افتتاح "أيام بيروت السينمائية " في دورته الخامسة بفيلم "سمعان بالضيعة " لسيمون الهبر الحياة لبعضهم تبدأ عند المغيب المستقبل - السبت 18 تشرين الأول 2008 - العدد 3109 - ثقافة و فنون - صفحة 21
|
|
|
ريما المسمار توازي السنوات الخمس التي قضاها المخرج سيمون الهبر في إنجاز فيلمه "سمعان بالضيعة" ربع قرن من الحرب والتهجير والمصالحة والعودة "مع ايقاف التنفيذ". تتحول تلك السنوات الخمس زمناً سينمائياً خاصاً يختزل الزمن الواقعي بثقل وتأثير يفوقانه. تعلن كاميرا الفيلم ان الحياة التي تحياها المدينة بما هي اختزال للبلد ليست الشكل الوحيد الممكن للحياة. بل ربما، تقول الكاميرا او تقترح، ثمة حيوات مخبأة في أماكن أخرى يحجبها الضباب او الثلج او الهجر التي على قسوتها أحياناً تحمي أماكنها من الدود الذي ينخر حيوات أخرى أقرب الى نظرتنا المعهودة عن العيش والحضارة والمدنية. وتمضي الكاميرا في استكشاف ذلك المكان بل انها تسعى أن تصير جزءاً منه عيناً عليه ومنه. تستحيل مقاربة فيلم الهبر من دون اجتراح شعرية مؤرقة تعتصر القلب كالتي تظلل مشاهده وتغشي عدسة كاميراه. أساساً ما كان يمكن لهذا الفيلم ان يكون لولا تلامس رحلتي المخرج والعدسة الى حد التعشيق الذي لا يترك للمشاهد منفذاً الى العمل سوى الانزلاق على دروب نسجها المخرج بالصورة والصوت والكثير الكثير من ملامسة الذات واستنطاقها. هذا كله وليس في الفيلم ما هو روائي متخيل او حكاية فيها من الاضافات والخيال ما يعجب العقل له. الفيلم وثائقي بالتسمية والتعريف ولكنه يسكن السينما بامتياز وفيه من قدرتها على تحريك الخيال وفطرالقلب ما تعجز عنه افلام كثيرة روائية بالتسمية والتعريف ايضاً. هل هو سحر المكان؟ ام فرادة الحالة؟ ام معجزة الحياة؟ ليس هناك من اجابة سهلة ومباشرة لهذا السؤال الا في اختزالها بما يمكن ان نفسره بانه قدرة المخرج على تظهير رحلته الذاتية الخاصة الى الشاشة من مرشح السينما فقط. لا اضافات ولا تفسيرات ولا تحليلات ولا منطقة للأشياء في هذا الفيلم. انه بكلام آخر السهل الممتنع بامتياز أو أن تكون الاشياء ناطقة بذاتها وأن يكون سبيلها الينا غلالة أقل غشاوة من ضباب الفجر وأكثر نقاوة من نداه. الكاميرا وسيط روحي ليس الا والشاشة حياة تخفر امامنا ببطئها اللذيذ كدبيب الخمر في العروق. والنتيجة فيلم يسري تحت الجلد حاملاً مشاهده الى مناطق ـ بالمعنيين الحسي والمجازي ـ يستحيل التدليل عليها بالكلام اوالعقل. في نصف ساعة أولى من زمن الفيلم الفعلي، تدور كاميرا سيمون الهبر في محيط قرية "عين حلزون"، قرية الرجل الواحد كما يشير العنوان بالانكليزية، المهجورة منذ العام 1983 على أثر حرب الجبل والتهجير المسيحي. انها قرية المخرج التي يعود اليها من دون اعلان واضح عن بحثه عن جذوره ولكنه في الغالب يفعل ذلك من دون وعي سوى وعي عدسة الكاميرا التي تتولى عملية البحث والرصد والفرجة والتأمل. انها الوسيلة بامتياز الاقرب الى وسيلة نقل أو دابة تسير على دروب وعرة تعرفها بالغريزة. للمخرج صلة وصل أخرى بالمكان هو عمه "سمعان" الذي قرر قبل عشر سنوات ان يعود الى القرية ويستقر فيها وحيداً كأنه ذلك الرحالة الذي يطأ أرضاً بكراً مستكشفاً إمكانية الحياة على بسيطتها. ولكنه ليس مروراً عابراً بل هو عزم على ترويض المكان والطبيعة ما يقوم به "سمعان" منطلقاً من ان الحياة ممكنة وان كانت مونولوغاً او مونودراما او عزفاً منفرداً. سمعان هو تماماً "وان ـ مان شو" او "رجل العرض الواحد". كيف لا وهو يجترح الحياة كل يوم مربياً الابقار والدجاج والنباتات كأنه يحرث الوعر ويمهد الطريق للعائدين بحذر وخوف من وحشة المكان المقفر فيغادرونه دوماً قبل الغروب معلنين من جانبهم دورة حياة مختلفة تنتهي في تلك البقعة مع أفول الشمس. وحده "سمعان" يجلس عند المطل يشاهد ذلك الغروب. هو شاعر الرومنسية في ذلك المكان، ينصت الى سكونه وعتمته كأنه يشهد في كل يوم على معجزة لا تنفك تخترع نفسها. أو يشرب قهوته ويمج سيجاراته المتتالية ويرقد بعد تعب نهار طويل بما هي افعال تكتسب بعداً مختلفاً في اجتزائها من دورة الحياة المدينية. اذ تشكل يوميات "سمعان" في مزرعته وداخل منزله الجزء الاكبر من الفيلم، يغدو محيطه اختزالاً للقرية تماماً كما انه هو اختزال لأهلها. والكاميرا في ذلك النحت في المكان كأنما تشبع دهشتها تجاه حياة لم تألفها فتمعن في التقاط التفاصيل وتسجيل الزمن كأنها تقوم باختبار لامكانية العيش هكذا. وهي ايضاً رغبة غير بعيدة من احساس المخرج تجاه عمه ومن دهشته من قدرة ذلك الرجل على تدبر أمره هكذا وحيداً كأنه مقتلع من الحياة نفسها. مفارقة غريبة عن رجل يقتلع نفسه من الحياة السائدة ليغرسها مجدداً تماماً كما يثقتلع النبات من مكان ويغرس في مكان آخر لينمو بشكل أفضل ويتجذر بقوة. لا تغيب أسئلة المخرج المباشرة الى "سمعان" عن بديهيات مثل الوحدة والزواج والملل والخوف والندم... وهو اذ يبددها ببساطة رجل قروي قنوع انما يحملنا على مساءلة ذاتنا حول معنى الحياة وفحواها. الشيء الوحيد الذي يؤرق "سمعان" هي ذكرى والديه الراقدين في باحة البيت تحت ترابها. ذكرى لا يبوح بالكثير عنها ولكن طيفها لا يفارقه كما لا يفارق الفيلم من خلال صورة فوتوغرافية تجمع والديه ـ اي جديّ المخرج ـ نفهم قبيل النهاية انها مركبة لأن ما من صورة جمعتهما قبل مماتهما. تحيل فكرة التركيب هذه على اشياء أخرى كالمصالحة التي مازالت حتى اليوم صورة مركبة. والذاكرة.. ذاكرة المكان وأهله التي تتركب على مهل في الفيلم من نتف كلام وصور. شخصيات قليلة تدخل على خط السرد تبدو على تواطؤ غير واعٍ مع المخرج وفيلمه على البقاء في ذاكرة المكان كما تكشفها السينما وليس كما يحكيها الافراد. بخجل وكلمات متفرقة يحكي بعضهم من زوار النهار الذين يفلحون أرضهم وزوار المواسم الذين يأتون في موعد قطاف العنّاب عن بيوتهم المهدمة وارضهم المهملة وتهجيرهم واقاماتهم "الجبرية" في حيوات أخرى. هم انفسهم لا يعرفون ما اذا كانوا قادرين على العودة. الجرح مازال نازفاً كما تدلل شهاداتهم القصيرة المتقطعة التي تبتعد من ادانة اي طرف سوى ذاك المتفق على شره المطلق من الجميع. ولكن أحداً لا يستطيع أن يمنع الكاميرا من تسجيل ذاكرة ذلك المكان بكل فراغاتها وثقوبها. فهي اذ تجول داخل سيارة "سمعان" في الشوارع وتلتفت يسرة ويمنة الى بقايا البيوت انما تسجل أطلال ذاكرة لن تكتمل من دون المكاشفة والمراجعة للتاريخ القريب للافراد والاحزاب والسياسيين. دائماً يبعث المغيب على الحزن ويخلف غصة لاسيما اذا اقترن بصورة تذكارية كحفل الغداء الذي يقيمه "سمعان" لأخيه وعائلته في مناسبة العيد الكبير. هم ايضاً يغادرون قبل المغيب كما على كاميرا الفيلم أن تفعل منسحبة في حركة خلفية سريعة على ايقاع أغنية "حسدونا العالم على ضيعتنا" (ديو غنائي لوديع الصافي وصباح) كأنهاتركت جزءاً منها هناك حيث "سمعان" يعلن كل يوم امكانية الحياة لمن يريد ان يسمع ويفهم.
|
|