعاد عن التصلب والتحريض وأساليب المواجهة مع الآخر وعن رفع الشعارات الايديولوجية الفضفاضة التي لا تثمر إلا المزيد من المعاناة.ولعل الإقرار بالخطأ أفضل مثال على الموضوعية السياسية، كما تجلى في الاستفادة من "الخصوم" السياسيين دونما حساسية عبر الارتباط معهم بعلاقات حوار وتعاون وشراكة بدلاً من مواصلة الشعارات العدائية وإعلان القطيعة معهم إلى ما لا نهاية".كان الرئيس الحريري يدرك ما في التجربة الماليزية من ميزات على صعيد التعليم التكنولوجي وإدخال التكنولوجيا إلى الإدارة الحكومية والمؤسسات، وكان يعمل بكل جهده لإصلاح التعليم العام والخاص على هذا الصعيد وبالتالي إصلاح الإدارة في الدولة والمؤسسات كالضمان الاجتماعي مثلاً وكان يردد دائماً ان لبنان يتمتع براسمال بشري عناصره الثقافة والعلم والمعرفة واستيعاب التكنولوجيا الحديثة، وهذه العناصر لا بد من تغذيتها وتنميتها خصوصاً في مجالات العلوم الحديثة والتكنولوجيا المتقدمة، ان ثروة لبنان هي في رأسماله البشري ويجب أن تستثمر هذه الثروة في تنمية لبنان لا أن تهاجر إلى الخارج وتستثمر في الخارج، لذلك كان يريد أن يوفر لهذا الرٍأسمال البشري فرص العمل في لبنان، ولكنهم ـ والمجهول هنا معلوم ـ كانوا يضعون أمامه العراقيل والضغوط والمزايدات حتى لا يصل إلى هذا الهدف التنموي الحقيقي..كان الحريري يؤمن بأن المستقبل يُصنع اليوم في المدارس والجامعات ومراكز الأبحاث ومعاهد التكنولوجيا، (وهكذا طرح فكرة إنشاء مدينة تكنولوجية حديثة في منطقة الدامور، ووقفت في وجه هذا المشروع حواجز وعقبات أدت الى تأجيله أو عدم إنشائه).دور الثقافة والمثقفين في التجربة الحريريةكان لهذه الثقافة السياسية العملية أبعاد ثقافية عامة فهي تمتد الى الثقافة الأدبية والفنية والى دور المثثقفين... وكان الرئيس الحريري يعتبر أن لهذه الثقافة دوراً أساسياً في تطوير وتجديد الحياة السياسية، ولا تلعب الثقافة هذا الدور إلا من خلال المثقفين أنفسهم ومن خلال جمعياتهم وتجمعاتهم ونواديهم، وهي أمكنة للإبداع والحرية الفكرية والتعددية الثقافية لا المنغلقة.وكان يقول دائماً إن علينا كحكومة وقيادات سياسية أن نحرص عليها ونحميها من أي قيد أو عقبة.. فالثقافة الوطنية لا بد أن تجمع لا أن تفرّق، وأن تبث روح المواطنية بين اللبنانيين في كل المجالات، في الفن على أنواعه، والأدب بكل تعبيراته من رواية وشعر ومسرحية، وفي الإعلام المرئي والمسموع، وفي الصحافة، إبداعاً وتطويراً وتجديداً للحياة المدنية والوطنية، إن لبنان ـ كما كان يقول ـ في افتتاح معارض الكتاب الذي كان يقيمه النادي الثقافي العربي: "إن بيروت عاصمة لبنان لا بد أن تظل مركزاً وعاصمة للثقافة العربية المعاصرة، وعاصمة لحرية الكتاب العربي، وعاصمة لحرية النشر...إن مساهمة الثقافة في صنع مستقبل لبنان الحديث تعني قبل كل شيء، أن توفر الدولة كل الفرص للإبداع في هذه المجالات، كذلك على المثقفين أن يلعبوا دورهم في تجديد الحياة السياسية وتطوير الديموقراطية...".