بعثة صندوق النقد الدولي تصل الأربعاء لوضع التقرير السنوي (Article 4) "المالية" تتريث في إصدار سندات "اليورو بوند" وتستعين بمصرف لبنان لتغطية الاستحقاق المستقبل - الاثنين 5 أيلول 2005 - العدد 2030 - المستقبل الإقتصادي - صفحة 12
|
|
|
عدنان كريمة تصل بعد غد (الأربعاء) الى بيروت بعثة من صندوق النقد الدولي برئاسة ادوارد غاردنر (سويسري) وهو يرأس الفريق المختص بالبند الرابع (Article 4) والذي يضع تقريراً سنوياً عن الاقتصاد اللبناني، وتستمر زيارة البعثة للبنان ثلاثة أيام تجري خلالها جولة افق عامة حول آخر التطورات الاقتصادية والمالية في ضوء المعلومات والأرقام والآراء وبرنامج حكومة الرئيس فؤاد السنيورة الاقتصادي للسنوات المقبلة، وما يتضمنه من اصلاحات مالية واقتصادية، وخصوصاً لجهة معالجة المديونية وخفض العجز والدين بشكل تدريجي، وذلك تمهيداً لوضع تقرير شامل مرتقب صدوره عن الصندوق في تشرين أول (اكتوبر) المقبل، و ستشمل مهمة البعثة عقد سلسلة اجتماعات في وزارة المال ومصرف لبنان، ولا سيما الاستماع الى ملاحظات الوزير جهاد أزعور والحاكم رياض سلامة. وتبرز أهمية زيارة بعثة صندوق النقد، الدولي، في وقت يشهد الاقتصاد اللبناني فترة جمود وحالة حذر وترقب، تحسباً لتداعيات مرتقبة عن تطورات سياسية، ولو لمرحلة انتقالية، ترافق اجراءات قضائية وأمنية تقتضيها مسيرة عمل لجنة التحقيق الدولية في جريمة استشهاد الرئيس رفيق الحريري وتحقيق هدفها في معرفة الحقيقة ومعاقبة المجرمين. ونظراً لدقة وخطورة هذه المرحلة وتداعياتها وانعكاس ذلك على الأسواق المالية، تتوقع مصادر مصرفية ان تتريث وزارة المالية باطلاق اصدار جديد لسندات "يوروبوند" لتغطية استحقاقات مالية معينة، تجنباً لتحميل الخزينة اعباء تكلفة اضافية بالفوائد، تقتضيها طبيعة المرحلة، على ان يتم الاستعانة مؤقتاً بمصرف لبنان الذي يتمتع بفائض مالي بالعملات الأجنبية، لتغطية الاستحقاقات المترتبة، مع أن المبلغ المطلوب لوزارة المال يراوح بين 700 و800 مليون دولار، حتى نهاية العام الحالي
مشروع موازنة 2006 يتضمن الإصلاحات الاقتصادية والمالية والإدارية
إذا كانت جريمة استشهاد الرئيس الحريري، قد حالت دون إصدار تقرير صندوق النقد الدولي في موعده العادي بين شباط (فبراير) وآذار (مارس) من العام الحالي، فإن الاستحقاقات السياسية الداهمة ولا سيما بعد الانتخابات النيابية الأخيرة، والتي وصفها خبراء الصندوق بأنها قاسية جداً وعلى الحكومة العتيدة مواجهتها بوضع تصور واضح وخلف ثقة تساعد في انطلاق المرحلة المقبلة، والاستفادة من الدعم الدولي، خصوصاً الأميركي والأوروبي بمختلف مؤسساته. فضلاً عن تقرير رئيس لجنة التحقيق الدولية القاضي الألماني ديتليف ميليس عن جريمة الاغتيال وتداعياته السياسية والأمنية اللبنانية والاقليمية وانعكاساتها الاقتصادية والمالية، كلها عوامل مهمة ساهمت في تأجيل اصدار تقرير الصندوق حتى تشرين