ضبط إيقاع زيارة سليمان لسوريا على وقع صراخ الدماء وإيداع المطالب الأمنية في صندوق البريد الطرابلسي
"أجندة" الأسد و"شروط" مخابراته و"مقوّيات" الإرهاب
الأمم المتحدة وبيلمار ينسقان ترتيبات الانتقال من اللجنة الى المحكمة بداية السنة
يُقال
المستقبل - الخميس 14 آب 2008 - العدد 3047 - شؤون لبنانية - صفحة 2
فارس خشّان
ثمة إجماع في لبنان على أن مدينة طرابلس تحوّلت، منذ التوقيع على إتفاق الدوحة، الى صندوق بريد توضع فيه الرسائل الأمنية لتصل الى عنوان المرجعيات السياسية التي يعنيها الأمر.وقد تمّت كتابة هذه الرسائل بالأحمر القاني لتضع نفسها على جدول أعمال مجموعة من الإستحقاقات، ومن بينها تلك التي عانى منها اللبنانيون، سواء عشية حلحلة العقد التي كانت تحول دون تشكيل الحكومة، أم عشية التوصل الى تسوية حول بند "المقاومة" في البيان الوزاري.وتأسيسا على تلك "الثوابت"، فإن قراءة الإنفجار الإرهابي الذي حصل في شارع المصارف في طرابلس، صباح أمس، تبقى مستحيلة إذا لم يتم ربط وظيفة صندوق البريد بالرسائل وبالتوقيت، فماذا عن كل ذلك؟من نافل القول ان رسالة طرابلس الدامية، جاءت على تقاطع تطورات في غاية الأهمية، ولعلّ أبرزها الآتي:أولا، إستبقت هذه الرسالة بساعات الزيارة التي بدأها، في ظل "تفويض" وطني قلّ نظيره، رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان لسوريا "متأبطا" جدول أعمال غير مسبوق في تاريخ العلاقات بين البلدين.ثانيا، هي تلت بساعات نيل حكومة تتشكل من نصفين أحدهما فقط هو "صديق لسوريا" ثقة سمحت للرجل الذي عملت دمشق وحلفاؤها في لبنان على حذفه من المعادلة السياسية، بالعودة الى السرايا الكبيرة بمراسم "التعظيم"، قبل أن تقلّه طائرته، اليوم الى الإسكندرية للإجتماع مع الرئيس المصري حسني مبارك الذي تجاهل، على رغم كونه كان يرأس مع الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي قمة إتحاد دول البحر المتوسط، نظيره السوري بشار الأسد في باريس وألغى زيارة لطرابلس الغرب كان يريدها الزعيم الليبي معمّر القذافي مناسبة للم شملهما. وثالثا، يأتي إنفجار طرابلس الإرهابي بعد خمسة أيام من مشهد نيابي "غريب"، بحيث بدت الأكثرية وكأنها في عزّ "انتفاضة الإستقلال" تستكمل جلسة الثامن والعشرين من شباط 2005، التي أنهاها تقديم الرئيس عمر كرامي إستقالة "حكومة النظام الأمني اللبناني ـ السوري"، فيما تصرفت الأقلية، من بوابة تأليه سلاح "حزب الله"، بتوتر المتوجس من خسارة كل شيء، الأمر الذي لم يتجلّ فقط في السلوكيات "المُخجلة" للنائب علي عمّار فحسب، بل استكمله "حزب الله" عبر كلاسيكيات "المنار" الإتّهامية، حيث كانت محاولة للألتفاف على المقنع في مواقف نواب 14 آذار، بنسبها الى "استرضاء أسيادهم الخارجيين".وهذه المحطات الثلاث، بدت هي المستهدفة برسالة طرابلس الإرهابية، بحيث يفرض الأمن في لبنان نفسه أولوية مطلقة على جدول أعمال الرئيس سليمان الذي بحصوله على حقيبتي الدفاع والداخلية، بات المعني الأوّل به، وبحيث ينقلب "التعظيم" للسنيورة الذي ينتمي الى "النصف غير الصديق لسوريا" الى مأتم وطني، وبحيث يأخذ صراخ الدم مكان الوهج الذي صنعه نواب 14 آذار في مجلس النواب، وألمعهم كان نواب الشمال بدءا ببترون بطرس حرب مرورا بطرابلس مصباح الأحدب وصولا الى ضنية أحمد فتفت.