كان الرئيس الحريري يعرف أن المثقفين يجنحون عادة الى المثالية والنماذج والأيديولوجيات الكبيرة، وكان دائماً يحاورهم كثيراً وبخاصة من لم يقتنعوا بمشروعه الإنمائي، لتشجيعهم على لعب دورهم في الحياة السياسية من خلال ثقافتهم وإبداعاتهم المختلفة لتكون مظلة واقية ورابطاً عضوياً بين الواقع وتغييره وإصلاحه المتدرج وطريقة بنائه على مراحل، فهو يؤمن بهذا الدور الثقافي العام ويعتبره مكملاً وضرورياً لأفكار التنمية المستمرة وخصوصاً التنمية البشرية والوعي الوطني العام..وعلى هذا الصعيد كان يحاور الكثير من المثقفين الذين كانوا يعارضونه ويوجهون لسياسته ولمشروعه النقد أو يحمّلون موقعه في رئاسة الحكومة المسؤولية عن كثير من المشكلات والنواقص في سياسات الحكومة...هنا لا بد لي أن أذكر قصة الشهيد المثقف الكبير سمير قصير الذي كان في بداية حكومات الرئيس الحريري يوجه انتقادات شديدة لسياسة ومشروع الحريري... ومرة سألني الرئيس الشهيد هل تعرف سمير قصير وتحاوره، قلت أعرفه وأحاول دائماً أن أحاوره، قال لي بكل انفتاح، ما رأيك هل انتقادات سمير تنبع من ذاته وهل هي صادقة وليس وراءها أي اعتبار خاص، قلت إنني متأكد من صدقه، وإن أفكاره تنبع من ذاته من دون أي غرض أو دافع، قال لي الرئيس آنذاك، حاول دائماً أن تكون محاوراً وأن تمهد المناخ لتحاوري معه، فأنا أقدر انتقادات صادقة من هذا النوع حتى لو مستني شخصياً.ومرت الأيام، وكان سمير قصير قد بدأ يكتب عن الهيمنة الأمنية للنظام السوري ويسلط الضوء ـ كما كتب كبير المثقفين غسان التويني ـ "على آلية القمع والحروب المخابراتية التي ذاق هو بعض مرها..".ووصل موقف سمير قصير الى ذروته ليؤكد بعد مجيء عهد اميل لحود بقرار من النظام السوري بعد أن ترك الرئيس الحريري رئاسة الحكومة: "أن لبنان صار محكوماً بنمط جديد من فصل السلطات لم ينص عليه الدستور حيث بدا أن السلطة الفعلية ليست في يد مجلس الوزراء كما لحظ اتفاق الطائف بل هي في يد أجهزة المخابرات بامتداداتها القضائية والإدارية...".وبدأت "أجهزة المخابرات" آنذاك تشن الحروب الصغيرة عليه وتلاحقه وتراقبه، وأثناء حكومة الرئيس الحريري في عهد لحود، ازدادت حروب الملاحقة والمراقبة المخابراتية التي تُشن عليه، فقدم له كل دعم ومساندة، وبدأ حواره معه ليصبح سمير قصير شاهداً على ثقافة الرئيس الحريري السياسية وديموقراطيته في ظل هذه الهيمنة الأمنية السورية على السلطة.. وعندما اغتيل الرئيس الحريري أصبح سمير قصير أحد قادة "ثورة الأرز" ليدفع بعدها ثمناً لدوره في انتفاضة الاستقلال ويسقط شهيداً مع قافلة الشهداء التي بدأت باستشهاد الرئيس الحريري...وقبل استشهاد الرئيس الحريري كان صديق سمير قصير المثقف السوري والمخرج السينمائي عمر أميرالاي يطلب من الرئيس الحريري تحقيق فيلم عن شخصية الرئيس، وكان يريد من هذا الفيلم ـ أيضاً ـ تسليط الضوء على بعض السلبيات، وفوجئ بقبول الرئيس الحريري تصوير هذا الفيلم وأعطاه الوقت اللازم، وكانت صدمة أميرالاي الايجابية من شخصية الرئيس الحريري وثقافته وتواضعه وقبوله النقد وتحويل هذا النقد الى ايجابية بدل السلبية، فوقع "عمر أميرالاي" في إغراء أو إغواء شخصية الحريري هذه، وسحرته القيادة الحريرية بثقافتها الواسعة وأسلوبه وحديثه المباشر في الفيلم، ورغم أن سمير قصير تحفظ على فيلم صديقه، إلا أنه عاد، وقبل اغتياله بشهور ليعرف أن "إغراء" الرئيس الحريري كان ثقافياً بامتياز.