الجمعة 3 أيلول 2010

ص16ص15ص14
ص13ص12ص11ص10ص9

لم يرسمه من المصريين شهيداً إلا "إخوانه": مئوية الأب الروحي للإخوان المسلمين تفتح ملف الإسلام السياسي



لم يرسمه من المصريين شهيداً إلا "إخوانه":
مئوية الأب الروحي للإخوان المسلمين تفتح ملف الإسلام السياسي

المستقبل - الاحد 5 تشرين الثاني 2006 - العدد 2436 - نوافذ - صفحة 10


القاهرة ـ حمدي رزق

مئة عام تمر هذه الأيام على ذكرى ميلاد حسن البنا مؤسس جماعة "الأخوان المسلمين". مئوية ميلاد البنا لم يكن لها أن تمر من دون وقفة تأمل طويلة، ومراجعة دقيقة، وسجال بين شتى التيارات السياسية في مصر.
كتب الكاتبون واختلف المختلفون، على خلفية حسن البنا. أمعن بعض الليبراليين ومعظم الكتاب المؤيدين للحزب الوطنى الحاكم، وكثير من أقلام اليسار، في كيل الانتقادات للبنا، والتنظير لسقوطه الفكري والسياسي، فرد الأخوان عبر موقعهم الإلكتروني الرسمي وعشرات المواقع والمنتديات التابعة لهم! بهجوم صاعق على هؤلاء الكتاب وعلى التيارات التي يمثلونها، فيما التزم البعض، من المتفرقين في شتى التيارات، الصمت البليغ، خشية أن يتكلموا ضد البنا فيحسبون على النظام، أو أن يتكلموا بشكل آخر فيحسبون على الأخوان، وهم ليسوا من النظام ولا من الأخوان في شيء.
إذن، فمن عتبات شتى، ومتناقضة في أغلب الأحوال، جرى الالتحام بسيرة حسن البنا، وتشريحها سياسياً وثقافياً "وفقهياً "أيضاً، في اعتراف جمعي، ضمني، بأهمية الرجل في تاريخ مصر، حتى ولو كانت أهميته بالسلب في مجملها، وحتى لو كان الأب الروحي المؤسس للجماعة التي كرست الإسلام السياسي لأول مرة في مصر والشرق كله، فتفرعت عنها، بعد ذلك، عشرات الجماعات السياسية الدينية التي وضعت المنطقة كلها في مأزق..!
والأمثلة على هذه المداخل شديدة التناقض في تناول مئوية حسن البنا لا تحصى، كالتساؤل: هل البنا قاتل أم شهيد؟ سؤال طرحته أقلام عدة صحافياً وعبر الشبكة العنكبوتية، أو كالمفارقة التي طرحتها تفصيلاً مجلة "روز اليوسف" في عددها قبل الماضي، بين آراء البنا وخلفياته الدينية، وبين مواقفه السياسية، أو بتعبير أدق مناوراته.
والحقيقة المدهشة أن حسن البنا احتوى كل ذلك بين أضلعه، قائد الجماعة الذي يأمر بتصفية الخصوم جسدياً بصورة مباشرة أو غير مباشرة، وهو في الوقت ذاته الرجل الذي قتله الملك فاعتبرته الجماعة شهيداً. هو أيضاً متفقّه في الدين، لكنه يتخلى عن الفقه والقواعد عند أول منعطف تقتضيه تكتيكات السياسة. وهذا الخليط المتجانس في شخصية حسن البنا، هو الذي ضخ في عروق جماعة "الأخوان المسلمين" التي لا يزال القانون المصري يحظرها منذ العام 1954 وإلى الآن، روافد تشبهه في تناقضه. فعلى "هدى" البنا أو الأمام كما يلقبه الأخوان، يلعبون السياسة بمهارة، ولديهم، دائماً، حجة "المرونة"، تلك المرونة التي تجعلهم يتأرجحون في التعاطي وخصومهم، بين المهادنة والاحتواء وبين الاغتيال في بعض الحالات، وفي الحالين ـ المتناقضتين يجدون عشرات المبررات.
مئوية مولد حسن البنا "1906 ـ 1949" جاءت في الواقع كمنتدى اشترك فيه عموم المثقفين والكتاب المصريين، طرح السؤال الكبير ليس عن البنا ولا عن الجماعة بل عن فكرة "الإسلام السياسي" في مصر الآن، هذا هو السؤال الحقيقي الذي "لف" حوله الكتاب و"داروا "من دون أن يخترقوه في العمق!
الطربوش واللحية
البنا، المولود بمحافظة الإسماعيلية، إحدى محافظات غرب قناة السويس، لم يعش إلا 43 عاماً. صحيح أن صورته الأكثر ذيوعاً ونشراً "بالطربوش واللحية مع ابتسامة خفيفة!" ربما تعطى الناظر إليها إيحاءات بأن صاحبها في نحو الستين من عمره، لكن الحقيقة أنها التقطت له وهو في حدود الأربعين، فلماذا بدا فوق سنه الحقيقية؟
السؤال أكبر من أن يكون "فذلكة" تاريخية، فالحق أن البنا أسس جماعة الأخوان المسلمين قبل أن يتجاوز سن الثالثة والعشرين (العام 1928)، وأنه خاض مناورات سياسية خطرة مع الملكين فؤاد (توفي عام 1936) وفاروق (آخر ملوك مصر، عُزل 1952) وهو دون الأربعين، بل ناور الاحتلال البريطاني وواشنطن والقوى الوطنية، كالوفد، وهو صغير السن.
