الجمعة 3 أيلول 2010

ص14

كيف اغتيل رفيق الحريري على مدى أعوام قبل أن يقتل في 14 شباط؟

كان في السياسة رجل الاعتدال والتسويات لأن مزاجه الأخلاقي والديني كان كذلك. لم يتردّد ولم ينظر إلى الوراء فقد كان مصمّماً على بناء الدولة وإطلاق الإعمار. هراوات فراعنة النظام اللبناني كانت ثقيلة الوقع على مشروعه. الطبقة السياسية استوعبت الدور السوري بل استخدمته لإفراغ اتفاق الطائف من مضمونه.



كيف اغتيل رفيق الحريري على مدى أعوام قبل أن يقتل في 14 شباط؟

كان في السياسة رجل الاعتدال والتسويات لأن مزاجه الأخلاقي والديني كان كذلك.
لم يتردّد ولم ينظر إلى الوراء فقد كان مصمّماً على بناء الدولة وإطلاق الإعمار.
هراوات فراعنة النظام اللبناني كانت ثقيلة الوقع على مشروعه.
الطبقة السياسية استوعبت الدور السوري بل استخدمته لإفراغ اتفاق الطائف من مضمونه.

المستقبل - الخميس 7 نيسان 2005 - العدد 1883 - شؤون لبنانية 2 - صفحة 14


الفضل شلق

نادراً ما يكون لحادثة اغتيال فردي الأثر على مجتمع بمقدار ما كان لجريمة قتل الرئيس الشهيد رفيق الحريري ومن عرفه من قرب يدرك لماذا. لكن الشعور بالخسارة كان عاما، وهو ما زال مستعصيا على قدرتنا على الخروج من أجواء الحزن والكآبة. والمسألة تتجاوز الشأن الفردي فهي تتعلق بتحولات جذرية تصيب لبنان والمنطقة. وفي بقية سطور هذه المقالة محاولة للفهم، علَّ العقل يستطيع استيعاب الحدث.
عندما أعطى رفيق الحريري رحمه الله، أوامره في آخر شهر آب 1982 بالشروع بتنظيف بيروت من آثار الحصار الاسرائيلي وإعادة البسمة إلى وجهها، لم يسأل عن الكلفة ولم يطلب موازنة. حدّد الهدف وأعطى التعليمات في جملة واحدة. وكان ما كان مما أذكر الكثير منه وأعتز بمساهمتي المتواضعة فيه تأكيدا على إرادة الحياة التي طبعت يومذاك بيروت وأهلها وسكانها.
وعندما انطلقت مؤسسة الحريري في صيف 1984، كانت تدور في الذهن أفكار عديدة عن مشاريع اجتماعية وثقافية وعن مراكز للبحوث، لكنه كان يعرف ما يريد ويفرض التركيز على التعليم الجامعي وعلى مساعدة كل لبناني يطلب العلم في لبنان أو الولايات المتحدة أو أوروبا. ولم يطلب موازنة مالية، بل فرض (مع التشديد على كلمة فرض) ان تكون الموازنة مفتوحة وبلا حدود، ولم يصغ للاعتراضات حتى من المسؤولين عن تنفيذ المهمة. وهناك دائماً من يعتبر ان وضع الموازنة الحسابية لأي مشروع هو القاعدة، بينما كان هو ينطلق دائماً من قاعدة تحديد الهدف.
وما كان أكثر منه إصراراً على العمل الدؤوب المتواصل والمضني لتحقيق الهدف، فقد عمل طوال الثمانينات من اجل إنهاء الحرب الأهلية في لبنان. وعندما حقق اللبنانيون التسوية التاريخية في الطائف، كان ذلك على أساس وثيقة جرى تداولها لشهور طويلة، وأدخلت عليها تعديلات كثيرة تتعلق بفكرة أو بفاصلة أو بنقطة فوق حرف أو تحته، وكان يضيف كل تعديل إلى نسخة جديدة، فتراكمت النسخ، وضاقت بها عدة حقائب يحملها هو وأعوانه معه أينما ذهب. وعندما سيطر اليأس على نفوس الجميع حتى أقرب المقربين إليه في صيف عام 1989 حتى بادره بعضهم بالقول ان الأمل بات مفقودا، لكن الرجل بقي وحده يحاور بصبر وجهد قل نظيرهما، واكتشف فيه الناس رجلا سياسيا بالمعنى الرفيع بعد ان كان الكثيرون يعتبرونه رجل أعمال وحسب أو مجرد وسيط عربي.
