الثلاثاء 9 شباط 2010

ص11

طوائف لبنان عقد تتحكم بها شياطين الماضي


الحلقة الضائعة بين ثقافة الشعبين العربي والتركي


كتاب حول عملية أمنية قام بها لبناني في كندا ضدّ الاحتلال السوري ولفتاً لأنظار العالم


بين "وطن" و"أبو شحاطة"


بيروت العاصمة إلى أين؟



بين "وطن" و"أبو شحاطة"

المستقبل - الاثنين 8 أيلول 2008 - العدد 3071 - مساحة حرة - صفحة 11


أحمد مولود الطيار (*)
"هذا المقال لا يهدف مطلقاً النيل من ضباط وصف ضباط وأفراد الجيش العربي السوري وإنما يهدف فضح ممارسات الفساد ومن أراد ويريد الانحراف به عن أهدافه الحقيقية"
***
اللبناني وفي مروره أو سؤاله أو حاجته لأي شيء، يتواجد وقتها عنصر أو عناصر من الجيش اللبناني، ينده عليه أو عليهم، بمفردة أضحت شائعة جداً لدى اللبنانيين "وطن". "مرحبا وطن"، "اين الطريق الفلاني يا وطن"، "ممكن تساعدني وطن"، "ليش ممنوع يا وطن"، "ليش مسموح وطن"، ...الخ.
منظر الجندي اللبناني ببزته النظيفة الأنيقة ووجهه المرتاح، يبعث في داخلي كسوري نوعاً من الطمأنينة، فهو يستخدم في مفرداته كلمات من مثل: تفضل، آسف..لا يصرخ عليك، لا يشتم، في محياه لمسات المدنية واضحة.
بالتأكيد ليس ذلك الجيش هو حامي الحمى وقاهر العدا ولم يحرر القدس ولا كان طرفاً في "عين جالوت"وليس هو من خاطبه طارق بن زياد خطبته المشهورة.
هو جيش وكما يقول المثل الشعبي "بالع الموس على حدين"، فهو صورة مصغرة عن فسيفساء المجتمع اللبناني، والكل في اشتداد الأزمات، يطالبونه باجتراح المعجزات، وهو الذي نضبت ذخيرته في اليوم الثاني من معركة نهر البارد.
أثناء خدمتي العسكرية الاجبارية في لبنان (1987 ـ 1990) في ما يسمى "قوات الردع العربية" أو الأصح السورية، كنا كجنود سوريين، ننظر الى الجندي اللبناني وحتى الى بعض الميليشيات كميليشيات الحزب القومي السوري (كنت في منطقة المتن الشمالي، ضهور شوير ـ مسقط رأس الزعيم اللبناني انطوان سعادة) نظرة من تحت الى فوق، "بالمشرمح" نظرة دون، فلباسهم أجدد وأزهى من لباسنا، رواتبهم أكثر من رواتبنا (راتب الرقيب وقتذاك 270 ليرة سورية يضاف اليها 300 ليرة تسمى مهمة لبنان)، أكلهم كان لا يقارن ولا يقاس بأكلنا، فقطع اللحم الكبيرة كان يغص بها طبخهم، أما الـ"مرقة" في مطابخ الجيش العربي السوري، فعشرة غواصين لا يستخرجون قطعة لحم واحدة. عندما كانت تمر سيارة "الاطعام" توزع طعامها عليهم، نخرج من جحورنا ونصطف على جانب الطريق نمصمص شفاهنا ونزدرد ريقنا، وكانوا والحق يقال كرماء معنا، ألسنا اخوة في العروبة؟ فـ(يرمون) علينا حفنة من ارز تثاءب بخاره في تثاؤب أجمل وقتها من تثاؤب حسناء خرجت من خدرها، وكانوا لا ينسون أن يجللوه لنا ببعض القطع السمينة من اللحم، فكنا نشكرهم بصلف الاخ الأكبر الذي لا يطأطئ لأحد.
زميل لنا برتبة رقيب مجند "فتحت عليه كما يقال" طاقة القدر، "أبلغه" "القلم" أن القيادة انتدبته لمدة شهر لتدريب الجيش اللبناني. تهلل وجه الرجل، وضحكت كل عظمة في وجهه وهو الذي لا يعرف الابتسام. قلنا له "جخ يا عم" ستتخلص من هذا القرف لمدة شهر "ولك والله أمك داعيتلك". ذهب زميلنا ببزته العابسة ووجهه "الذي لا يضحك للرغيف الساخن" وبقينا ننظر اليه حتى توارى عن أنظارنا، يلعن كل واحد منا حظه القليل. عاد الينا بعد الشهر، بوجه ضحوك وبدلة "كورية" نظيفة. تحلقنا حوله وهو يروي لنا قصة الأكل الذي يقدم "للبني أدمين" وقصة الحلويات الفاخرة (كنا وقتها قد نسينا الحلويات) والأغطية والشراشف النظيفة والمعاملة الأدمية.