ونشأة البنا الدينية لا تفضى بالضرورة إلى كبر مفاجئ في السن ولا إلى "طفرة "إدراكية، لكنها "قدرة فردية" تميز بها، ربما لو كان استغلها بفكر يساري لكان لليسار المصري شأن آخر، أو كان استغلها بفكر وفدي، إذن لكان للوفد مستقبل مغاير.
اعتنق البنا الذي قيل له "شيخ" (والمصريون يقولونها توقيراً لكل ملتح!) وهو دون الثلاثين من عمره، فكراً دينياً إسلامياً انقسم حوله المتأملون لسيرته. فثمة مثقفون من اليسار المصري لا شك في تقدميتهم، كالدكتور محمد أنيس أو كالدكتور المؤرخ محمود إسماعيل، رأوا في البنا خصماً سياسياً وعابوا فيه تدشينه الإسلام السياسي في مصر، غير أنهم رأوه على مستوى الفكر الديني رجلاً مستنيراً إصلاحياً، فيما رأى فيه خصوم آخرون له أنه متشدد دينياً، عاد بالمجتمع إلى فكرة "ما قبل القانون" و"ما قبل الدستور" و"ما قبل الأحزاب" أو بمعنى آخر ما قبل العلمانية المصرية التي دشنتها رسمياً ثورة الشعب في العام 1919م.
ومواقف البنا ذاته من توظيف الدين داخل جماعته تعرّى هذا التناقض! فشهادات الاخوان المؤسسين في كتبهم وأدبياتهم ومذكراتهم، وعلى رأسهم كتاب في ثلاثة مجلدات اسمه" الأخوان المسلمون أحداث صنعت التاريخ رؤية من الداخل لمؤرخ الجماعة محمود عبد الحليم، تؤكد أن البنا لم يكن يهمه في أعضاء جماعته أن يكونوا متدينين أو أن يأخذوا فرصتهم الكافية لكى يتفقهوا في الدين ـ الذي يفترض أنهم يرفعون رايته، قدر ما كان يهمه سرعة الدفع بهم إلى الشارع والمعترك السياسي، وإضافتهم إلى قوة الجماعة، وكان الأساس في العضوية معرفة قشرية بالدين، وإخلاص طقسي تعبدي، ثم اندفاع سريع إلى العمل السياسي لصالح الجماعة، مع أنها كما يفترض جماعة الأتقياء من "ذوى الأيدى المتوضئة"!
هذا هو الخيط الأساسي الذي لم ينقطع في حياة البنا. صحيح أنه كان متفقهاً في الدين، حتى بشهادة خصومه، لكن هدفه السياسي، وهو الوصول إلى الحكم، كان الغالب على سلوكه من بدايته إلى نهايته، وكان الطابع الذي أراد أن يغلب على سلوك أعضاء جماعته حتى أن كثيراً من مؤسسي الجماعة وشهودها الأوائل كمحمود عبد الحليم وصلاح شادي وزينب الغزالي وأحمد عادل كمال، اتفقوا جميعاً على ذكر واقعة مؤادها أن البنا رفض تصنيف ولو كتاب واحد في الدين، وقال إن خيراً له أن يؤلف قلوب أعضاء الجماعة ويدفع بهم إلى العمل السياسي لضمّ أعضاء جدد، من أن "يضيّع وقته"، والتعبير للبنا، في تصنيف الكتب وتأليفها!
هذا المسلك الذي ربما يتم تأويله كبراغماتية مفرطة إلى حد "التفريط" والثابت بشهادات أقرب الناس للبنا واخلصهم له، هو نفسه المأخذ الذي أمسكه شباب الجماعات الإسلامية عليه بعد ذلك، حين ظهرت تنظيماتهم في مطلع السبعينات. إنه المسلك الذي جعلهم يرمون جماعة الأخوان بالنفاق وممالأة السلطة أو بخيانة الإسلام ذاته أحياناً، حسب رأيهم، وهو ما عمق الهوة بين هذه الجماعات والأخوان شيئاً فشيئاً، وجعلهم يعتنقون "الفكر القطبي" ويفضلونه على فكر البنا وخلفائه من مرشدي الجماعة. و"القطبي" نسبة إلى سيد قطب المنظر الأول للتطرف والعمل الديني المسلح في مصر إلى الآن، وهو أخواني أصيل، وإن كان تجاوز أفكار البنا في العنف!
النظام الخاص
هل البنّا قاتل أم شهيد ؟ الحق أنه الإثنان معاً، فلا يمكن تبرئته من حوادث اغتيال سياسي أمر بها أعضاء جماعته وقياديي تنظيمها السري "الجناح المسلح، النظام الخاص" ودوره الأساسي تصفية خصومها جسدياً". ولعل أشهر هذه الحوادث الدامغة اغتيال المستشار أحمد السلحدار رجل القضاء وخصم الأخوان فى العام 1946، واغتيال النقراشي باشا رئيس وزراء مصر الأسبق فى العام 1947، ومحاولة اغتيال الرئيس الراحل جمال عبد الناصر وهو يلقي خطاباً في ميدان المنشية بقلب الإسكندرية فى العام 1954، وهو الحادث الذي اعتقل عبد الناصر بسببه نحو 15 ألفاً من الأخوان، في 48 ساعة، وحظر نشاط الجماعة حتى يومنا هذا!
