خطابُه يعكس مأزق مشروعه ولا يخفي الرهان على تطوّرات إقليمية.. ويعِد بملء الوقت بالتعطيل ويتعاطى مع الوطن كـ"فشّة خلق" نصر الله والتصعيد من ضمن الفشل المستقبل - الثلاثاء 10 نيسان 2007 - العدد 2581 - شؤون لبنانية - صفحة 2
|
|
|
نصير الأسعد إذا كان لا بد من تقويم الخطبة السياسية للأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله أول من أمس، فلا بد من اعتماد القاعدة "الذهبية" التي تقول إن الأمور مرهونة بنتائجها، أي أن الحكم على الخطبة السياسية يجب أن يأخذ في الاعتبار ما انتهت إليه مما اقترحه نصرالله على جمهوره وعلى سائر اللبنانيين. الفشل وتأجيل الوعد الإلهي قال نصرالله إن الحوار انتهى الى طريق مسدود. وأكد أن لا حلّ في الأفق. ووصف الحالة بأنها "مسكّرة". ومن هذا التوصيف انتقل الى القول إن "حزب الله" وحلفاءه لم يعودوا في وارد المطالبة بالثلث المعطّل، وانهم سيطالبون بـ"العودة الى الشعب" عبر إحدى صيغتين: إمّا الاستفتاء وإمّا الانتخابات النيابية المبكّرة.. وإلاّ فانتظارٌ لموعد الانتخابات النيابية العاديّة بعد سنتين. وخلال إلقائه الخطبة، تنبّه نصرالله الى أن الجمهور الحاضر يسأل في قرارة نفسه عن معنى هذه النتيجة ـ أي انتظار سنتين ـ فبادر هو نفسه الى السؤال: هل أُدخل اليأس الى نفوسكم؟ ليجيب لا لكن الوضع مُقفل. من هنا، لا مبالغة في القول إن النتيجة هذه التي انتهى إليها نصرالله إنما تعبّر عن الفشل السياسي الذريع. فعندما يخاطب قائدٌ سياسي جمهورَه ولا يجد ما يدعوه إليه سوى "الانتظار"، ولا يجد ما يطرحه سوى الدعوة الى "الصبر"، يكون ليس فقط الوعد بانتصار إلهي قد تأجل سنتين، بل يكون المشروع السياسي الذي جرى حمله طيلة شهور قد آل الى الفشل. وبهذا المعنى المحدّد، فإن خطبة نصرالله تشكّل خطبة الفشل السياسي. وإذا كان ثمّة ميلٌ دائم الى قراءة الخطب من زاوية ما تتضمّنه من تصعيد وهجمات، فإن ما يجب أن يكون واضحاً ـ هذه المرة ـ هو أن لجوء السيد الى "الهجمات" يهدف الى تغطية النتيجة، أي الفشل. ذلك أنه عندما لا يعود قائد سياسي قادراً على تقديم برنامج، وعلى قيادة الجمهور بأفق محدّد وفي إطار محطّات واضحة، فهو في وضع مرتبك حتماً. طبعاً، كان يُنتظر من "قائد" بحجم نصرالله أن يمتلك شجاعة الاعتراف بالفشل، وألاّ يترك الأمر للاستنتاج. لكن الأمين العام لـ"حزب الله" شاء أن يختار "المواربة". وهو اختار "المواربة" تماماً لأن الإقرار بالفشل كان يقتضي منه الاعتراف بأنه ناجمٌ عن "طبيعة" المشروع الذي يحمل، بما هو مشروع لا قابلية له للتحقّق، لأنه مشروع منافٍ لـ"الصيغة" اللبنانية، ولأنه مشروع غلَبة. سردَ نصرالله من وجهة نظره الأسباب التي أدّت الى "الطريق المسدود". كالَ الاتهامات لفريق 14 آذار. لكنه يعرف يقيناً أن هذه الاتهامات غير صحيحة. وأكثر من ذلك، هو يعرف أن ما