بين البديهيات المفترضة و"البديهيات" المفروضة بول شاوول المستقبل - السبت 26 تموز 2008 - العدد 3029 - الصفحة الأولى - صفحة 1
عندما عُقد مؤتمر الحوار الأول بمشاركة زعماء الطوائف، وكانت نشراته اليومية "مريحة" تنمّ عن روح "أخوية" (أو أرواح سيان) عالية من التفاهم الوطني حول المعضلات "العضوية" والتاريخية التي يشكو منها الوطن، إثر خروج الجيش السوري من لبنان، وإثر نجاح 14 آذار في الانتخابات النيابية، كاد اللبنانيون يصدّقون ويطمئنون و"يضحكون في عبهم" بأن الأمور تسير في الاتجاه الصحيح، وأن الدولة لا بد، بعد هذا التضامن الداخلي، أن تنتصر بمؤسساتها الديموقراطية والسياسية وبدستورها وميثاقها. تمّ الاتفاق عندها على الأمور التي اعتبرت "بديهية" من القرار 1701 والمحكمة وترسيم الحدود بين لبنان وسوريا، وعدم استخدام "السلاح" الحزبي في الصراعات الداخلية والسلاح الفلسطيني خارج المخيمات! عال! فابشروا! مع هذا، تُوّج المؤتمر بحرب إسرائيلية على لبنان، إثر عملية حزب الله داخل ما يسمى الخط الأزرق، وكان ما كان، وافرنقع القوم، وشُغل اللبنانيون بالعدوان وآثاره المدمرة ثم بإعلان انتصار الحزب وما تلاه من تداعيات تلخصت في سيل من الاتهامات ضد الحكومة و14 آذار ومعظم الشعب اللبناني أقلها التواطؤ مع العدو وأفدحها الخيانة والعمالة... إلخ. إذاً أول مؤتمر حوار "أثمر" استفراد الحزب بقرار الحرب والسلم وإعلان العصيان المسلح ضد الناس والدولة، والبدء بتنفيذ مخطط انقلابي شامل كان نذير حرب أهلية (ولو مؤجلة)، تُوّج بغزو بيروت واعتداء على المناطق والجبل بسلاح حزبي ارتدادي... وإعلان انتصار آخر نخشى أن يكون كالانتصار على إسرائيل، وسط الحرائق وتهجير الناس والخطف والقصف... اليوم بعدما انتخب رئيس التوافق ميشال سليمان بالإجماع، وأُلّفت حكومة الوحدة الوطنية، بعد لأي وضغوط من مكوّنات "مؤتمر الدوحة"، جاء دور البيان الوزاري ليجيء بعدها دور مؤتمر وطني آخر (الله يستر!). واللافت كأن حرب تموز المظفرة أدت (بنتائجها الكارثية) الى تجميد أو إبطال أو تعديل مقررات المؤتمر الأول. ويجيء المؤتمر الثاني العتيد (بإذنه تعالى) ليجمّد (ربما) وليعدل نتائج مؤتمر الدوحة. ونظن أن مؤتمر الدوحة تمّ على أساس "لا غالب ولا مغلوب" (حتى بوجود أكثرية غالبة ديموقراطياً وشعبياً عبر الانتخابات النيابية!) ولكن على أي أساس سيكون مؤتمر الحوار المزمع عقده: أبديلاً من مقررات الدوحة أم بديلاً من مجلس النواب؟ أبديلاً من الدوحة أم بديلاً من الاستحقاقات الدستورية أم امتداداً لها؟ وقد ألمح العديد من أهل المعارضة أنه إذا تمّ الاتفاق على خطاب القسم، ومقررات الدوحة (وربما قبلها الطائف) وما بينهما المؤتمر الحواري الأول، فلماذا يجب إثارة بعض المواضيع الحساسة التي اتفق عليها بالإجماع؛ وبعضهم اقترح أن "يؤجل بحث بعض هذه الأمور أملاً بالاتفاق على بيان ممهد لا يثير "الحفائظ" ولا "المحافظ" ولا "جبخانات" الأسلحة التي وجهت الى اللبنانيين، ولا الكانتونات، ولا حدود الدولة ولا مساحة سلطتها وسلطانها وحضورها، ولا أي بندقية خارج بنادق الشرعية! يعني علينا "التسليم" بـ"البديهيات" المفروضة على حساب "البديهيات المفترضة". وهذا يعني أن كل شيء يبدأ من اللاشيء. وأنّ ما سبق أن اتُفق عليه لم يُتفق عليه، وأن ما لم يُتفق عليه لن يُتفق عليه. فوازير وحيص بيص وضرب كم ولعبة 3 أوراق... أصفار تطلع من أصفار وأشخاص يطلعون من أصفار، ومقررات تطلع من أصفار فإلى أصفار. ونبقى في زمن الأصفار في مهب الأصفار. ونبقى حيث نحن تحت: وكل البيانات والاتفاقات والنيات (النظيفة