الجمعة 3 أيلول 2010

ص7ص6

أسلحة من كل العصور وفضيات وعملات قديمة

متحف منزلي في البقاع يضم مئات القطع الأثرية


أعاد الأمل إلى الزراعات الصيفية بعد غيابها سنوات طويلة

نبع عدّوس يتدفّق في سهل بعلبك



أسلحة من كل العصور وفضيات وعملات قديمة

متحف منزلي في البقاع يضم مئات القطع الأثرية

المستقبل - الجمعة 13 شباط 2004 - العدد 1521 - تحقيقات و مناطق - صفحة 6


أحمد كموني

قد لا يكون الوحيد من هواة جمع التحف والقطع الأثرية في لبنان، وربما هناك من بزه في هذا المضمار، وتفوق عليه في جوانب معينة. إنما الامر المؤكد أن سليم عراجي، إبن بلدة برالياس البقاعية، واحد من الاشخاص المعدودين الذين تميزوا باعطاء هذه الهواية معظم أوقاتهم، إن لم نقل الحيز الأكبر من حياتهم واهتماماتهم، وبالتأكيد من أموالهم وأرصدتهم المتواضعة. وسليم الذي تقاعد من إحدى الوظائف العامة ليتفرغ لمتابعة هوايته، ومعها رعاية أسرته المؤلفة من زوجة وثلاثة أبناء، أحدهم دخل معترك الحياة العملية، حوّل منزله المؤلف من طبقتين متحفاً حقيقياً ازدحمت غرفه بالفترينات التي ضمت في داخلها مئات القطع الأثرية الضاربة في القدم. ويبدو أن صاحبنا العاشق للتاريخ، لم يوفر جدران منزله وأروقته الداخلية ومتختاته، وحتى غرف النوم، لعرض ما ندر من القطع الأثرية التي أثارت شهية كبار المهتمين باقتناء الآثار (وفق ما ردده أمامنا غير مرة).
ما سر هذه الهواية؟ وما الفائدة من تفضيله إياها على فرص عمل عرضت عليه ورفضها؟ وهل يعتبرها مصدر رزق؟ وهل تستحق كل وقته؟ وأسئلة اخرى لم توفر صحة ندرة ما يقتنيه وطموحه، بعدما أمضى نحو 45 عاما في السعي لاغناء مجموعته. يرد سبب شغفه إلى مطلع مراهقته، وإلى أجواء المنزل الذي ترعرع فيه. ويحاول استعادة الصورة التي أحاطت به حينذاك، إذ كانت القطع الأثرية تزين بعض جدران المنزل. "صحيح أن معظمها يخص العائلة وتاريخها، وبعضها من الادوات الزراعية التي تحاكي تلك المرحلة، إلا أنها شكلت أساس علاقتي باقتناء التحف والأثريات، حرصا مني على منعها من الاندثار وتكريماً لتاريخ العائلة والمنطقة".
ويتابع، "لاحقاً تحولت هذه العلاقة شغفاً وحباً مدعماً بدراسة ذاتية أنتجت خبرة يشهد لها كل من يتعاطى بهذا الحقل". وبعيداً عن المراحل التي حفلت بالكثير من القصص عن كيفية حصوله، على ما شكل في النتيجة متحفاً حقيقياً، مع التأكيد أنها تظهر مدى تضحيته في سبيل اقتناء النادر والمميز. ولأن كل قصة تحتاج إلى صفحات مستقلة لأهميتها وطرافة بعضها، وكي نتعرف على مكنونات المنزل ـ المتحف، نتابع مع سليم عرضاً للموجودات أحب استهلاله بالبنادق القديمة، وعددها يفوق المئة، من دون احتساب المسدسات الآلية التاريخية. يقول، "أفتخر بانني كّوّنت مجموعة تمثل مراحل اختراع البندقية الآلية والتي يؤرخ لبدايتها بالعام 1310. تلك المرحلة عرفت البندقية التي يطلق عليها العامة اسم (أم فتيل) حين كان إعداد البندقية لاطلاق طلقة واحدة يحتاج الى عشرة دقائق. وهناك مجموعة العهد الثاني من البنادق والمعروف بـ(عهد الصوان)، ويسمي العامة هذا النوع بـ(بارودة أم صوان). والعهد الثالث عهد البندقية التي استخدم في تشغيلها (الكبسون)، حسب العامة. ومن ثم تطورت البندقية الآلية إلى ما وصلت إليه الآن".