والبنا، ويكفى هنا الإقرار بهذه الحوادث في كل أدبيات مؤسسي الجماعة كدليل، كان وراء هذه الاغتيالات، وحتى اغتيال السلحدار باشا، الذي ادعى البنا عدم معرفته به وأن عبد الرحمن السندي أقوى رجاله السريين هو الذي نفذه من دون الرجوع للمرشد، عاد ووافق عليه ضمنياً، بعد محاكمة داخلية هزلية لمرتكبه!
والجهاز السرى أو التنظيم العسكري أو النظام الخاص للأخوان المسلمين، إنما أسسه حسن البنا، أصلاً، لمثل هذه العمليات. ويجسد هذ التنظيم "آلية التناقض" لو جاز التعبيرالذي اتبعه البنا ورجاله، ولا زالوا يتبعونه، ليبقى الشيء ونقيضه معاً جاهزين للتفعيل في اللحظة الملائمة، وحسب ما تقتضيه الظروف!
وثمة نظرية أمنية راسخة تقول: إن الأخوان تعلموا من حسن البنا كيف "يفلسفون" القتل، كيف يصدرون الوجه المرن السمح المتفهم للرأي العام، المدعي للعمل السلمي، الزاهد في السلطة، فيما يكون الطرف الحقيقي الفاعل في الجماعة الموجه لحركتها هو تنظيمها السري أو الخاص!
فالبنا طوال الثلاثينات والأربعينات قام بالتنكر لكل حوادث التصفية السياسية والتفجيرات والإرهاب التي قامت بها عناصر جهازه السري، وفيما كان "يلعب السياسة" الممزوجة بالدين على الرأى العام، كان تنظيمه السري يتدرب على حمل السلاح واستخدامه وحرب العصابات في مخابئ ومغارات بجبل المقطم، وحين تم كشفهم ادعى البنا أنهم يتدربون لأجل حرب فلسطين "1948". والحق أن المؤرخين والكتاب العدول أقاموا بدلاً من الدليل عشرة على أن هذه الحجة باطلة، مستندين إلى كتابات الرعيل الأول من الأخوان أنفسهم، حيث كان هذا التدريب لتوسيع قدرات التنظيم السرى على أعماله الدموية.
عاش البنا ينكر وجود التنظيم السري تماماً والمرشد العام الحالي الاستاذ محمد مهدي عاكف، الذي كان من العناصر الأساسية البارزة في هذا التنظيم، كان مسؤول التدريبات العسكرية فى معسكرات العباسية، على هدى من مرشده وامامه ينكره الآن ويقول عنه أنه مجرد وهم. كان البنا ينكره ويدعمه، يكلفه بالقتل ويدينه! فإن وصف بعض الكتاب حسن البنا بأنه قاتل فِإنهم، وفق هذه التأسيسات، لم يجانبوا الصواب!
والثابت أيضاً أن البنا مات قتيل رصاصات "الحرس الحديدي" للملك فاروق! وهنا ثمة مفارقة عجيبة، ففى الأربعينات تحولت السياسة في مصر إلى عالم من الخلايا السرية "والتشبيه هنا للمفكر اليسارى الراحل فؤاد مرسي"، الأخوان أقاموا جماعة تحتوى في داخلها تنظيماً سرياً مسلحاً، والملك فاروق أقام تنظيماً سرياً لصالحه لتصفية خصومه (كان الرئيس السادات، أيامئذ ضابطاً بالجيش المصري، وعضواً بالحرس الحديدى، باعترافه الرسمي في كتابه "البحث عن الذات"، وقيل أن وجوده في هذا التنظيم كان للتجسس على القصر لصالح تنظيم عبد الناصر المعروف بالضباط الأحرار). "وكل من الملك والأخوان أنكر، تماماً، "لعبة التنظيم السري"، وكلما ازداد إنكارهما لوجوده كانا يدعمان هذا الوجود بالمزيد من أسباب القوة..! في الوقت ذاته أسس الاشتراكيون بأطيانهم والقوميون بفئاتهم عشرات التنظيمات السرية!
لكن تنظيمي الأخوان والملك ـ وحدهما ـ حملا السلاح والمتفجرات ومارسا الإرهاب، وانتهى مصير البنا برصاصات حرس فاروق الحديدي ولم يشفع للبنا هامش مناوراته ـ الواسع جداً ـ الذي لاعب من خلاله الملك وداعبه وقتاً طويلاً، لأن الملك فطن إلى لعبه ومداعبته سريعاً!