وكان في السياسة رجل الاعتدال والتسويات لأن مزاجه الأخلاقي والديني كان كذلك، ولأنه كان يدرك في أعماق الوعي واللاوعي ان السياسة بمعناها الأشمل والأرحب يجب ان تكون تراكما للتسويات وقرارات الاعتدال. فكان يعطي للجميع من مختلف المناطق والطوائف والمذاهب، وما كان ينتظر مكافأة من احد على العطاء، والاهم من ذلك كله انه لم يحاول يوما الثأر ممن حاول النيل منه وعرقلة مشاريعه. وهل يمكن للمرء ان ينسى انه بعد ارتكابات "شرق صيدا" لم يتخذ أي إجراء بحق العاملين معه من الطوائف الأخرى، والبالغ عددهم في حينه بضعة آلاف، انتقاما لما أصاب مدينته وأهلها؟، وما لا يجب نسيانه ايضا هو انه بعد ذلك بعامين تقريبا كانت مؤسسته هي الوحيدة في تاريخ لبنان وربما في تاريخ أي بلد وهي التي دقت جميع الأبواب ودخلت جميع البيوت بلا استثناء على كامل الارض اللبنانية لتوزيع المساعدات الغذائية في أحلك مراحل الحرب الأهلية. والمعلوم ان معظم جمعيات المجتمع الاهلي والطوائف قد شاركت في هذا العمل وتطوعت لخدمة مجتمعها. وكانت مؤسسته تحقق التواصل اليومي متجاوزة خطوط التماس المادية منها والنفسية، في حين انقطعت سبل الاتصال والتواصل على معظم الآخرين.
وعندما كان يتهيأ للمشاركة في السلطة بعد اتفاق الطائف قيل له ان العمل في القطاع الخاص يختلف عنه في القطاع العام وإن التوقعات ستكون أكبر مما يمكن تحقيقه على الارض. لم يتردد ولم ينظر إلى الوراء، فقد كان مصمما على بناء الدولة وإطلاق الإعمار. كان الإعمار بالنسبة له وسيلة فضلى لبناء الدولة، وما اعتقد يوما ان هناك قدرا كافيا منه. فقد كان كل قطاع أولوية، وكان كل مشروع أولوية، وكان البلد بحاجة إلى كل شيء، إلى كل جهد بشري، إلى كل جبلة باطون وإلى كل قسطل يوضع في مكانه، وإلى كل مدرسة، وإلى كل بناء سواء أكان مطارا أو جامعة أو مستشفى أو مدينة رياضية، أو ما شابه ذلك.
كان قبل وصوله إلى السلطة يحيط الدولة (النظام) بكل ما من شأنه ان يجعلها تقف على قدميها لتمارس مهامها كدولة وكنظام. لذا كان من الطبيعي ان يمول الخطة من ماله الخاص وكذلك ترميم وتجهيز مبنى العدلية القديمة الذي سيصير لاحقا مركزاً لمجلس الإنماء والإعمار. وكان يمول شراء تجهيزات إدارية للجيش وقوى الأمن الداخلي من الهبة السعودية، وكذلك جرى تمويل الهيئة المشتركة لمدينة بيروت التي قامت بمهام أجهزة البلدية التي عجزت يومذاك عن تأدية وظائفها. وكان قبل ذلك بكثير يمول الدراسات لإعمار وسط مدينة بيروت من ماله الخاص. وفي كثير من الأحيان، كان الأمر يختلط على الناس، لكن رفيق الحريري كان هو مركز كل شيء، ولا غرابة ان يفيض المركز على ما حوله وعلى من حوله.
وعندما جاء إلى السلطة كانت الخطة الاعمارية التي تبناها البنك الدولي تضع سقفا للإنفاق على البنى التحتية يقتصر على 2/1 مليار دولار سنويا، وذلك لمدة ثلاث سنوات. فأطلق خطة أخرى لمدة عشر سنوات لأشغال تبلغ 5/1 مليار سنويا، واستخف كثيرون من أهل النظام ومن بطانته بل من أقرب المقربين إليه، بالخطة، مما أدى إلى انفجارها في قاعة مجلس الوزراء وقبل ان تناقش لكنه لم ييأس، بل ان اليأس فشل في ان يصل إلى قلبه. فسعى مرة تلو الأخرى إلى تمرير مشاريع الخطة الاعمارية عبر المجلس النيابي وبالاتفاق مع رئاسة الجمهورية، بشكل مشاريع ـ قوانين أقرت اعتماداتها وإن لم تنفذ في بعض الحالات.