أول (اكتوبر) المقبل، خصوصاً وأن هذا التقرير مخصص في الأساس عن الاقتصاد اللبناني وتوقعات تطوره في السنوات المقبلة، ومدى قدرة لبنان على الحصول على مساعدات دولية شبيهة بمساعدات باريس 2 في العام 2001. وعلى الرغم من أن خبراء الصندوق قد رحبوا بمشروع النهوض الاقتصادي الذي طرحه رئيس الحكومة السابق نجيب ميقاتي وأطلق عليه "الطريق الى ميثاق بيروت" وحدد لمناقشته في ورشة وطنية اقترح عقدها في أيلول (سبتمبر) 2005 تمهيداً لطرحه في مؤتمر دولي توقع عقده في تشرين الثاني (نوفمبر) بحضور الدول المانحة ومؤسسات التمويل الدولية، فإنهم يدرسون باهتمام بالغ برنامج حكومة الرئيس فؤاد السنيورة الاقتصادي، والذي أشارت اليه في بيانها الوزاري التي نالت ثقة مجلس النواب على أساسه. وبما أن جميع المعنيين بالأمر، لبنانياً وعربياً وإقليمياً ودولياً، يعلمون وبما لا يدعو أي مجال للشك، أن التوتر السياسي وتجاذباته التي عكست اختلافاً بين أصحاب القرار المحلي، وخلقت حالة من عدم التوافق السياسي التي عرقلت مسيرة الإصلاح الاقتصادي، خصوصاً تنفيذ "باريس ـ 2"، فإن تحقيق التوافق السياسي بين أهل الحكم وحده الكفيل بتسهيل تنفيذ ذلك المسيرة، مع أن التحولات السياسية الأخيرة تشجع كثيراً عوامل النجاح الخاصة للإصلاحات المنتظرة، فتتاح للبلاد فرصة الاستفادة في السنوات المقبلة من طاقتها المختزنة على الإنتاج والنمو. واستناداً الى المباحثات التي أجرتها بعثات صندوق النقد الدولي مع لبنان، قبل جريمة استشهاد الرئيس رفيق الحريري، لجهة التطورات الاقتصادية والمالية الكلية (Macro Economic Frames Work)، أكد الصندوق على ضرورة تحقيق مؤشرات أساسية: أولاً: خفض وتيرة نمو الدين العام كنسبة من الناتج المحلي من 167 في المئة في العام 2004 (متوقع) الى 163 في المئة في "العام 2005 والى 151 في المئة في العام 2006. ثانياً: خفض نسبة العجز المالي من 9.8 في المئة من إنتاج المحلي في العام 2004 الى 6.2 في المئة في العام 2005، ثم يرتفع قليلاً الى 6.5 في المئة في العام 2006. ثالثاً: وجوب أن يرتفع الفائض الأولي وفي الحد الأدنى من 4.1 في المئة في العام 2004 (متوقع) الى 5.2 في المئة في أواخر العام 2005 ثم الى 6.4 في المئة من الناتج المحلي في أواخر العام 2006. وللالتزام بهذه الحدود الدنيا الضرورية للمحافظة على استقرار الاقتصاد الكلي، يقتضي، في رأي الرئيس فؤاد السنيورة. الذي سبق أن شغل منصب وزير المالية سنوات عدة، بذل جهود مضاعفة لخفض الإنفاق وزيادة واردات الخزينة مع أهمية بذل الجهود اللازمة لتحقيق معدل النمو المستدام. موازنة 2006 اذا كانت موازنة 2005، قد تم اقتصارها على الايرادات والنفقات، خصوصاً وأن التطورات السياسية والأمنية قد حالت حتى الآن دون اصدارها، حيث لا يزال يتم الصرف على قاعدة الاثني عشرية، فان الاهتمام يتركز حالياً على اعداد مشروع موازنة العام 2006، الذي ينتظر ان يعتمد الأسس