عندما استحضر جعجع "خلوة سيدة البير" فلردع "المثالثة" وتأكيداً على الطائف وآلياته نحو الدولة المدنية انتخابات 2009 في مرآة الخطر على "الصيغة" المستقبل - السبت 18 تشرين الأول 2008 - العدد 3109 - شؤون لبنانية - صفحة 2
|
|
|
نصير الأسعد في أيلول الماضي، وفي الخطاب الذي تناول فيه موضوع المصالحة المسيحية وشروطها وتقدم فيه بـ"اعتذار" عن أخطاء ارتبكت خلال مرحلة الحرب بين 1975 و1990، فاجأ رئيس الهيئة التنفيذية في "القوات اللبنانية" سمير جعجع عدداً واسعاً من اللبنانيين باستحضاره مقررات "خلوة سيدة البير" من ضمن الثوابت المسيحية التي يرى ضرورة أن تنهض أي مصالحة مسيحية على أساسها. وللتذكير فإن "خلوة سيدة البير" التي انعقدت أواخر سبيعينات القرن الماضي في "عزّ" الحرب الأهلية، تبنت آنذاك مشروعاً فيدرالياً للبنان. "الفكرة الفيدرالية" في البيئة المسيحية أثارت "مفاجاة" جعجع سؤالاً كبيراً: لماذا مقررات "خلوة سيدة البير" الآن، ومن جانب فريق مسيحي "بكّر" في تأييد اتفاق الطائف ودفع ثمن تأييده هذا الاتفاق الذي باركته الكنيسة؟. الجواب "الأبسط" عن هذا السؤال كان أن ثمة تنامياً في البيئة المسيحية لـ"الفكرة الفيدرالية" في ظل ما تعتقد البيئة المسيحية أنه خطر عليها من طوائف أخرى، لا سيما من سلاح إحدى الطوائف الكبرى، وفي ظل ما تظن أنه يمكن أن يشكّل حماية لها، وأن "الحكيم" لا يفعل سوى أنه يدغدغ هذه "الفكرة" ويراعي تناميها ويلوح بها ويُدخلها في الصراع المحتدم في البلاد، والذي يدور في العمق حول "الصيغة". "العونية": ربط المسيحيين بإيران.. و"المثالثة" بيد أنه كان جواب آخر، أقل بساطة أي أكثر "تشعباً". في هذا "الجواب الآخر" أن ثمة في البيئة المسيحية جناحاً سياسياً ناصب اتفاق الطائف منذ بدايته العداء، ولا يزال ساعياً بذرائع شتى لا تمتّ إلى حقوق المسيحيين بصلة إلى نسف الطائف. وهذا "الجناح" هو الجنرال ميشال عون بالتحديد الذي تحركه مطامع شخصية. يحمل الجنرال، أو يُحمّل، مشروعاً منافياً "للطبيعة". ويقوم هذا المشروع على ربط المسيحيين ـ ولبنان ـ بإيران إقليمياً. ويقوم على ثنائية طائفية مسيحية ـ شيعية محلياً، علماً أن هذه الثنائية ليست كذلك بالفعل لأنها بمثابة إستتباع شيعي للمسيحيين أي إستتباع فريق سياسي في الطائفة الشيعيّة للمسيحيين. ويقوم على إسقاط الطائف باتجاه إحلال "المثالثة" بدلاً من "المناصفة" القائمة حالياً بين المسيحيين ككل والمسلمين ككل. وهذا "المشروع" مقروءاً فقط من زاوية ربط المسيحيين بإيران، خطير جداً. إنه يضع المسيحيين في مواجهة مع "الشرعية الوطنية" في لبنان، أي في مواجهة مع "الصيغة" التي تؤطر وجودهم ودورهم وموقعهم في الشراكة، ويعرضهم لأخطار جمّة، هي نفسها أخطار على العيش المشترك.. ومنها الهجرة والمزيد منها وتراجع الدور وعدم قيام الدولة الضامنة والحامية. في هذا الإطار، يمكن التعرّف إلى "الجواب الآخر". فبإستحضاره "خلوة سيدة البير" و"الفكرة" الفيدرالية، أراد الدكتور جعجع أن يقول الفيدرالية "الصريحة" في مقابل الفيدرالية "المقنّعة". الفيدرالية "المبسّطة" في مقابل الفيدرالية التي تغلف سيطرة طائفية ـ حزبية، أي "الغلبة". الطائف آخر ميثاق لـ"العيش المشترك" أراد جعجع أن يقول إن اتفاق الطائف هو آخر المواثيق الضامنة لكل الطوائف ولحقوق كل الطوائف. وإن السعي إلى نسفه يشرّع أي "شيء" ويفتح الوضع نحو المجهول. وإن تطبيق اتفاق الطائف بجدية يضمن موقع المسيحيين ضمن الشراكة الوطنية. وبكلام آخر، إن إستحضاره لـ"خلوة سيدة البير" بمثابة محاولة "ردع" لطرح "المثالثة"، أي محاولة تنبيه إلى ضرورة إقفال "باب الريح" هذا. وبوضوح أكبر، يرى "الجواب الآخر" أن "الحكيم" لم يستحضر "خلوة سيدة البير" إقتناعاً منه بـ"فدرلة" لبنان، أو للإنقلاب على الطائف الذي يمثّل ثابتة مسيحية مركزية. لا بل إن مقررات المجمع البطريركي عام 2006، انطلقت من الطائف لترفع شعار إقامة الدولة المدنية، مزكية بذلك القناعة الموجودة لدى كثيرين بأن إتفاق الطائف يتضمن، إذا أحسنت قراءته وأحسن تطبيقه، آليات الانتقال إلى الدولة المدنية. والدليل السياسي على أن جعجع لا "يعود" إلى "الفكرة الفيدرالية"، هو أنه، وبعد الخطاب الشهير عاد إلى التشديد على الطائف. وعلى أي حال، هذا كان الجواب عن سؤال: لماذا "خلوة سيدة البير" الآن؟. ويبقى السؤال موجهاً إلى جعجع: أليس إستحضارك للخلوة من ضمن الإطار المشار إليه آنفاً؟. أليس هذا التقدير في محلّه وأنت القائل أمس بالذات إن "لا حلّ غير الطائف، والمسّ به قد يكون مساً بلبنان كله وقفزة كاملة في مجهول كامل، وأي إدخال للديموغرافيا سيقضي على كل منطق الطائف؟". إنتخابات 2009 مصيرية للصيغة والآن، السؤال الآخر: لماذا هذه المقدمات جميعاً؟. ليس خافياً أن الانتخابات النيابية المقبلة مصيرية على مستويات عدة. هي مصيرية لـ"إختبار" ما إذا كان لبنان لا يزال بلداً تمارس فيه العملية السياسية الديموقراطية دورياً كلّ أربع سنوات. وهي مصيرية من زاوية أن نتائجها ستحدّد التوازن السياسي في البلد. وهي مصيرية لجهة من يمتلك "السلطة". غير أنها مصيرية بالنسبة إلى مستقبل الصيغة اللبنانية بالدرجة الأولى. ربما يكون صحيحاً جداً القول إن فوز 14 آذار بالأكثرية النيابية في الإنتخابات المقبلة لن يحل "إشكالية" إستلامها السلطة، وذلك ما تفيد به تجربة السنوات المنصرمة منذ الإنتخابات الماضية عام 2005، على قاعدة أن 14 آذار إمتلكت الأكثرية لكنها لم تحكم، ولم تمكّن من الحكم. وذلك في ظل وجود "دويلة" مسلحة "على هامش" الدولة وفي موازاتها. أهمية فوز 14 آذار بيد أن فوز 14 آذار بالأكثرية النيابية مصيري من أجل إحباط "مشروع" إسقاط الصيغة، أي اتفاق الطائف. وفوز 14 آذار مصيري كي لا تكون إنتخابات العام 2009 آخر إنتخابات. وكي لا يدخل لبنان في "محنة" خطيرة. ولأن الإنتخابات المقبلة مصيرية بكل المقاييس، أي لأنها على هذا القدر بالنسبة إلى وجود لبنان، فهي "مفصلٌ" كبير للمنطقة العربية و"نظام المصلحة العربية"، وللمجتمع الدولي. ولذلك فإنّ حمايتها وضمان أمنها وأمانها، مسؤولية لبنانية ـ عربية ـ دولية مشتركة.
|
|