وعلى الرغم من الإختلاف الظاهر في هذه المحطات الثلاث، إلا أنها تبقى بكل معانيها الحقيقية مرتبطة بشكل وثيق بجدول أعمال الرئيس سليمان في زيارته لسوريا، فماذا عنها؟قبل دوي إنفجار طرابلس كان من الواضح دخول المخابرات السورية على خط القمة اللبنانية ـ السورية من البوابة الأمنية بالتحديد، ذلك أنّ رفع شأن ملف المفقودين السوريين في لبنان لم يكن في حقيقته سوى غطاء ركيكا للغاية من أجل الولوج الى عمق الملف الأمني في لبنان، لأنّ دمشق تعمل من أجل ربط نزاع بطريقة تنال من إستقلال لبنان وقراره الحر، من خلال الإدعاء بمسألتين وهما:أولا، إن إستمرار بعض كبار الضباط ممن أثبتت أعمالهم كفاءتهم في مراكز أمنية يعني تصميما لبنانيا على التسبب بمخاطر تلحق بالنظام السوري كما بالسوريين الموجودين في لبنان، وهنا يُمكن إدراج الهجوم (مواقع المخابرات السورية الالكترونية) على المقدم وسام الحسن رئيس فرع الأمن والمعلومات، وهو الفرع نفسه الذي قدم الرائد وسام عيد شهيدا بعد محاولة إغتيال إستهدفت المقدم سمير شحاده.ثانيا، في المفهوم السوري التوتاليتاري لا فرق بين الملف الأمني وملف الحريات الإعلامية، ما يفيد بأن النظام السوري يُقدم المسألة الإعلامية اللبنانية الى الواجهة الأمنية، ولذلك كان استباق زيارة سليمان بهجوم مركز من المخابرات السورية (أيضا من خلال مواقعها الالكترونية) على الصحافة الحرة في لبنان، وهي نفسها تلك التي يصفها رعاة الإعلام الحر في سوريا (!) بالصحافة المأجورة ويصفها روّاد "الغزل" السوري ـ الإسرائيلي بالصحافة العبرية الناطقة باللغة العربية.وهذا يفيد بأن النظام السوري، ووفق سلوكياته في أوائل السبعينات من القرن الماضي إبان ترؤس الرئيس الراحل صائب سلام للحكومة في عهد "صديق سوريا" الرئيس الراحل سليمان فرنجية، يريد ربط التأزم اللبناني ـ السوري بتمكينه من الولوج الى ملف الأمن في لبنان ومن ضمنه ملف الحريات الإعلامية، ولذلك يمكن فهم تعليق ملف المفقودين اللبنانيين في السجون السورية على شمّاعة المفقودين السوريين في لبنان، وهو ملف من المعيب أن تقبل السلطة السورية برفعه في مواجهة لبنان، لأن من سبق له واعتمد هذا "التوازي" في السبعينات لم يكن قد قُدر له بعد، أن يُسيطر على لبنان بشكل كامل ويُطبق على أنفاسه، سياسيا وقضائيا وأمنيا وعسكريا، بقبضة حديدية.ولأن مطالب أجهزة المخابرات عموما والمخابرات السورية خصوصا تبقى حبرا على ورق إن لم تُقترن بعمل ميداني مخيف، يُصبح في مرمى العين المجردة، مشهد التكامل بين رسالة المطالب التي وقعتها المخابرات السورية وبين الرسالة الإرهابية التي وقعها "مجهول" قبل أن يضعها في طرابلس بصفتها صندوق البريد المُعتمد.ويتيح هذا التكامل للنظام السوري، في أثناء زيارة الرئيس سليمان لدمشق، أن يحاول فرض "جدول أعماله"، فيدخل، مواربة أو مباشرة، على خط التعيينات الملحة في المؤسسة العسكرية التي تنتظر الأسبوع المقبل لمعرفة إسم قائد الجيش الجديد ـ وهو محور متابعة في الكواليس ـ ولمعرفة إسم مدير المخابرات الجديد ـ وهو محور "كباش" بين مرغوب به لبنانيا وبين مرغوب به سوريا.