يوتّره، هو أن حركة 14 آذار حركة لبنانية.. وعربية بامتياز، وأنها تختلف معه على الخيارات من موقع لبناني ـ عربي. مشروع غلَبة لا يمكن أن يتحقق لذلك، وإذا كان ليس ثمّة داعٍ الى مناقشة هذه الاتهامات التي لا تتضمّن أي جديد، فإن ما يجدرُ التوقف عنده يتعلّق ببضع نقاط. الأولى، هي أنه صحيح أن "حزب الله" يدعو جمهوره الى "الانتظار" عامَين، ما يعني اعترافاً ضمنياً بأن ميزان القوى السياسي ـ الشعبي ـ الطائفي ضدّه، غير أن الصحيح أيضاً أنه لا يزال "يأمل" في أن يحقّق مشروعه.. ولو بعد عامين. وبكلام آخر، فإن "حزب الله" الذي فشل حتى الآن، يحتفظ بأسباب الفشل ويصرّ عليها، على اعتبار أن مشروعه هو السيطرة على السلطة السياسية إن لم يكن بـ"الثلث المعطّل" فبـ"الغلبة" في مجلس النواب، متجاهلاً حقيقة أن لا أفق أمام مشروع من هذا القبيل. "فشّ الخلق" الثانية، هي أن نصرالله يعلن بوضوح، حتى وهو يؤجل الوعد الإلهي، أن فترة السنتين التي تفصل عن موعد الانتخابات "العادية" المقبلة، ستكون فترة تعطيل أو مزيد من التخريب. فجواباً على الفشل يعِد نصرالله بـ"فشّ الخلق" بلبنان. وهو عندما يقول ببقاء الحال على حاله خلال عامين، إنما يعِد باستمرار التأزيم. وبطبيعة الحال، كان الأمر سيكون حقاً مشروعاً لحزب الله لو أنه يُعلن استعداده لانتظار الاستحقاق النيابي المقبل ولممارسته ديموقراطياً في موعده، لكنه يعلن الاستمرار في "تعليق" البلد وفي أسره عامين إضافيين. المحكمة ولحود: إسفين في العلاقة بالسنّة والمسيحيين والنقطة الثالثة هي أن نصرالله الذي لم يقطع "الأمل" في الاستيلاء على السلطة.. ولو بعد سنتين، إنما يدقّ إسفيناً في العلاقات الإسلامية ـ الإسلامية والعلاقات الإسلامية ـ المسيحية. ولا شك هنا أن الموقف الذي أعلنه من المحكمة ذات الطابع الدولي في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري وسائر جرائم الاغتيال الأخرى، تصيب العلاقة الشيعية ـ السنّية أول ما تصيب. فقد كشف نصرالله أن ما يسمّى "ملاحظات" على نظام المحكمة ليس سوى نسف للمحكمة من أساسِها. وبما أن الاعتراض على قيامها هو في الأصل اعتراضٌ على ما سمّاه إنهاء سيادة القضاء اللبناني، فلماذا كل هذه "اللوفَكة" طيلة أكثر من عامين؟ لماذا الإدعاء أن الحزب مع قيام المحكمة "في المبدأ" في وقت هو ضدّ قيامها "في المبدأ" أيضاً؟ أليس في الاعتراف الأخير برفض المحكمة ذات الطابع الدولي مبدئياً، ما ينسف ركناً أساسياً من أركان "المعركة" التي يخوض ضدّ حركة 14 آذار تحت عنوان ان فريق الأكثرية يريد منع "المعارضة" من مجرّد "مناقشة" نظام المحكمة؟ وإذا كان الموقف المعترض على قيام المحكمة ذات الطابع الدولي من شأنه أن يستفزّ البيئة الإسلامية السنّية في لبنان والوضع الإسلامي السنّي في المنطقة ككل الذي يعتبر الشهيد رفيق الحريري زعيماً إسلامياً لبنانيا وعربياً وإقليمياً، ويعتبر انّ كشف الحقيقة في مقدّم أولوياته، فإنّ الدفاع الذي قام به نصرالله عن إميل لحود هو استفزاز للبيئة المسيحية أيضاً. ذلك انّ محصّلة الموقف المسيحي ترى ان لحود هو أكبر إساءة إلى الموقع المسيحي في الشراكة الوطنية، وترى انّ مواقفه التي يعتدّ نصرالله بها هي بالضبط المواقف التي أخرجت المسيحيين من أصالتهم اللبنانية ومن تاريخهم. موقف نصرالله من المحكمة يحرّك أسئلة خطيرة إلاّ انّ الأهمّ ـ والأخطر ـ في هذا المجال، هو انّ نصرالله بدفاعه عن لحود وعن الضبّاط الموقوفين للاشتباه بدورهم في جريمة اغتيال الرئيس الحريري، لم يُقرأ على انّه "فاتورة" مقدّمة إلى النظام السوري، أو "تبرئة ذمّة" حيال هذا النظام بأن الحزب قام بواجبه حتى "آخر لحظة"، بل أعاد تحريك أسئلة كثيرة عن علاقة "حزب الله" بما جرى خلال العامين الماضيين، سواء علاقته بـ"المناخ" السياسيّ للجرائم أو معرفته بها كلّها أو بعضها أو على المستوى "اللوجستي". وإلاّ، ما هذه "الحميّة" في الدفاع عن مشتبهين؟ وما هذه "الحميّة" في الدفاع عن سيادة القضاء اللبناني فيما يهاجمُ هذا القضاء التابع لسلطة الأكثرية كما قال السيّد نصرالله؟ وهل ستنتقل "الجبهة" من مزارع شبعا الى سجن رومية لـ"تحرير" هؤلاء "الأسرى"؟ المسألة الإيرانية أمّا النقطة الرابعة، فتتعلّق بمقاربة الأمين العام لحزب الله للوضع الإقليمي. و"الفضيحة" في هذا المجال انّ نصرالله يتّهم 14 آذار بالمراهنة على ضربة أميركية لإيران، لكنّه إذ يفنّد هذه المراهنة المزعومة يكشف انّه وحزبه يراهنان على تطوّرات إقليمية. يسأل نصرالله الأكثرية عن احتمال التسوية بين إيران وأميركا، وعن احتمال بقاء الوضع كما هو من دون تسوية ومن دون مواجهة، وعن احتمال الحرب بين طهران وواشنطن.. لينتهي من هذه الأسئلة إلى "أجوبة" تحذيريّة للأكثرية من انّ نتيجة كل احتمال من الاحتمالات الثلاثة الآنفة هي لصالح الحزب: التسوية على حسابكم يقول، وبقاء الوضع على ما هو عليه استنزاف لحليفكم الأميركي يؤكد، والحرب يا مرحى بها لان بعدها حسابات وتصنيفات جديدة!. الفتنة والنقطة الخامسة والأخيرة على هذا الصعيد، هي تأكيد نصرالله انّ الفتنة أو الحرب الأهلية خطّ أحمر. لا شكّ انّ هذا التأكيد "جيّد". لكن هل يُشكر طرف من الأطراف على إعلانه انّه لن يذهب إلى الفتنة؟. هل يشكرُ "حزب الله" وقد جرّب هذه "اللعبة" التي كانت وراء الفشل الذي حصده؟. هل من الضروري تذكيره بانّ خطته لاقتحام السرايا الحكومية في اليوم الأول من "التحرّك" كانت عنواناً للفتنة؟ وانّ الذهاب إلى التماس مع مناطق معيّنة في بيروت خلال "التحرّك" كان عنواناً للفتنة أيضاً؟. على انّ تأكيد نصرالله على رفض الفتنة والحرب الأهلية، لا يكفي للاطمئنان إلى انّ "حزب الله" لن ينزلق بالمطلق في هذا الاتجاه. فبما انّه لا يعترف بالفشل، وهو بالمناسبة فشلٌ كان سيصيب أيّ مشروع مماثل لـ"الغلبة"، وبما انّه يردّ على الفشل بـ"فشّ الخلق" بالبلد، وبما انّه لا يقدّم بديلاً سوى التعطيل، فانّ خطر الانزلاق قائم. ..