من هنا اعتبر الأخوان البنا شهيداً، فيما لم تعتبره بقية التيارات كذلك. صحيح أن من اغتاله هو الملك فاروق الممالئ للاستعمار والرجعية والذي لم يبكه مصري واحد حين عزلته ثورة تموزـ يوليو 1952، لكن البنا اغتيل بعد أن اغتال عدة أنفس، لا نفساً واحدة، فلم يرسمه المصريون شهيداً،إلا الأخوان! .. ومن الطريف أن الأخوان في عصر خليفته حسن الهضيبى لم يجدوا غضاضة في أن يزوروا الملك فاروق قاتل مرشدهم ومؤسس جماعتهم، ويوقعوا في "دفتر التشريفات الملكي" في قصر الرجل الذي قتل مرشدهم!! "تنظيم حسن البنا السري ـ الذي ينكره الأخوان تارة ويؤكدونه تارة قائلين إنه كان لمواجهة الاحتلال البريطاني والعصابات الصهيونية قبل قيام إسرائيل ـ ثم حله بعد اغتيال البنا، فقررالمرشد الثاني المستشار حسن الهضيبي عدم صلاحه للبقاء (وفق شهادة موثقة للقيادى الأخواني صلاح شادى أحد قادة هذا التنظيم)، ولكن لينشئ محله "التنظيم الدولى للأخوان" الذي أسسه وأشرف عليه واحد من تلاميذ البنا "النابهين في البراغماتية" اسمه سعيد رمضان. وعلى طريقة البنا ينكر الأخوان وجود هذا التنظيم مثلما أنكروا وجود التنظيم السري، والمرشد مهدى عاكف يقول عن التنظيم الدولى "إنه وهم "كالتنظيم السري!
التنظيم الدولي
وبرغم أن التنظيم الدولي تأسس بعد تصفية حسن البنا جسدياً، إلى أنه زَرْعُ يديه! وإذا كنا نذكر أن للرجل أوجهاً عدة، أغلبها يناقض بعضه بعضاً كالقاتل والشهيد وكالقضية والبراغماتي، فإن له وجهاً مهماً هو "اللعب الدولي".
والمتأمل لأفكار البنا في مئوية مولده، يجد أنه لم يكن فقط يطمح إلى الوصول للسلطة، وإنما كان مشروعه الاستراتيجي تحويل مصر إلى مركز للخلافة الراشدة، وجمع الأقطار الإسلامية حولها!
ويذكره محمود عبد الحليم في مجلده الذي أشرنا إليه سابقاً، ما قام من علاقات بين حسن البنا وقيادات إقليمية شتى، فهو أقام علاقة وطيدة غير مفهومة التفاصيل مع الإمام يحيى حميد الدين إمام اليمن ـ منذ العام 1938 ـ بل إن مندوب اليمن الذي حضر اجتماع جامعة الدول العربية التأسيسي في العام 1944 اتخذ من البنا مستشاراً أساسياً له!
كذا ارتبط البنا بعلاقة قوية مع الحاج أمين الحسينيي مفتي عموم فلسطين حين تم إلقاء القبض على وحدة الاخوان التي كانت تتدرب على السلاح في كهوف جبل المقطم، صرح الحسينى بأنهم كانوا يتدربون للتطوع في جبهة فلسطين وأن السلاح الذي معهم من عنده، وفعل ذلك إنقاذاً لصديقه حسن البنا! وقد عفا عنهم الملك آنذاك!
وسرعان ما ظهرت للبنا صداقات مع رجالات الدين والسياسة في سورية والجزائر والأردن وغيرها، وهو لم يكن يخفي هذه العلاقات التي كان يقول "إنها لصالح وحدة المسلمين وعزة الإسلام"، بل كان يرحب بالتقاط الصور الفوتوغرافية له معهم ونشرها في الصحف، ولكنه في الحقيقة كان يؤسس لعلاقات سياسية بعيدة المدى، يهدف من خلالها إلى التكريس لدولة خلافة إسلامية مركزها القاهرة، وهي ذاتها الفكرة التي يتمسك بها الأخوان إلى الآن، ويتفق فيها معهم عموم التيار الإسلامي، ممن حملوا السلاح وممن لم يحملوه على السواء. وهذه الشبكة من العلاقات الإقليمية لحسن البنا، هي التي أسس عليها حسن الهضيبي، بعد توليه الإرشاد، قواعد التنظيم الدولى للأخوان الذي لا يزال قائماً وينكره الأخوان ابتداءً من المرشد عاكف وصولاً إلى أصغر أخواني!
الخلافة الاسلامية
القاتل الشهيد، والفقيه البراغماتي، واللاعب الدولي، كان مناوراً لا يقل براعة عن سائر المناورين الكبار ممن كانوا منتشرين على الساحة السياسية في مصر يومئذ، غير أن الفارق بينه وبينهم هو اتساع هامش المناورة. فهو في يده ورقة إضافية: الدين! وهم خلو منها. فكل قادة العصر وسياسييه من العلمانيين كمصطفى باشا النحاس وعلى باشا ماهر ومحمد محمود باشا ومحمد حسين هيكل باشا وأحمد نجيب الهلالي باشا والملك فاروق وحاشيته كانوا جميعاً علمانيين، أما البنا فيرفع الشعار الإسلامي!
وبرغم أن الإسلام السياسي في مصر لم يكتسب بريقاً حقيقياً لدى الشارع إلا في السبعينات "فصاعداً..!"، إلا أن قطاعاً في الشارع، في الأربعينات، كان يتعاطف مع هذا التيار، فضلاً عن الميل الطبيعي لدى المصريين لكل من يتكلم باسم الدين، كونهم متدينين بطبعهم. وكان البنا مستعداً للمناورة حتى بالمسائل المركزية المبدئية في فكره. ولنأخذ "الخلافة الإسلامية" ـ وهي هدفه الاستراتيجي كمثال للمناورة!