الإصلاحات السياسية والاجتماعية بين السياسة والاقتصاداتبع الرئيس الحريري منهجاً واقعياً ومرحلياً لتنفيذ مشروعه الإعماري والإنمائي على أرض الواقع اللبناني...الإنجاز الدقيق والسريع والشامل للإعمار في محاولة شاقة لتنفيذه وسط "غابة سياسية متوحشة" وغابة من التعقيدات السياسية الداخلية والتدخلات السياسية والأمنية المباشرة للوصاية والهيمنة السورية... وقد نجح في تمرير هذا المشروع الإعماري وسط هذه الغابة من المصالح الضيقة والشعارات السياسية الشعبوية، والحملات والضغوط السورية والداخلية عليه بمجيء عهد لحود..(للرئيس فؤاد شهاب في تجربته بعد أحداث 1958 عبارة مأثورة كان يرددها باستمرار أمام فريق عهده هي أن أحداً في لبنان ليس في وسعه المرور بين فروق التوازنات اللبنانية من فرط دقتها...).لقد مرّر الرئيس الحريري مشروعه الإعماري بين "فروق" التوازنات اللبنانية التي عبر عنها الرئيس فؤاد شهاب، رغم أن هذه "التوازنات" الدقيقة التي سميتها "غابة سياسية متوحشة" وسط ظروف وأوضاع وإرث الحروب الأهلية اللبنانية كانت أصعب وأخطر من أحداث 1958 التي مر فيها لبنان آنذاك...وكانت اتفاقية الطائف التي ساهم مساهمة أساسية لحصولها ساعدته على تحقيق هذا المرور الصعب بين التوازنات، وكان يريد فتح أبواب الطائف بينما كانت الهيمنة السورية تريد إغلاق الأبواب وقفلها.. أي بدون تقدم على الصعيد السياسي والأمني وبناء مشروع الدولة وتحقيق الإصلاحات السياسية وتطوير الديموقراطية اللبنانية، لقد سجنت الهيمنة السورية الديموقراطية اللبنانية في تخلفها في سجن كبير، وحددت ساحتها بحدود أمنية صارمة، وكانت تعتبر أن الإصلاحات السياسية تؤدي الى تحرير لبنان من وصايتها وهيمنتها، وتحقق له قراره الوطني السياسي المستقل في السياسة الخارجية والداخلية على السواء.فالإصلاحات السياسية والاجتماعية التي كان الرئيس الحريري يعمل على تحقيقها وضعت العراقيل لإفشالها من جراء الصراع السياسي التقليدي والمزايدات والشعارات السياسية الضيقة والصغيرة وبتعبير أدق الصراع على الحصص والنفوذ الذاتي في الدولة، مما أعاق بناءها وأضعفها خصوصاً في ظل تلك الهيمنة الأمنية والتدخلية السورية...واضطر الرئيس الحريري على هذا الصعيد لإجراء "تسويات" لا بد منها على قاعدة "السيئ أفضل من الأسوأ". وكانت حساباته الدقيقة أن التسوية أفضل من الصراع السياسي ومصارعة الهيمنة السورية لأنها ستؤذي المصلحة الوطنية اللبنانية وترجع اللبناني الى الحروب الأهلية..وكان همه الأول ترسيخ السلم الأهلي والاستقرار السياسي والأمني.. وهذا بحد ذاته يساعد على الوصول في "الوقت المناسب" الى تحقيق نهضة لبنان الاقتصادية، التي هي وحدها التي تضع لبنان على طريق الحرية والديموقراطية والاصلاح والاستقلال... ولا يمكن الوصول الى هذا الهدف إلا بأسلوب متدرج وبتسويات مع هذه الأوضاع السياسية المتخلفة...