النظافة المستنظفة) والمصائر فوق تطفو علينا كغيوم من الأوراق والكلمات والخطب والأطياف والأشباح. فالقضايا الجوهرية تبقى في الباطن محظورة، والكلام الفائض يكون بديلاً منها: وعندها، واستطراداً تكون المؤسسات التشريعية والتنفيذية غيوماً تمطر أوراقاً، والمؤتمرات سيولها، ويبقى "الأمر الواقع" تحت رحمة الأمر اليومي الآتي من خارج المؤسسات والدستور وتالياً من خارج البلاد! قال النائب الصديق سمير فرنجية أخيراً في أحد لقاءاته: "إننا ننتقل من الدفاع عن الدولة الى بناء الدولة". عال! كلام بديهي وصادق من رجل استقلالي ومدني ديموقراطي وأكثري. لكن كيف يمكن الانتقال من مرحلة الدفاع عن الدولة الى مرحلة بنائها إذا كانت الدولة ما زالت خارج بديهيات البعض، وتشكل بالنسبة إليهم تهديداً لسلطتهم ولهيمنتهم (المسلحة) خارج أي اقتناع بوجود الدولة؛ كيف نحاول بناء دولة إذا كان بعضهم لا يعترف لا بحدودها، ولا بوجودها، ولا بسلطتها، ولا بدورها، ولا بكونه جزءاً منها، أو حتى رديفاً لها... بل على العكس: هي جزء منه، ورديف له، وتابع له. فهل نبني شيئاً غير موجود بالنسبة الى أناس "موجودين" لا سيما إذا كانوا يتوجون أنفسهم بانتصارهم "المستقل" عن الدولة والشعب. فالمسألة في البيان الوزاري ليست بنوداً يتفق عليها، أو تؤجل أو تموّه أو "تؤكل" أو تستوعب. وليست المسألة في اتفاق على هذه النقاط دون سواها، (يستعد ميشال عون للانتصار داخل الحكومة على الحكومة! ميشال عون ما غيرو أمير "الانتصارات الأبدية" فلا تنسوا!). المسألة كأن الوزارة تمثل دولتين "مستقلتين"، ومؤسستين مستقلّتين، وبنيتين مستقلتين: دولة حزب الله ولفيفه من 8 آذار (أوعا تنسو أبو الميش الذي كان يرى أن سلاح حزب الله تقسيمي! ثم لحس زلاعيمه)، ودولة أهل الدستور والسيادة والاستقلال والديموقراطية والقانون. فكيف يمكن. أن نجمع دولتين أو أكثر في وزارة واحدة، ومن ضمن بنود الدولة الواحدة. وهنا تأتي مسألة سلاح حزب الله، لا لأنه سلاح فحسب (وقد استخدم ضد العُزّل واقتحم مناطق وغزا العاصمة بل لأنه مرتبط بدويلة حزبية تعلن نفسها فوق الدولة، ومرتبطة بوصايتين (حتى إشعار آخر) وها هم أهل الدويلات يطالبون من البيان الوزاري بأن يكون "توافقياً" بين دولة لبنان الشرعية، وبينهم كوكلاء دويلات أخرى. ولهذا يتمسك حزب الله بسلاحه وهو يعرف أن مزارع شبعا يمكن أن تحرر بطرق غير حربية أي تفاوضية (كما تجري حالياً بين سوريا وإسرائيل وبين إيران وأميركا..!). ولهذا، يريد جماعة 8 آذار أن يموّهوا "دور" البيان الوزاري، لتمويه قرارات مؤتمر الحوار العتيد، تماماً كما موّهوا قرارات مؤتمر الحوار الأول الى الحرب والسلاح والانقلاب. وتماماً كما موّهوا قرارات الدوحة في انتظار تمويه مؤتمرات "مجهولة" تمهيدية! وهنا اللعبة العبثية (الصبيانية لأنها باتت مكشوفة) اتخاذ قرارات وضحك على الذقون والشوارب واللحى ثم تحال على مرجعيات أخرى، فتتخذ قرارات أخرى لتحال بدورها على اجتماعات أخرى؛ وهكذا دواليك: يتغير كل شيء بالألفاظ والخطب و"التكاذب" (والتصادق) والتمارق، ويبقى كل شيء مكانه: وهذا ما نتوقعه: الخطة الاستراتيجية الدفاعية ستبقى ضمن قرارات حزب الله الذاتية (أي ضمن قرارات الوصايتين) لأنه ليس لحزب الله أي استقلالية سوى في الهوامش والتفاصيل. فكيف يمكن أن نصدق سواء ورد أو لم يرد في المؤتمر أو في البيان الوزاري بأن سلاح حزب الله/ سيكون في الحفظ والصون/ لمحاربة العدو الإسرائيلي وتحرير مزارع شبعا أو "تغيير العالم"! كيف نصدق ولو أقسم الجميع (وسبق أن وقعوا: والتوقيع نوع من القسم!) على "الوفاء" بوعودهم