حين تولى فاروق الحكم (1936) كان شاباً صغيراً في السادسة عشرة من عمره، ومع تفاصيل كثيرة بالغة التعقيد صادفته في نشأته، التي لم تكن سوية بحال، كان فاروق محملاً بمشاعر الذنب طوال الوقت، وكان أن لجأ إلى مظاهر التدين في مستهل حكمه، لكى ينقلب على مظاهر علمانية أبيه الملك فؤاد ، الذي كان الود بينهما مفقوداً! وتسمى فاروق بـ "الملك الصالح "وتردد على المساجد بكثرة، وفي مطلع الأربعينات أطلق لحيته الشقراء، ونصحه مستشاره ورئيس بلاطه داهية العصر، العلماني!، أحمد حسنين باشا بالمضي قدماً على هذا الدرب لأن المصريين أحبوه واستبشروا به خيراً..!
ووجدها حسن البنا فرصة سانحة نادرة، لكى ينفذ خطة الخلافة الإسلامية، واقترب من دوائر البلاط الملكي، واستطاع أن يوصل إلى الملك عبر وسطاء، منهم حسنين باشا نفسه، فكرة الخلافة ، بحيث تصبح مصر مركزاً لها ويصير فاروق خليفة للمسلمين!
ولأن الملك كان لا يزال خارجاً لتوه من سن المراهقة، فإن هذا النمط من المراهقة السياسية راقه وألهب خياله.. وسمح لمن حوله بأن يخاطبوه بلقب "أمير المؤمنين" وتأهب حسن البنا للعب الدور الذي انتظره منذ أن تأسست الجماعة (1928)، ليصبح وزير الخلافة المسيطر على التاج والبلاط لكن خطة البنا أطاحتها أخطاء فاروق الذي اتصل بالألمان سراً ليعينوه على الاحتلال الإنجليزى، فحاصره الإنجليز بدباباتهم داخل قصر عابدين مقر الملك في قلب القاهرة ـ وأجبروه على قبول مصطفى النحاس وحزب الوفد لتشكيل الوزارة، وقطع العلاقة مع هتلر والإقلاع عن فكرة الخلافة حادث شهير في التاريخ المعاصر لمصر يعرف بحادث 4 الدبابات البريطانية فى شباط، فبراير 1942، وسرعان ما عاد الملك عن نزواته وخضع للإنجليز، واستعاد علمانيته وتربيته الأوروبية خالصة الوجه واليد واللسان ومنذ تلك اللحظة شعر بخطورة حسن البنا عليه، وكيف أنه استغله لمناورة لصالحه هو، وساءت علاقتهما حتى كان بينهما ما كان!
لكن "مناورة الخلافة" لم تكن مناورة حسن البنا الوحيدة، فهو اتصل، عبر وسطاء كالعادة، بزعيم "الوفد" مصطفى النحاس ليدخل البرلمان المصري على قوائم حزب الوفد، لكن النحاس رفض المناورة. وفيما كان البنا يجرى هذه المناورة سراً، كان يشن هجوماً كاسحاً على الوفد في الصحف!
وكان البنا يهاجم أوروبا والولايات المتحدة و"إلحاد الغرب"، لكنه كان يحارب الإلحاد، وهو المرادف آنذاك للماركسية، بما لا يصب في صالح أحد سوى الولايات المتحدة وأوروبا. وكان مراسلو الصحف الأميركية والأوروبية ينشطون لحضور مؤتمرات البنا الصحافية، وكان يهشّ لهم ويبتسم ويرد على أسئلتهم بالعربية ويترجمها مساعده ومترجمه الخاص محمود أبو السعود! وطوال الوقت حافظ حسن البنا على علاقات بقادة أحزاب الأقلية "الموالية للقصر والاحتلال "عسى أن تحمله أجنحتهم إلى مقاعد في حكوماتهم التي كان الملك يستخدم سلطاته أحياناً ليفرض وجودها على الشعب مطيحاً الوفد..!
والمناورة عند "الشيخ" حسن البنا مبدأ تعلمه من أبيه، الذي لقنه درساً ظل يحفظه للأخوان طوال الوقت وهو جر المصريين إلى الإسلام وشرع الله بالحسنى والملاينة، فإن هم أبوا فبالتكبيل والقوة، أو حتى بالإلقاء في النيل، فهامش المناورة يبدأ عند البنا بالابتسامة ومحاولة احتواء الخصم (والخصم هنا يرمى فوراً بتهمة قلة الدين وربما الإلحاد)، وينتهي أحياناً بالقتل والتخلص منه نهائياً.
تحالفات سياسية
حسن البنا ذو التناقضات الأكبر على الساحة السياسية المصرية، يفضى بالمرء التصدى لسيرته الذاتية بالتحليل، إلى واقع مهم.. هو أن هذا الرجل من الشخصيات التي أسهمت في تشكيل ملامح مصر المعاصرة، ولكن حصته في الإسهام لم تكن على شاكلة وجهه المبتسم المستبشر ولا خطبه البليغة المتسامحة أمام المراسلين الأجانب. فحصة البنا من ملامح مصر المعاصرة هي عرقلة مشروع النهضة، وتبديد مطالب الوطنيين المصريين في عصور شتى!!، بدولة علمانية ذات طابع متدين، تقدس حقوق الإنسان وكرامته وتدفعه إلى الأمام، ومن أهم ما في حصة البنا كذلك إقحام السلاح في ساحة السياسة المصرية، والزج بأفكار نفى الآخر وتكفيره إلى معترك السياسة في مصر، وهو معترك كان الأكثر تسامحاً ربما في الشرق كله، قبل ظهور البنا وجماعته. وهذا هو درس مئوية حسن البنا، أليس الرجل، إذن، مهماً للغاية في تاريخ مصر والمنطقة كلها؟
وفي مئوية ميلاد حسن البنا، تبدو متناقضاته كآليات، جرى تعمد التناقض فيها، وتعمد الإنكار والاعتراف ـ في آن ـ بها، لأن هذه هى طريقة المناورة الأخوانية الموروثة عن البنا! والأهم من هذا، هو أن فكرة "الإسلام" الذي يصبوا إلى "الحكم"، والتي أسسها حسن البنا في مصر، بقيت وتمددت وتشعبت واختلفت أطيافها وتكاثرت، أو لنُقل أن آليات ممارسة حسن البنا أو أفكاره التي ترجمها إلى سياسية براغماتية باقية معمول بها، بعد مئة عام من مولده و 57 عاماً من اغتياله على يد الملك!