التي سبق للرئيس السنيورة ان أوردها في مشروع موازنة العام 2005 الذي لم ير النور. وتبرز أهمية هذا المشروع لكونه يستند الى خلقية الأسس التي حددها صندوق النقد الدولي، وينطلق من قواعد فرضيات أساسية: 1 ـ ضرورة الالتزام الكامل بتحقيق توافق سياسي على تبني الإصلاحات الاقتصادية والمالية والإدارية تدعم وتؤكد على الالتزام الحاسم بها كسلة واحدة وبتنفيذها مهما اقتضى ذلك من جهود وتضحيات. 2 ـ العمل وقدر المستطاع على تحقيق زيادة مستمرة ومستدامة في حجم الفائض الأولي من جهة وخفض مبرمج ومستدام لمستوى العجز عما كان ملحوظاً في موازنة العام 2004 على أن يصار وعلى مدى ست سنوات مقبلة التوصل الى تحقيق موازنة متوازنة في العام 2010. 3 ـ عدم تضمين مشروع الموازنة أي زيادة في معدلات الرسوم والضرائب. وفي هذا المجال فإنه على الرغم من الحاجة الشديدة للخزينة لزيادة معدلات بعض الضرائب والرسوم ولا سيما معدلات الضريبة على القيمة المضافة من 10 الى 12 في المئة في المرحلة المقبلة وبدءاً من العام 2005، إلا أن الظروف الموضوعية في البلاد تتطلب إعطاء الأولوية في العام 2005 لإجراء الإصلاحات المالية والاقتصادية والإدارية والترشيد والخفض في الإنفاق وتعزيز الإنتاجية ومن دون إحداث زيادة في أي رسم أو ضريبة أو إدخال ضريبة جديدة لزيادة الواردات في العام 2005. 4 ـ اقرار مجموعة كبيرة ومتناسقة من التعديلات القانونية التي تسهم في تعزيز الانضباط المالي وفي ترشيق الادارة والاجهزة بأسلاكها كافة وتخفيض أكلافها، وفي استعمال المقدرات المتاحة بطريقة تنعكس إيجاباً على مصالح المواطنين. هذه التعديلات تستند الى اجراء تغيير في العلاقة بين الدولة والعاملين لديها من خلال عقد جديد ينبني على أساس اعادة الاعتبار الى الكفاءة في اختيار الموظفين والعاملين في الدولة من ضمن مباريات مفتوحة والى اعتماد معايير الانتاجية لقياس مستوى الأداء والمكافأة على أساسه في شتى ادارات الدولة ومؤسساتها وأسلاكها بما يمهد مجدداً لتعزيز الالتزام بهذه الاعتبارات في إدارات ومؤسسات القطاع العام وعمله. ويرى مشروع السنيورة: ان اقرار وتطبيق هذه القوانين والتدابير الاصلاحية من شأنها ان تحقق نتائج مالية ابتداء من السنة الأولى على تطبيقها من خلال زيادة في الايرادات تبلغ حوالي المئة مليار ليرة، وانخفاضا في النفقات يبلغ حوالي 200 مليار ليرة. الا انه من المؤمل ان تزداد هذه المنافع المالية على مدى السنوات القادمة. غير ان النتائج التي ستنجم عن تلك الاصلاحات لن تقتصر فقط على الفوائد المادية المباشرة حيث إنها سوف تنسحب تدريجيا على حركة الاقتصاد الوطني بشكل عام من خلال المنافع الهائلة التي سوف تتحقق بنتيجة الزيادة في الانتاجية وحسن الأداء في إدارات ومؤسسات القطاع العام وكذلك في مستوى الأداء الاقتصادي واستعمال الموارد المتاحة بشكل عام. أما في السنوات اللاحقة، فطبيعي ومؤكد ان يرتفع مبلغ كل من الزيادة في