|
الياس الصباغ (❊) “ستين عمرها.. ما تتم المصالحة “ قالها رئيس “تيار المردة” النائب السابق سليمان فرنجية في 21 من شهر تشرين الأول الحالي. هكذا بكل الثقة بالنفس وبرودة الأعصاب وارتياح وتصميم وعزم اطلق الوزير فرنجية هذا الموقف في معرض حديثه عن محاولات المصالحة التي تقوم بها جهات عدة ولا سيما “الرابطة المارونية” بين المسيحيين ولا سيما بين “تيار المردة” و”القوات اللبنانية” على اثر اجتماع النواب الموارنة الذي عقد لهذه الغاية. ومما قاله ايضاً: “المصالحة التي تتم وفق شروطنا فأهلاً وسهلاً بها”. وشروط فرنجية تبدأ بتأليف لجان تحضر للاجتماع وللبيان الذي سيصدر عنه ولا نعرف بماذا تنتهي. ولكننا نعرف انه منذ بدء الكلام عن محاولة المصالحة بين الجانبين حكي اولاً عن عقدة رعاية هذه المصالحة. هل تتم برعاية البطريرك الماروني أم لا؟. وعندما تم حل هذا الشرط بأن تكون برعاية رئيس الجمهورية، برزت عقدة أخرى وهي مكان الاجتماع. وعندما تم الاتفاق على ان تكون المصالحة في قصر بعبدا وبرعاية رئيس الجمهورية وبمباركة البطريرك الماروني، برزت عقدة جديدة وهي اصرار الوزير فرنجية على ان تتم المصالحة بمشاركة وحضور رئيس “التيار الوطني الحر” ميشال عون، مع ان هذا الأخير صرح انه غير معني بهذه المصالحات وهو ليس على خلاف مع أحد. ومع ذلك اصر الوزير فرنجية على موقفه. وبعد تجاوب رئيس الهيئة التنفيذية في “القوات اللبنانية” جعجع مع هذا الشرط ووافق على مشاركة عون، فوجئ اللبنانيون بشروط جديدة للوزير فرنجية. وهكذا من شرط معلن الى شروط مستورة غير معلنة. وأول هذه الشروط هو تاليف لجان. ومع أهمية ان تؤلف لجان لدرس مواضيع الاختلاف وطرق معالجتها ووضع اسس سليمة للعلاقة بين “تيار المردة” و”القوات اللبنانية” ووضع الحلول الجذرية لكل اسباب الخلاف بينهما، فيأتي اجتماع الزعيمين عندها ليكرس هذا الاتفاق. ولكن اللبنانيين يتساءلون في ما بينهم لماذا لا يجتمع القادة أولاً ويتفاهمون على المبادئ الأساسية ويضعون الخطوط العريضة للعلاقة المستقبلية بينهما ويأتي بعدها دور اللجان لتناقش الأمور التفصيلية. ومعلوم انه في بلادنا، الزعماء والقادة يتخذون القرارات، وما يقررونه ينفذه من هم ادنى منهم. هذا من جهة، ومن جهة أخرى ماذا لو اصبحت هذه اللجان سبباً اضافياً للاختلاف بدل ان تكون سبباً للمصالحة. بمعنى آخر من يضمن ان لا يضع فرنجية شروطاًً جديدة حول مستوى هذه اللجان. فتكثر عندها الاجتماعات وتطول المناقشات ويطول الانتظار وتؤجل المصالحة الى آخر الزمن. فتتحول هذه المفاوضات الى ما يشبه المفاوضات التي جرت خلال حرب فيتنام في الستينيات من القرن الماضي بين الأميركيين والفيتكونغ في باريس حول وقف الحرب. في اللقاء الأول لهذه المفاوضات وقف اعضاء الوفد الأميركي على احد جانبي طاولة المفاوضات ووقف اعضاء الوفد الفيتنامي على الجانب المقابل من الطاولة، دقائق قليلة، دون ان يصافحوا بعضهم بعضاً ودون ان يتكلموا مع بعضهم ولا حتى ان يلقوا التحية على بعضهم ثم انصرفوا، كل وفد من الباب الذي دخله. وهكذا انتهى الاجتماع الأول بين الوفدين. وتعددت بعدها الاجتماعات وطالت المفاوضات في الوقت الذي كانت فيه قاذفات القنابل الاميركية بــ 52 تقصف هانوي بالقنابل الثقيلة والحرب الدائرة في فيتنام تحصد مزيداً من القتلى وتسبب مزيداً من الدمار والخراب. ليس اسهل على زعيم او قائد من ان يقود شعبه الى الحرب والقتال فيوصله الى الدمار والهلاك. والأمثلة على ذلك كثيرة في لبنان وفي غيره من البلدان ولا حاجة الى تعدادها وتسميتها. ولكن البطولة والشجاعة هي من صفات القائد أو الزعيم الذي يقود شعبه الى السلام فيوطد علاقات الاخوة والمحبة والمواطنية بين ابناء الوطن الواحد وعلاقات الصداقة والسلام بين شعبه والشعوب الأخرى، القريبة منها والبعيدة. وهكذا ترتقي الأمة وتحتل مكانتها التي تستحقها بين الأمم. لقد شبع اللبنانيون لا سيما المسيحيين منهم حتى التخمة من سياسة المخاصمات والمشاحنات السياسية والاقتتال التي ينتهجها ويهواها بعض زعمائهم، ولم يعد لهم قدرة على احتمال هذا الدلع والغنج من أصحاب هذه السياسات وهذه الهرطقة في علم السياسة وحكم الدولة. ولكن مع ذلك، لعل من المفيد ان نوجه الى هؤلاء القادة ما قلناه في مقالة سابقة على هذه الصفحة: “ان لم تتصالحوا... على الأقل لا تتقاتلوا”. () كاتب
|