فإلى الآن يرى خبراء أمنيون وسياسيون محترفون ومؤرخون معنيون بالأخوان، أن التنظيم السرى لهذه الجماعة باق لم ينحل، أو أن الأخوان، في أحسن الأحوال، لا زالوا يستلهمون فكرة العمل بوجهين، أحدهما مبتسم ومسالم وشعبي وإعلامي والثاني سري وربما لا يتورع عن حمل السلاح، أو ممارسة مظاهر العنف إذا اقتضى الأمر ذلك. أليست هذه فكرة أصيلة لحسن البنا ؟ الم يعلن مرشدهم الحالي عاطف انه على استعداد لإرسال عشرة الاف مقاتل مدربين إلى لبنان لمساندة مقاومة حزب الله فى حربهم مع اسرائيل، الأمر الذى أفزع الأحزاب المدنية التى تأكدت ان جناح الاخوان العسكري يعمل بكفاءة، والا.. أين تدرب هؤلاء الذين سيرسلهم المرشد إلى الحرب جرياً على عادة سلفه البنا الذى أرسل سرايا الجهاد إلى فلسطين المحتلة.
وإلى الآن لا تزال التنظيم الدولي للجماعة قائماً، بل إنه ازدهر وأينع، وأسهم في تغذيتها مالياً، بل إنه اعتبر، لدى بعض المراقبين، أساساً لـ "شبكة مالية دولية" تغذى الجماعة بانتظام، أليست هذه فكرة البنا؟
ولا يزال الاخوان يتكلمون عن "تطبيق الشريعة" و"محاربة الإلحاد والإباحية" على أسس أفكار البنا!
ومناورات البنا مع كل التيارات باقية مزدهرة في أحفاده من الأخوان الحاليين. بل إنهم، في منتصف الثمانينات، حاولوا تكرار مناورته الشهيرة مع "الوفد"، لكن فؤاد سراج الدين رئيس الوفد لم يكن هو نفسه النحاس باشا، فالنحاس رفض، وسراج الدين قبل، ولم يجن إلا الحصرم ودخل الاخوان البرلمان راكبين اتوبيس الوفد كما قال الباشا سراج الدين. الاخوان ركبوا اتوبيس الوفد وناور الأخوان فى العام 1978مع "حزب العمل الاشتراكي" فحولوه إلى حزب إسلامي ليعملوا من خلاله ويصلوا إلى البرلمان متحالفين مع العمل والأحرار تحت مسمى التحالف الاسلامي ، ثم لم يجدوا أمامهم في انتخابات 2005 سوى صفة المترشح المستقل"ليعملوا من خلالها، فأوصلتهم على 88 مقعداً من البرلمان، بعد أن تم تجميد حزب العمل قبل سنوات، بسبب الأخوان! المناورات، نفسها، هي مناورات "الإمام الشهيد"؟!

من سيدني إلى شارع طلعت حرب ... مسافة في خيال الأزمة
هاني درويش
تقمص الشيخ تاج الدين الهلالي المصري مشهد الخطيب في أحد مساجد ضواحي القاهرة العشوائية وهو يقف أعلى منبر مسجد في سيدني. أراه وهو يغمز بعينيه لجمهوره من الجالية الإسلامية في أستراليا. لن يتحدث هنا كما كان سيتحدث لو صعد منبر زاوية ضيقة بحي شبرا الخيمة القاهري صاخباً ومجلجلاً الأرض من تحت أقدام المصلين بالشيطان الأقرع الذي يبلغ طول ذنبه مئات السنوات الضوئية ليضرب رأس الديّوث الذي سمح لزوجته أن تخرج حاسرة الرأس. لن يتحدث عن المسيحيات الكافرات اللاتي يغازلن فتوة الشباب المسلم بصدورهن العاريات. سيغمز فقط بعينه فيما يبتسم إبتسامة تشف بالتواطؤ كما في هزليات الأفلام الدينية عندما نستحضر صورة المشركين بحواجبهم الكثيفة وهم يتآمرون على المسلمين صائحين كما قلدهم اللمبي في فيلمه "فلنأخذ من كل رجل قبيلة". تحدث الشيخ المفتي والهارب من مصر بفضيحة قضائية مالية عن كيف أن الشباب المسلم يقع مغلوبا على غرائزه في حبائل "اللحم المكشوف" لأستراليات خرجن بلحمهن المحمّر بحثاً عن مسلم تقي لإغوائه بإغتصابهن. الرجل لايكذب، إليست كل نساء العالم يسقطن في حبائل غواية المسلم؟ إليس هؤلاء الجالسون أمامه هاربين من دولهم تحت حمى العفة الجنسية؟ ألا يتناصوا جميعاً مع معنى رسالة أحد أصدقائي المهاجرين حديثاً إلى أستراليا والذي أقسم لي مبهوراً في أولها أنه يعيش في مدينة تبلغ فيها نسبة الرجال نصف نسبة النساء فأسال لعاب نصف أصدقاء المقهى؟ الشيخ تاج الدين، في ما أعتقد، يعلم جيداً فيما هو، يعطي رخصة الأغتصاب الدينية النفسية، مأزق رجاله من المتديّنين الجدد، من الشباب العربي الذي هاجر إلى أوروبا وأستراليا وأمريكا واعداً نفسه بفتوحات إيروتيكية تتسق مع حجم إحتقاره للغرب والمرأة معا، الغرب ونسائه، هكذا يسري في الخيال الشعبي ذلك الربط المتهافت بين المرأة الغربية والغواية.