وضماناتهم أن هذا السلاح ليس موجوداً ضد الدولة اللبنانية، وضد الكيان اللبناني، وضد التعددية اللبنانية، والديموقراطية اللبنانية والحدود الجغرافية اللبنانية ووحدتها! لن يقنعنا أحد في هذا العالم بأن حزب الله سيخضع لمنطق الدولة اللبنانية ويتخلى عن سلاحه الكانتوني. حتى وإن ورد في البيان الوزاري ضرورة امتلاك الدولة قرار الحرب والسلم، واحتضان سلاح حزب الله وصولاً الى ترسيم الحدود في شبعا وبين لبنان وسوريا، واحترام القرار 1701 ودعم "المحكمة الدولية"... وعدم استخدام السلاح ضد الناس في الداخل... حتى ولو ورد كل ذلك وبالعربي الفصيح في البيان الوزاري، لا نظن أن يصدق اللبنانيون بأن كل ذلك سيوضع موضع التنفيذ! ألم يسبق أن قيل أن سلاح "المقاومة" لن يُستخدم في الداخل، واستُخدم. وهكذا دواليك. ولكن، بعدما حصل في بيروت والجبل وطرابلس وصنين وجرود كسروان، كيف لأي لبناني أن يتحمّل بعد الآن التباسات في "القرارات"، أو تمويهات في اللعب الإنشائي على الألفاظ، أو "غموضاً" في البيان. ومن يضمن ألا تتكرر مثل تلك الأحداث في المستقبل (هل سُحب المسلحون من بيروت!). ومن يضمن ألا تكون الغزوات المبيّنة التي شُنّت على العاصمة وسواها، إما مجرد "بروات" لغزوات مقبلة أو "مناورات" حربية تستهدف الانتخابات النيابية المقبلة: أي استخدام سلاح المقاومة (الذي تسلّق صنين ليحرره من العدو الصهيوني!) للتأثير في سير العملية الانتخابية، وترعيب الناس وتذعيرهم وترهيبهم. (وهل هذا مستبعد). ومن يضمن ألا يتكرر الاعتداء على الوسائل الإعلامية كما جرى مع جريدة وتلفزيون "المستقبل" لكم الأفواه، وضرب التعددية السياسية والإعلامية. لا شيء! وقد لُدغ اللبنانيون مرات، وقد يلدغون مرات. وهذا ما يعرفه القلقون على مصيرهم ومصير دولتهم وأبنائهم. وإلى متى سيكون القرار الأول والأخير بأيد من خارج الدولة: كيف يمكن أن يطمئن اللبناني إذا كان مصير بلده برمته في قبضة حزبية أحادية؟ بل الى متى سيبقى اللبناني معتمداً على دولة لا تحميه، وعلى جيش "مُحيّد"، وعلى قوى شرعية يعطلها هذا الحزب أو ذاك المرجع! وإلى متى سنبقى "رهائن" أو ذبائح "نفتدى" أو "نُستشهد" كُرمى لهذه الدولة، أو لتلك الجبهة الخارجية، بل الى متى سيبقى هذا الإحساس المرعب بأن المستقبل مُهدّد باستمرار، وبأن لا أمل يرجى من هذا البلد؛ وإلى متى سيتحمل الناس أوزار حروب الآخرين ليكونوا، فوق ذلك، فرائس للاتهامات والتخوين والتقتيل والبذاءة والسفالة والعنف والعقول الانقلابية الجهنمية! هذه هي الهواجس التي تُقضّ مضاجع الناس، الذين شبعوا من المؤتمرات والبيانات، والحبر على الورق، والزلاعيم في الهواء، وعلى الشاشات! هناك دولة واحدة في لبنان. هناك سلاح شرعية واحد.. هناك مقاومة واحدة مقاومة الشعب اللبناني كله الذي لم يبخل يوماً في التضحية للدفاع عن أرضه وسيادته ولم يُعيّن هذا الشعب من ينوب عنه في أي مقاومة، وهناك حكومة واحدة، وحدود واحدة، وجيش واحد، وقرار واحد يصدر عن الشعب وتمثيله، وهناك دستور واحد فوق الجميع: فإذا استمرت استباحة كل ذلك، فلن ينفع شيء، وإذا لم ينفذ كل "القرارات"، فسيكون كل شيء في مرتبة الأصفار، وعلى تخوم المجهول. فهل كثير على اللبنانيين أن يطالبوا بالبديهيات الطبيعية والمفترضة، ويرفضوا "البديهيات" المفروضة، سواء في هذا المؤتمر، أو في هذا البيان أو هذه الحكومة أو تلك السلطة؟ أكثير على اللبنانيين أن يطالبوا بدولة واحدة وبحكومة شرعية واحدة، وبجيش واحد، وبسيادة على كل أراضيهم، وباستقلال عن كل إرادة برانية! أكثير على اللبنانيين أن يكونوا فعلاً لبنانيين؟ بول شاوول
|