وقبل ذلك ـ أيضاً ـ كان لا بد أن يوازن موازنة دقيقة بين متطلبات مقاومة الاحتلال الإسرائيلي ومشروع بناء الدولة ومستقبل لبنان الديموقراطي المستقل، وهو توازن دقيق للغاية استطاع الرئيس أن يحققه بدقة خصوصاً أن الاعتداءات الإسرائيلية وصلت الى حد كبير من التهديم لمشروع الإعمار وايقاع الخسائر البشرية في الشعب خصوصاً بعد مجزرة قانا.. وساهم الرئيس الحريري في تحقيق "تفاهم نيسان" 1996 بإمكانياته وعلاقاته الدولية الجيدة التي وضعها في خدمة لبنان ومصالحه الوطنية العليا، وكان "تفاهم نيسان" انتصاراً سياسياً للبنان مهد لانتصار المقاومة في العام 2000. وكانت سياسة الرئيس الحريري في هذا التوازن الدقيق بين متطلبات المقاومة وبناء مشروع الدولة هي التي حمت لبنان من الصراع السياسي الداخلي، وجعلت التوحد الوطني حول المقاومة ممكناً... وقد اعترف السيد حسن نصرالله الأمين العام لحزب الله بذلك عندما كشف تفاصيل لقاءات بينه وبين الرئيس الحريري، قال: "إن طبيعة التحديات في المرحلة الماضية (أي قبل اغتيال الرئيس الحريري) فرضت عليّ شخصياً أن أدخل في العملية السياسية الداخلية أكثر من أي وقت مضى والتقيت مع كثيرين، ولكن هذه اللقاءات كانت مع الرئيس الحريري أسبوعياً ولم نكن نعلن ذلك في الإعلام لمصالح عديدة... وهذا التواصل بدأ بالتحديد منذ أحداث الضاحية الجنوبية التي سقط فيها شهداء في منطقة حي السلم، يعني أثناء توليه رئاسة الحكومة. وبعد تخليه واستقالته من رئاسة الحكومة كان هناك تواصل ولقاءات طويلة ونقاش بالعمق في هذه المسائل الأساسية...وتابع نصرالله: وفي لقائنا الأخير ـ قبل أيام من اغتياله ـ تحدثنا طويلاً عن مشروع الدولة وحاجة اللبنانيين جميعاً الى الدولة ومؤسساتها على أن يكون هذا من الثوابت التي تجمع اللبنانيين.وتطرق الحديث مع الرئيس الحريري الى موضوع الأمن والاستقرار وركائز وضمانات ذلك في لبنان وخشيتنا جميعاً من انهيار السلم الأهلي في البلد، نتيجة التجاذبات القائمة..وفي موضوع الطائف كان رأيه حاسماً وشديد التمسك باتفاقية الطائف حرفياً..وختم نصرالله قائلاً: قال لي الرئيس الحريري "أنا ضد التوطين ليس فقط لأسباب قومية إنما أيضاً لأسباب وطنية لأنني أرى في التوطين شبح التقسيم مع العلم أن وحدة لبنان هي مسألة أساسية وحاسمة بالنسبة إلينا جميعاً".هذا ما قاله حرفياً السيد حسن نصرالله في مقابلة أجرتها جريدة السفير معه في 16 شباط 2005 بعد يومين فقط من اغتيال الرئيس الحريري. واضح جداً أن ما قاله الرئيس الحريري للسيد نصرالله يؤكد أن مشروع الدولة هو الأساس الأول والأخير لوحدة لبنان وأن هذه المسألة هي من الثوابت الوطنية... ولكن المعنى المضمر أو على الأدق تفسير قضية مشروع الدولة لوضع المقاومة فيمكن تلخيصه بالتفسيير الذي يمكن استخلاصه من التجربة الحريرية بأن المقاومة، خصوصاً بعد انسحاب إسرائيل من الأراضي المحتلة... يجب أن تكون في كنف الدولة لا أن تكون دويلة خاصة بطائفة معينة. أو كما سماها أحد الكتاب الإيرانيين د. مسعود أسداللهي في كتابه "الإسلاميون في مجتمع متعدد" بأنها دويلة فعلاً وهي أكبر من الحزب نفسه وأصغر من دولة".. أي دولة كبيرة، سلاحاً واقتصاداً ومؤسسات اجتماعية يقودها الحزب بتمويل إيراني وبمرجعية قراره التكتيكي والاستراتيجي حسب ايمان حزب الله بولاية الفقيه... وولاية الفقيه مركزها قم في إيران كما هو معروف.. أي أن هذه الدويلة الكبيرة لا بد أن تخضع لمتطلبات الثورة أو على الأصح الدولة الإيرانية ومصالحها...