وهنا بالتحديد، تطفو الى السطح تلك الشروط السورية التي تضمنتها "المبادرة السعودية" في أوائل العام 2006، حيث برزت نقاط عدة، يبقى أبرزها حاليا ما سمي "ضرورة التنسيق الأمني بين البلدين"، ومعناه بالقاموس السوري السماح للمخابرات السورية بوضع من تثق بهم في المراكز الأمنية الحساسة.يومها عملت المملكة العربية السعودية ـ كما الرئيس سليمان حاليا ـ من أجل "تطبيع" العلاقات اللبنانية ـ السورية في محاولة منها لوضع حد لمسلسل الإغتيالات، المعروف حلّة ونسبا، بعدما ضمّ الى ضحاياه آنذاك النائب الشهيد جبران تويني.ومن شأن هذا الدخول السوري على الخط، أن يؤثر سلبا على طموحات رئيس الجمهورية، لأن العماد ميشال سليمان الذي يريد أن يُوفّر الإستقرار، من خلال إرساء توازن بين علاقة طبيعية مع النظام السوري من جهة وبين البر بقسم الحفاظ على إستقلال لبنان من جهة أخرى، سيجد نفسه أمام المعادلة السورية التقليدية حيث الإستقرار في لبنان لا يعتاش إلا من دماء الإستقلال والسيادة والقرار الحر.ولكن، لماذا لا يُدرج إنفجار طرابلس في إطار آخر؟ينطلق هذا السؤال من الآتي:أوّلا، الظلامة التي يستشعرها الإسلاميون بسبب وضع مئات منهم في السجون والتحركات الإحتجاجية التي يقومون بها في الشارع اللبناني وفي سجن رومية المركزي.ثانيا، من طريقة تنفيذ العمل الإجرامي، بحيث تبدو أنها أقرب ما تكون الى تلك التي استهدفت حافلتي عين علق في 13 شباط 2006.ثالثا، إدراجها في سياق الأعمال الإنتقامية التي تستهدف المؤسسة العسكرية بعد العملية العسكرية ضد الإرهابيين الذين استظلوا مخيم نهر البارد للاجئين الفلسطينيين.العارفون بحقائق الأمور يسارعون الى استسخاف أصحاب هذا الطرح لثلاثة أسباب وهي: أوّلا، إن أهالي الموقوفين يُنظمون إعتصامات واضحة سلميتها، كما أن الموقوفين أنفسهم، يتّبعون طريقة غاندية بحيث خارت قواهم بفعل الإنقطاع عن الطعام وتمّ نقلهم تباعا الى المستشفيات إنقاذا لحياتهم، وتاليا يستحيل على من يعمل لإثارة العاطفة اللبنانية لمصلحتهم أن يلجأ الى ارتكاب جريمة بحق المؤسسة العسكرية، بحيث تنعكس سلبا على كل طموحاتهم وتضحياتهم وتضع حدا للمساعي الرامية الى الإفراج عنهم.ثانيا، إن التحقيق أثبت بما لا يترك أي شك أن المحاولة العنفية الوحيدة التي شهدتها إعتصامات أهالي الموقوفين الإسلاميين كانت في طرابلس بحق النائب مصطفى علّوش، وقد وقّع عليها شخص ينتمي الى مجموعة العرعور التابعة أمنيا للمخابرات السورية. ثالثا، إن الرئيس سليمان ومخابرات الجيش اللبناني والقضاة الذين حققوا في جريمة عين علق يعرفون تماما ما يعجزون عن الإفصاح به علنا، ومفاده أن المجموعة التي ارتكبت جريمة عين علق هي مجموعة مرتبطة بالمخابرات السورية، ومن يُدقق بالقرار الإتهامي الصادر عن القضاء اللبناني تستوقفه "التلمحيات"، ومن يُراجع ما سبق وقاله، ثلاث مرات، مدير المخابرات في الجيش اللبناني العميد جورج خوري في مجلس الوزراء يُدرك أن هناك وجهتين لعملة "فتح الإسلام" الواحدة، وجها، وهو المتحرك أمنيا، مرتبط بالمخابرات السورية، ووجها آخر مرتبط عقائديا بتنظيم "القاعدة".