الايرادات وكذلك الانخفاض في النفقات بوتيرة أكبر، مما يسهم في تخفيض تدريجي في نسبة العجز في الموازنة حتى تلاشيه وهو ما ينبغي العمل لانجازه في العام 2010. تحديات الاصلاح لقد أجمع المراقبون المحليون والاجانب على ان حركة التطور والتطوير في البلاد، تميزت خلال السنوات القليلة الماضية بدرجة غير مقبولة من التلكؤ والمراوحة والتراجع عن الاستمرار في الالتزام بسياسة الاصلاح التي كانت الحكومة اللبنانية وفي معرض اقرارها لمشروع الموازنة العام 2003 قد تبنت بعضا منها. الا ان التخلي عن ذلك اضاع على لبنان واللبنانيين فرصا كان يمكن انتهازها والبناء عليها، وحمل لبنان واقتصاده أكلافا باهظة على اكثر من صعيد بما فيها ضياع للفرص الكبيرة التي عرضت، ولكن لحسن الحظ لا تزال تلك الفرص تطرق باب لبنان مدفوعة بمستجدات اقليمية ودولية تفتح للبلاد نافذة واسعة من الامل اذا احسن استخدامها. واذا كانت الظروف والمناخات المحلية الملائمة، لم تتوافر في المرحلة الماضية للتبني والشروع في تنفيذ الاصلاحات الهيكلية التي استند وانطلق منها مؤتمر "باريس 2"، فان الحاجة الآن وفي ضوء المتغيرات الحاصلة على الصعد السياسية والاقتصادية والمالية المحلية والاقليمية قد اصبحت اكثر الحاحا من اي وقت مضى للمبادرة وبعزيمة واصرار لتبني تلك الاصلاحات بما فيها العودة الى مسار الخصخصة والتأكيد على ضرورة ترشيد الانفاق والحد من الانفاق من خارج الموازنة، وذلك لتحقيق الاهداف التي يجب الالتزام بها خلال المرحلة القادمة والتي تقتضيها الأوضاع المستجدة والتطورات المرتقبة. وبناء عليه، فإنه يتوجب على لبنان التعامل مع هذه المستجدات ومعالجتها بما تقتضيه تلك المسائل والتحديات بدءاً من وضوح في الرؤية ومن توافق داخلي بشأن المقاربات والوسائل اللازمة للمعالجة مرورا بالالتزام بتنفيذها كمجموعة مترابطة حتى تتحقق عملية الاختراق اللازمة لجملة المسائل التي يعانيها الاقتصاد الوطني وتقاسيها المالية العامة ويكابدها اللبنانيون. وفي هذا المجال يرى السنيورة ان المرحلة القادمة تستوجب بذل جهود مضاعفة من جهة اولى لتحقيق النمو والاستقرار المستدام في الاقتصاد الكلي وفي المالية العامة لمعالجة مشكلة العجز في الموازنة ومعضلة الدين العام وتعزيز الاستقرار النقدي. ومن جهة أخرى فان هناك ضرورة ماسة للعمل لتعزيز الثقة في مستقبل الاقتصاد اللبناني وجاذبيته بما يسمح بجلب الاستثمارات الخارجية، بما يمكن من اطلاق طاقات الاقتصاد الكامنة الذي يعمل حاليا بأقل من طاقته الانتاجية في اغلب قطاعاته. ولتحقيق ذلك فانه ينبغي ازالة العوائق والعقبات التي تحول دون الاستعمال الامثل لموارد ومقدرات البلاد وامكاناتها في كل من ادارات ومؤسسات القطاع العام وكذلك ازالة العقبات والعراقيل من امام مؤسسات القطاع الخاص ومبادراتها وبما يؤدي الى تضافر وتعاضد (Synergy) بين جهود القطاعين العام والخاص وبما يحقق من نسب نمو جيدة ومستدامة..
|
|