والخوف الآن أن تصبح هي الدولة بدل مشروع الدولة الوطنية الشرعية التي تمثل جميع اللبنانيين أو أن تصبح دولة لبنان الشرعية في كنف الدويلة الأكبر منها.. وهذا هو الخطر الذي يهدد وجود لبنان نفسه. وأن المقاومة مرحلة لا بد أن تنتهي ويتحول حزب الله من حزب مسلح الى حزب سياسي في الحياة السياسية الديموقراطية اللبنانية فلا يكون سلاحه في خدمة صراعه أو تنافسه غير الديموقراطي في العملية السياسية الداخلية، أو عنصراً أساسياً في نسج التحالفات أو الخصومات مع بقية الأحزاب والزعامات اللبنانية.إن المقاومة مرحلة لا بد أن تنتهي بينما الدولة اللبنانية باقية ما دام لبنان الحر المستقل باقياً، وهو وطن نهائي للبنانيين، فالدولة والوطن صنوان وتوأمان لأي بلد ووطن... ونهائية الوطن اللبناني لا تعني انعزاله عن العالم العربي الذي ينتمي اليه عضوياً بل هو جزء منه وينتمي اليه بهوية عربية لا تتناقض مع هويته الوطنية اللبنانية، واستقلاله وعروبته لا يتناقضان بل يتناغمان.. هذا ما كان الرئيس الشهيد الحريري يسعى لتحقيقه ويعمل من أجله، وقد دفع حياته ثمناً لذلك...هذه هي المضامين الوطنية للثقافة السياسية العملية للحريري... فقد نضجت التجربة الحريرية بعد أن مرت منذ البداية عندما استلم رئاسة الحكومة في العام 1992 بعدة مراحل، أي من مرحلة الإعمار الى مرحلة خوض الانتخابات النيابية في العام 1996، الى مرحلة الابتعاد عن الحكم وخوض معركة الانتخابات عام 2000 الى اغتياله.. وقد نضجت التجربة مرحلة بعد مرحلة بما أنجزته وما لم تنجزه وفي ظل الظروف والضغوط السياسية وملابسات وتناقضات التركيبة السياسية اللبنانية، تبلور مشروع الحريري الوطني والديموقراطي والاقتصادي والاجتماعي، وتبلور معه تيار شعبي واسع، وتكّون معه فريقه السياسي وكوادر ونشطاء وشخصيات سياسية لتيار سياسي واسع سماه تيار المستقبل، وتوج كل ذلك بإنجاز برنامج سياسي قلما عرفته الحياة السياسية اللبنانية هو "برنامج وطن" لتيار المستقبل الذي سبقه كتاب الرئيس الحريري "الحكم والمسؤولية، الخروج من الحرب والدخول الى المستقبل" الذي كان حصيلة تفكير ومراجعة لتجربة الرئيس.. (وقد صدر في العام 1999) قبل انتخابات العام 2000... وهكذا كان "برنامج وطن" أول برنامج لحزب أو تيار سياسي يتضمن رؤية مشروع عملي وطني للمستقبل على مختلف الصعد السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ولم يكن هذا البرنامج برنامجاً انتخابياً عارضاً إنما برنامجاً أساسياً ورؤية للمستقبل القريب وليس للأهداف البعيدة وللمستقبل البعيد جداً التي كانت الأحزاب اللبناني تضعها عادة كعقيدة أو مبادئ عامة كشفت التجربة كم كانت بعيدة عن الواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي تحلق في الهواء بالشعارات العامة والفضفاضة بينما الواقع السياسي والممارسة السياسية على الأرض شيء آخر...