الغواية ليست هنا بمعناها الإيروتيكي الفني بل بمشهدية الإغتصاب الدامي، مشهدية الشرق المتباهي بقواه الجنسية الوهمية في مواجهة شبق النسوة الغربيات اللانهائي. علاقة من إنعدام الثقة في النفس تتباهي بمازوخية قتل الآخر جنسياً. يعرف الشيخ الذي تشبه صوره صورة الشيخ كشك السبعيني المتطرف الشهير أن من بين جمهوره بعضاً من جمهور عصابة بلال سكاف في سيدني والذين أتهموا بتدبير حملات إغتصاب جماعية منذ عام 2000 والمحكوم عليه بعد الرأفة الأسترالية ـ والتي لايستحقها ـ بـ 18 عاماً يقضيها في أحد السجون العمومية. يعرف الغامز بعينه من أعلى المنبر كيف يصيب مهمشي سيدني المسلمين والباحثين عن هوس الأنتقام الشرقي في مقتل. إنه الغرب يا أبنائي الذي إخترتموه فإذا كانت تلك هي الضريبة لتندمجوا لاتخرجوا من المساجد إذن، لاتتفاعلوا ولتلزموا البيوت فعلى النواصي نساء بعيون حمر شبقية سيخطفن إيمانكم. فإذا ما حدث فأنتم الضحايا لا هم ـ ربما يبكي هنا الشيخ تأثرا على ضحاياه ـ هكذا تحدث الشيخ بين سطور كلماته التي لن يقرأها غير جمهوره.
ذهنية الشيخ المتباهي بإغتصابات عشيرته لا يمكن أن تضاهي ذلك الخيال الخصب الذي إنبعث وهاج بعد ساعات من خطبة سيدني في أحد شوارع القاهرة. فالمسافة بين سيدني والقاهرة ليست كبيرة كما تقطعها الطائرات. المسافة الذهنية أضيق مما نعتقد مضافاً إليها فقط إكسسوار القهر والفقر والجهل الذي لم يسمح لجماهير الأغتصاب العلني في شوارع القاهرة بتبرير جاهز يقدمه لهم مفتي ديار دولة من العالم الثالث. ففي أول أيام العيد ـ وربما بمراعاة فروق التوقيت تتوازي اللحظة ـ خرج المئات للإحتفال بالعيد في حفلة إغتصاب جماعي مفتوحة عند تقاطعات شوارع عبد الخالق ثروت وعدلي و26 يوليو بشارع طلعت حرب، المارون قبل حفلة التاسعة مساء بدور عرض راديو وميامي لاحظوا ذلك التجمهر الكبير لمراهقين أمام السينمات بعد أن سرى كما النار في الهشيم عبور أبطال فيلم "عليّ الطرب بالتلاتة" فوق عربة للترويج للفيلم. إنتظر الجميع ظهور الراقصة دينا الشهير بما قل ارتداؤه وعظمت فوائده الجنسية مساء. إنتظروها لتمر وهي ترقص في كرنفال إنضم إليها فيه المطرب الشعبي المتهتك سعد الصغير و زميله ريكو، شاحذين خيالهم البصري لخروج قنبلة الإغراء من على الأفيش حية ترزق وتتلوى. فأطلت دينا وحمتها قبضات البودي غاردات من تدافع المراهقين المهتاجين. دخلت دينا السينما فتفرغ الشباب الذين لم يستطيعوا الحصول على تذكرة لدينا ـ عفواً للسينما ـ تفرغوا لتحطيم واجهات دور العرض ربما تفريغا للطاقة التي لم تجد منفذاً لها. بدأت الحفلة في الداخل وأبى المتلطعون بالمئات على النواصي ألا يكون لهم حفلهم الخاص. تربصوا بالعشرات فوق الأرصفة وبين السيارات المحشورة في زحام وسط البلد لأي فستان قد يعبر على شماعة ـ هكذا يصف المصريون من يهتاج على أي إمراة دون مراعاة لجمالياتها ـ. تربصوا تحت حمى سعار جماعي لمجموعة ذكورية خام، فلا وجود في إزدحام سينمات العيد في وسط البلد منذ أعوام لأي بنت. مجموعات من أبناء الضواحي البعيدة العشوائية تنسموا في وسط البلد البعيد نسبياً إحتفالاً بخروجة العيد وصرف العيدية الصغيرة على السينمات الباقية بتسعيرة العشر جنيهات. التسكع أمام الفترينات والمقارنة بين أسعار ملابسهم المبهرجة وأسعار محلات وسط البلد، بعضاً من الآيس كريم الرخيص وتمشية حتى الكورنيش هي غاية تلك الجماهير في عيد الفطر، لكنها الغاية التي أكسبتها تهويمات التنويه عن الأفلام الراقصة وأسلوب الدعاية السيركي المبتكر لآل العدل ـ منتجو الفيلم ـ بعداً إهتياجياً خاصاً، حيث