كنت بيني وبيني اتساءل، هل عملية تجويعنا مدروسة؟! هل هذا موجود في العلوم والمعاهد العسكرية؟! هل صحيح أن "المقاتل" يجب أن يكون كالأسد الهصور يبحث عن فريسته لا يبالي بالصعاب؟! لذلك كان العسكري السوري ينقض على البساتين والحواكير المجاورة لقطعته العسكرية كانقضاض الاسد على فريسته يأكل "الخرمة" حتى التخمة معتقداً انها "بندورة". اذا كان ذلك صحيحاً فلماذا يقولون لنا ان 75% من الميزانية تذهب للجيش والقوات المسلحة. انهم بالتأكيد يكذبون. فمعدنا تقرقع وهي خاوية وسلاحنا خردة بالية وعندما قالوا لنا "عليهم عليهم أمامكم الجنرال عون ذلك العميل الأميركي المتصهين"، وفور انطلاقنا لدك معاقله، انقطعت الاتصالات السلكية واللاسلكية بين الدبابة وجارتها (الدبابة من نوع ت 55 وسلاح الاشارة منذ أيام الحرب العالمية الاولى) وبات كل واحد منا أشبه بالخراف الضالة، كل يمشي على هواه، وبعض قادتنا فزعوا واحتموا بالملاجئ يديرون المعركة والعرق لا تعرف من أين بدأ يتصبب منهم، وهل هو عرق أم سائل آخر وكانت حصيلة قتلانا 1700 جندي سوري ذهبوا في معركة لا ناقة لهم فيها ولا جمل.
كنت أيضاً بيني وبيني أتساءل، لماذا امهاتنا وأخواتنا رخيصة لديهم الى هذا الحد. ففي دورات "الأغرار" أو "الاختصاص" كما تسمى، والأصح أن يطلق عليها اسم دورات "الاخصاء"، كان المدربون لا يتوانون عن استحضار كل قواميس القدح والذم والتحقير وتجريبها على فتية صغار في عنفوان شبابهم لترويضهم وجعلهم ممسحة. افيدونا يا أهل العلوم العسكرية: هل هذا موجود في علومكم أم هو حقد دفين له اسبابه في "جيشنا العقائدي".
جيشنا المسكين وقوامه الأكبر يطلق عليه "الجيش النظامي" أو التسمية الشعبية "جيش ابو شحاطة"، حيث لباسه كان البزة الكاكي قبيل توحيده في الجيش السوري كله مؤخراً باللباس "المموه"، منظره يدل عليه، فالبؤس علامته الفارقة، وأغلبه منحدر من المناطق الفقيرة مدناً وأريافاً، وكل من ليس لديه "دعم" أو "واسطه"، ويمكن القول ان الكثير من "مرتبات" هذا الجيش يمكن تسميته بـ"الجيش السخرة" حيث يتوزع ضباطه مجنديه للعمل في المزارع "الكثيرة والكبيرة" اما "حجاباً" أو سائقين للضباط ونسائهم وأولادهم أو "ديليفري" أو "مفيشين" (التفييش هو أن تستغني عن مرتبك الشهري لـ"معلمك" أي الضابط المسؤول عنك بالاضافة الى مبلغ شهري تدفعه له نهاية كل شهر مقابل عدم مجيئك الى قطعتك العسكرية". والـ"مفيش" نوعان: واحد دلوع ماما، والثاني رجل شغيل كما يقال بالعامية، فيحسبها بعملية رياضية بسيطة، فلو كان مرتبه الذي يتحصل عليه نتيجة قوة عمله 10000 ل.س. فلو دفع لـ"معلمه" 5000 ليرة فسيبقى له 5000 ليرة يعيل بها نفسه واسرته، بالطبع الى جانب "جيش ابو شحاطة" هناك وحدات عسكرية كأنها جيش آخر في بلد آخر، حيث اللباس المموه قبل توحيده والعتاد العسكري المتطور والأكل الأفضل والحظوة والنفوذ، ومن استعراض اسماء من تولوا تلك القطعات العسكرية نعرف مدى أهميتها، فرفعت الأسد وعلي دوبا وشفيق فياض واسماء كثيرة اخرى هي كما يقولون من "عظام الرقبة" وليت تلك الجاهزية العالية لتلك الوحدات لمحاربة العدو الاسرائيلي، فاستعراض المهمات التي قامت بها من لبنان الى حماه الى تدمر وحلب وجسر الشغور يؤكد أن ظهرها أعطته لاسرائيل.
هذا غيض من فيض عن "جيشنا العقائدي" الذي اعتبره بشار الأسد خطاً أحمر لا يجوز الاقتراب منه في قائمة الممنوعات التي وضعها بعد وأده لربيع دمشق وعدم قدرته على تحمل النقد في مغامرة الرأي والرأي الآخر التي جاء بها خطاب قسمه الاول حيث اعتبر أن الجيش وحزب البعث والرئيس الراحل حافظ الأسد و"الجبهة التقدمية التقدمية" و...خطوط حمر غير مسموح الاقتراب منها، وعدم السماح هنا ترجمته أجهزته الأمنية بكم الافواه والاعتقال.
أغلبية الشعب السوري وبشكل أوتوماتيكي بدون أحكام قيمة موجبة أو سالبة، تطلق على جيشنا النظامي اسم "جيش أبو شحاطة". هل يعتبر هذا تجاوزا للخطوط الحمر التي وضعتموها يا سيادة الرئيس؟

(*) كاتب معارض سوري

ارسل هذا المقال الى صديق اطبع هذا المقال
 



 

 
الصفحة الأولى | شؤون لبنانية | بيئة و علوم | تحقيقات و مناطق | مساحة حرة | المستقبل الإقتصادي | بزنس | شؤون عربية و دولية | رأي و فكر | ثقافة و فنون | رياضة | الصفحة الأخيرة
ملحق المصارف ... | رياضة | بزنس | شباب | أهْوَاء | ارشيف و بحث | نوافذ | PDF A4 Version | PDF Full Version
 contactus@almustaqbal.com.lb : اتصل بنا
الشركة العربية المتحدة للصحافة - جريدة المستقبل - © جميع الحقوق محفوظة 2005