ولأنه لم يتوقف عند اقتناء الأنواع السابقة من الأدوات التي كان جنود كل مرحلة يستخدمونها، فقد حرص وبعد متابعات دامت ثلاثة عقود، على الحصول على أدوات وقطع مثل القبعات العسكرية القديمة (عربية وفرنسية وانكليزية) وغيرها، إضافة إلى سيوف ورماح ونبال وحراب ودروع وقوس نشاب وراجيدية، وهي نوع من الرماح، وبلطات وأدوات حربية كانت مستخدمة منذ التاريخ الذي تحدث عنه. الى المجموعة السالفة الذكر، تتوزع بنادق الصيد القديمة في مجموعات متناسقة في غرف المنزل إلى جانب الأدوات الملحقة بكل بندقية، فتجد الاواني الخاصة باستيعاب البارود والخردق، وجعب الخرطوش ومطرات المياه، وقبلها الجراب، وغير ذلك من الادوات. وليس بعيدا عنها، اصطفت عشرات المسدسات القديمة المعروفة بـ(الطبنجة) ويرجع تاريخ بعضها الى القرن الثامن عشر. وسليم لم يحصر اهتمامه بالمقتنيات العسكرية، على أهميتها التاريخية والمعنوية خصوصاً إذا علمنا أن من بينها سيوفاً أثرية ضاربة بالقدم بعضها يحمل كتابات تدل على مرحلتها، بل شملت اقتناءه مجموعات نادرة من الفضيات( نحاسيات وعاجيات) وعملات إسلامية ورومانية وعثمانية وأخرى لحضارات سابقة. وارتاحت إلى رفوف خشبية أدوات كانت تستخدم في الاعمال الزراعية مطلع القرن المنصرم. وإلى مقربة منها، اصطفت مطاحن بدائية لصنع القهوة وهاون لطحن الهال وصناديق مصنوعة من خشب الأرز مطعمة بالفضة.
ويعتز سليم بالمجموعات النادرة من المسابح وجلود الحيوانات والنراجيل في متحفه. ويضيف، " بين الموجودات كتب عمرها قرن ونصف القرن إلى جانب مجموعة كبيرة من الطوابع لكل واحد منها قصة".
من الصعب إحصاء ما يختزنه متحف سليم الذي خصص حيزاً واسعاً لأجران الكبة والمحادل التي كانت تستخدم في تسوية أسطح المنازل الترابية، وهناك طيور محنطة وخوذات متنوعة. وهو يواصل سعيه لزيادة المجموعات على اختلافها، والسبب كما قال "لقد نذرت حياتي في سبيل هذه الهواية التي أعشقها عشقي لتاريخ بلادي ومنطقتي. والأكيد أني سأتابع بقية حياتي في المحافظة على ما جمعته وتعزيز النواقص، هذا همي الآن".
أما كيف استطاع الوصول إلى هذا الكمّ من المقتنيات على الرغم من تواضع امكاناته المادية، فيفسره بالآتي: لقد ضحيت بكل ما أملك من مال في سبيل ذلك، ووقتي ملك لهذه الهواية، ولن أبخل في المستقبل، فهذا ما سرت عليه منذ نعومة أظافري". ويرفض أي كلام عن بيع ما يملك من قطع، معتبراً انه "بخيل جداً" بهذا الموضوع. ويقول "زارني المئات من الأجانب المهتمين، وفشلوا في إقناعي ببيعهم قطعاً أعجبتهم. لا بل أن بعضهم عرض عليّ مبالغ كبيرة ورفضت. وهناك شخصيات رسمية من نواب ووزراء، جربوا من دون جدوى. أنا بخيل بالنسبة للتخلي عن قطعي". هذا الإصرار على الاحتفاظ بمقتنياته الأثرية لا ينسحب على موقفه من اقتراح تقدم به عدد من المقربين منه باقامة متحف عام في بلدته بر الياس. فهو يرحب بمشروع كهذا، ويعتبره حيويا للبلدة وكل المنطقة. ويقترح أن تهتم وزارة الثقافة بالتعاون مع الاندية والجمعيات في البلدة ومجلسها البلدي في إخراج مشروع إقامة متحف خاص لما كوّنه طيلة عمره، يكون في متناول العامة، شريطة أن لا تباع أي قطعة لا بل أن يدعم من خلال رفده بكل ما يغنيه. ويؤكد "لا أريد توريث أي شيء من متحفي لأولادي. ليس عندي أي سعي لتحقيق مكاسب مادية. على العكس تماماً، فليطرح مشروع عام، وأنا على استعداد للسير به الى النهاية، بل للتبرع بقطعة أرض لتشييد متحف عليها في حال تم تبني الفكرة".
هذا الموقف غير مستغرب خصوصاً إذا علمنا أنه طرحه منذ مدة في بلدته، وهذا ما أكده رئيس نادي النهضة فيها، محمد فهد عراجي، الذي وصف مبادرة سليم بالرائعة لأنها تعبر عن حرصه على تاريخ بلدته ومنطقته وتراثهما، وتعطي مثالاً لما يجب أن يكون عليه التعامل مع آثارنا وتاريخنا.

ارسل هذا المقال الى صديق اطبع هذا المقال



 



 

 
الصفحة الأولى | شؤون لبنانية | تحقيقات و مناطق | مخافر و محاكم | بزنس | المستقبل الإقتصادي | شؤون عربية و دولية | رأي و فكر | ثقافة و فنون | رياضة | الصفحة الأخيرة
ملحق المصارف ... | رياضة | بزنس | شباب | أهْوَاء | ارشيف و بحث | نوافذ | PDF A4 Version | PDF Full Version
 contactus@almustaqbal.com.lb : اتصل بنا
الشركة العربية المتحدة للصحافة - جريدة المستقبل - © جميع الحقوق محفوظة 2005