هناك إمكانية وسط هذا التدافع لنيل شرف ملامسة دينا الخيالية. دينا الخيالية حماها حرسها الشخصيون لكن الفتيات العابرات صدفة في تلك الليلة لم يحمهن أحد. يتحدث شهود العيان عن عشر حالات على الأقل كلهن فتيات محجبات ـ إثنتان خليجيات على الأقل بملابسهن السوداء ـ ربما فيما يخص المصريات كن من العاملات بمحلات الملابس في وسط البلد، أو بعض الخارجات للفسحة. تجري العشرات فيما يشبه السباق بعد أن يصرخ شخص من بعيد "لحمة" ليحطن بالفتاة ويبدأ الجميع وفي نفس التوقيت بالعبث في جسدها ومحاولة تمزيق ملابسها. دوائر متتالية من الضيق إلى الأوسع فيما الفتاة إما في منتصفها أو مجبرة على الركون إلى حائط. بعضهن كن يسقطن أو يجرين فيسقطن حتى دخول أي محل مفتوح أو مدخل عمارة. الفضاء في الشارع تحول إلى حفل إصطياد تتباري فيه قطعان مسعورة على تعذيب ضحاياه وبحمي التواطؤ المشترك كان الجميع إما متفرجين من بعيد أو مارة محوقلين. فهذا الهياج لمئات ربما يتحول إلى مذبحة لأي من مدعي الشهامة. أين الشرطة؟ تقف على النواصي القريبة في حراسة البنوك والفنادق. لاتتدخل ضد الجماهير إلا في التظاهر السياسي، وربما شاهدت المشهد بالكامل كعرض مسرحي لحيوانات أدنى من يتدخل أحد لوقف مهازلهم.
إستمر هذا السعار ما يزيد عن الساعتين دون أي تشويش عليه أو معارضة من أحد. ثم إنتصف الليل وإنسحب القطيع إلى زرائبه البعيدة وهو يحمل حكاية للتفاخر بين أقرانه. القطيع كان يضم من الأطفال ذوي العشر سنوات حتى المتبطلين والصنايعية في الثلاثينات، شريحة عمرية ممتدة متمازجة إجتماعياً وإقتصادياً وسياسياً. إنهم القادمون من خلف الأسوار البعيدة عند مشارف قاهرة جديدة تتمدد في برك المجاري والمياه الملوثة والتطرف الديني وأخيرا الكبت الجنسي الباحث عن ضحية. والضحايا لسن لحماً مكشوفاً يغري بالاغتصاب، والمغتصب بنسبة 90 % يستمع إلى خطبة الجمعة ويصلي فروضه الخمس ويضيق على إخوته البنات في ضرورة إرتداء الحجاب، المغتصب بنسبة 100% خارج لتوه من الشهر الكريم الذي لابد وأنه إحتفى به بإطالة ذقنه وإقامة الليل كما تؤكد النسب على زيادة المد الديني الشكلاني في تلك البيئات. المغتصب ربما يجلس أمام شاشات الفضائيات بالساعات لسماع الفتاوى الطائرة. المغتصب يملي عينه ليل نهار في كل الشوارع في شعر مكشوف أو بدي إستوميك على حجاب وبنطال، أو في حجاب يشف بخيال ما تحته من كنوز مخفية بإحكام لتزيد سعاره في التخييل إلى ما لا نهاية. المغتصب قابع في الزوايا لاينتظر لحظة الضعف أو الغواية ليشرع عدوانيته. نحن هنا في حل من ذكر إحصاءات العنوسة وتأخر الزواج في مصر، أو الحديث عن البطالة و إنخفاض الدخل، نحن هنا لانتحدث عن أحزمة سكان مصر الأصليين القابعين بين الشقوق وعزب الصفيح والمقيمين في المقابر. نحن هنا مضطرون لوصل ماهو ببعد سيدني حيث يقف إمام مهووس بالتطهر العرقي والتبرير الديني وبين جماهير قريبة في شارع طلعت حرب خرجت لاصطياد طرائدها في طقس باخوسي. مفتي أستراليا ورجاله، عودوا من حيث أتيتم. فقطط الوطن في أشد الاحتياج إليكم هنا، فنحن لن نفتح العالم بفتح أزرار بناطيلنا.

ارسل هذا المقال الى صديق اطبع هذا المقال



 



 

 
الصفحة الأولى | شؤون لبنانية | ثقافة و فنون | نوافذ | شؤون عربية و دولية | المستقبل الإقتصادي | رياضة | الصفحة الأخيرة
ملحق المصارف ... | رياضة | بزنس | شباب | أهْوَاء | ارشيف و بحث | نوافذ | PDF A4 Version | PDF Full Version
 contactus@almustaqbal.com.lb : اتصل بنا
الشركة العربية المتحدة للصحافة - جريدة المستقبل - © جميع الحقوق محفوظة 2005