والتدريبات العسكريّة وهنا، لا بدّ من إطلالة سريعة على بعض المعلومات المتداولة. في هذه المعلومات، ما هو متداولٌ علناً عن حركة تسلّح يقوم بها "حزب الله". وعند ضبط شحنات أسلحة، وعلى الرغم من احتوائها على أسلحة ذكرت مصادر أمنية انها تُستخدم في "حروب الشوارع"، أكد الحزب انها لتعزيز قدرات "المقاومة". لكن ثمّة معلومات أخرى. فلا يخلو يومٌ من أخبار عن قيام الحزب بتجنيد شباب في العديد من القرى، وعن تنظيمه دورات تدريبية تراوح بين أسبوع وخمسة وعشرين يوماً وثلاثة أشهر. وبعض هذه الدورات يُقام في لبنان فيما بعضُها الآخر في إيران على ما تقول المعلومات. وليس خافياً على "العارفين" بأمور التدريبات العسكرية انّ الدورات القصيرة تسمّى في "العلم العسكري" دورات "ميليشيا". لذلك، فإنّ السؤال الذي يُطرح هو: دورات "ميليشيا" لماذا؟. ميليشيا لـ"الداخل" أو لـ"الإسناد" على الحدود؟. ميليشيا في الداخل لأيّ مهمّة؟. أو ميليشيا لجولة جديدة في الجنوب؟. ميليشيا للترهيب الداخلي أم استعداداً للقتال من أجل إيران؟. تصعيد ضمن الفشل في ضوء النقاط الخمس الآنفة، وبالعودة إلى خُطبة السيّد نصرالله أول من أمس، يمكن القول انّ التصعيد الكلاميّ ضدّ الأكثرية لا يغطّي الفشل الذي مُني به مشروع "حزب الله" خلال الشهور الماضية، لكن الفشل لا يلغي التصعيد أيضاً، على اعتبار انّ التصعيد وسيلة للهروب إلى الأمام من الفشل. انّه إذاً تصعيدٌ ضمن الفشل. وإذا كان التصعيد ضمن الفشل لا يفتح أفقاً سياسياً، فإنّه مع ذلك تصعيدٌ تعطيلي تخريبي. ولذلك وجب على "من يعنيهم الأمر" التعاطي مع الوضع بجميع أوجهه. فلا اعتبار انّ مشروع "حزب الله" قد فشل يسمحُ بـ"النوم على مخدّة أمان"، ولا اعتبار انّ ثمّة تصعيداً يبرّر التغاضي عن الفشل وأسبابه. فمعادلة موقف "حزب الله" هي الآتية: انتظار وترقّب ما ستؤول إليه التطوّرات الإقليمية، أي تطوّرات المشكلة الإيرانية ـ الأميركية ـ الدولية وانتظار ظرف مناسب "خلال" السنتين للانقضاض مجدّداً، لأنّ السنتين ليستا مطروحتين هنا كمهلة "ثابتة".. وبجانب هذا الانتظار، ملء الوقت بالتعطيل والتخريب. بالتأكيد، ليس "حزب الله" في موقع قوّة الآن، والدليل الأبرز هو انّ قيادته الأولى لا تملك ما تطرحه سوى شتم الأكثرية التي عطّلت مشروعه والدعوة إلى انتظار ظروف أفضل. ولو كان في موقع قوّة لكان في وسعه أن يُعلن بدائل فعليّة أو أن يطرح برنامجاً أو خطّة. لكنّ ذلك يُفترض أن يعني انّ "المعركة" مع "حزب الله" وحلفائه لا تزال طويلة، وانّ مواجهة التعطيل هو عنوانها المباشر، مواجهة من تراوح نظرته إلى البلد بين كونه ساحةً وبين كونه "فشّة خلق".
|
|