إن التجربة الحريرية ردمت الهوة بين الأهداف البعيدة وبين الواقع القائم وحددت مهمات ممكنة في الواقع حسب المراحل والظروف. وهكذا كان هذا البرنامج بمثابة توجهات أساسية واضحة وممكنة ضمن السياسة العامة والتغيرات الدولية والظروف المحلية...لقد لعبت شخصية الحريري دوراً كبيراً في بلورة هذه التجربة السياسية، إن ثقافته السياسية لم تأتهِ دفعة واحدة بل جاءته بالعمل والنجاح والكفاءة العملية والمعرفة الدائمة بالتطور الدائم.. وهنا لا بد من القول إن تجربته في الحكم زادته ثقافة سياسية نتيجة عملية استثنائية في وضع معقد مثل الوضع السياسي اللبناني...وهكذا، من تجربته هذه تكونت قيادة سياسية لبنانية منفتحة معتدلة ووسطية وفعالة وقادرة ومستقبلية. وكانت هذه القيادة السياسية ذات أبعاد أربعة.. فقد كان الرئيس الحريري زعيماً شعبياً وقائداً وطنياً ورجل دولة ورجلاً دُولياً...وقد استطاع الرئيس أن يجمع هذه الأبعاد الأربعة بما فيها من تناقضات وتعارضات في متطلباتها، وجعلها تتفاعل مع بعضها البعض، ومن هذا "الجمع التفاعلي" إن صح التعبير، الذي قل نظيره في الزعامات اللبنانية ولدت ثقافة سياسية عملية وبرنامج مستقبلي لأجل لبنان الوطن اللبناني. وهنا وفي الختام، لا بد أن أشير الى مقارنة بين تجربة الرئيس الحريري في رئاسة الحكومة وتجربة رئيس الوزراء السابق لجزيرة سنغافورة الصغيرة (في عدد سكانها وفي تنوعها الطائفي) الذي نقلها من جزيرة فقيرة متخلفة الى جزيرة نظيفة ومزدهرة كنمر من النمور الآسيوية... (والفرق بينهما أن رئيس سنغافورة استمر في رئاسة الحكومة حتى حقق هذا التحول بينما اغتيل الرئيس الحريري حتى لا يكمّل مشروعه، وحتى لا يصل لبنان الى ازدهاره واستقلاله...).يقول قائد سنغافورة الحديثة في مذكراته التي نشرت عن تجربته في رئاسة الحكومة: "إدارة الحكومة ليست بعيدة الشبه عن قيادة الأوركسترا إذ لا يمكن لأي رئيس وزراء تحقيق الكثير بدون فريق عمل قادر وكفء الى جانبه.. فهو كقائد الأوركسترا الذي عليه ان يعرف ما يكفي عن الأدوات والآلات الرئيسية بدءاًٍ بالكمان مروراً بالشيلو وانتهاء بالبوق والناي، وإلا لن يعرف ما يتوقعه من كل واحدة منها... تمثل أسلوبي في تعيين أفضل وأكفأ رجل في فريقي ليكون مسؤولاً عن أهم الوزارات في تلك الفترة خصوصاً المالية... على أي حال كان عليّ أن أعرف ما يكفي عن الوزارات كلها وأن اختار لها الأكفأ لأتدخل بين الحين والآخر في القضايا التي أظنها مهمة... وأخيراً كان عليّ من رئاسة الحكومة تعزيز ورعاية أي مشروع واحد بالنمو وتوفير فرص العمل"...وهذا الكلام لرئيس وزراء سنغافورة ينطبق تماماً على أسلوب وطريقة عمل الرئيس الحريري...... إنها "مدرسة سياسية" علّمنا فيها الرئيس الحريري الكثير وعلينا أن نتعلم منها باستمرار من أجل لبنان مزدهر حر مستقل.() مستشار سابق للرئيس الشهيد