كان رفيق الحريري يدرك معنى التقدم بعمق، وكان يدرك ان الخروج من التأخر إلى التقدم يتطلب قيادة سياسية لا غير ذلك، وكان يرى بعقله وبقلبه معاني معجزة دول آسيا الشرقية. وكان احد قادة تلك الدول وهو مهاتير بن محمد احد أقرب أصدقائه. وما كان الأمر صدفة إذ ان في الصداقة امتدادا للنفس أو ربما تكون أحياناً تعويضا عما تراه النفس من حلم يتلاشى أو إرادة تنكسر. كان يدرس التجارب ونادرا ما كان يستطيع التعبير عن أفكاره، فهراوات فراعنة النظام اللبناني كانت ثقيلة الوقع على مشروعه، كما ان الكتبة ما استطاعوا ولا أرادوا التجاوب مع تلك الأفكار، وما كان الفرق كبيرا بين كتبة النظام وكتبة البلاط، بلاطه هو.
وكان يدرك ان التقدم هو ما يجب ان يكون مضمون بناء الدولة، فركز اهتمامه على التقدم لا على الديموقراطية التي ما رأى فيها الا شكلا للحرية التي كان يرى فيها شيئا غير ما يراه الآخرون. ففي حين اختلف الناس حول الديموقراطية العددية والديموقراطية التوافقية، كان هو يرى الدولة شرطا للحرية، فقد تجاوز النقاشات التي خاض فيها الناس إلى شيء آخر هو أهم ما يميز بين دولة وأخرى، ألا وهو التقدم. والتقدم في نظره هو سعي وعمران وإنتاج وهو إرادة بشرية تصنع الحاضر والمستقبل، وهو التحقق الذي يصير اعتدادا بالنفس، ودون ذلك لا قوام للحرية ولا قيامة للدولة. والدولة بما هي حدود وفكرة تتعلق بمغزى الوجود الإنساني في اطار معين، لا معنى لها ولا تبرير لوجودها اذا لم تكن اطارا للتعاون والتدبير. فالدولة اطار ذو معنى ومغزى، والحرية يمكن ان تكون بل يجب ان تكون، مضمونا لهذا الإطار، كما ان الحرية انجاز وتحقق والديموقراطية شكل للحرية، فالحرية شرط للديموقراطية، والعكس غير صحيح. هذه المفاهيم والثوابت شكلت على الدوام منهاج عمله الذي حكم ممارساته السياسية والاقتصادية والذي سعى جاهداً لوضعه موضع التطبيق.
***
جاء رفيق الحريري الى السلطة، في أواخر العام 1992، حاملاً معه حلماً ورؤية لمشروع الدولة، لكن المشروع تحطم على صخور النظام اللبناني وعلى اقدام الطبقة السياسية التي استطاعت تجديد نفسها بعد اتفاق الطائف والتي استوعبت نتائج وتداعيات الحرب الأهلية بكفاءة عالية، كما استوعبت الدور السوري في لبنان، والتي وازنت بينه وبين خصومه في محاولة لاستيعابه واستيعاب الدولة ومشروعها في ثنايا النظام، والأمر يحتاج الى بعض التفصيل.
ان النظام اللبناني جزء من منظومة سياسية عربية، تتكامل فيها الأنظمة وتتشابه رغم الفروق بين خطاب ثوري ومحافظ، وبين خطاب ديموقراطي وتسلطي، وبين خطاب رجعي وتقدمي. في جميع هذه الأنظمة يطغى القطاع العام، ويشكل القطاع الخاص جملة نشاطات اقتصادية تدور حول القطاع العام وتفتقد ما يسمى المبادرة الفردية او روح المغامرة أو الاستقلالية التي تعبر عن الحرية والاعتداد بالانجاز وكل ما لا يكون القطاع العام طرفاً فيه أو متفضلاً به، في جميع هذه الانظمة يتشكل المجتمع من رعايا لا مواطنين، من اتباع يُفرَضُ عليهم نمط العيش والتفكير لا من شركاء يقررون هم لأنفسهم هذا النمط الذي تتأسس عليه الدولة والنظام. في هذه الأنظمة تتلاشى السياسة ولا يأتي الحكم تعبيراً عن الناس بل يصير نظاماً للسيطرة والتحكم والقمع والقهر.
في هذه المنظومة العربية انكفأت الارادة وتراجع الانتاج، حتى صارت وتائر النمو الاقتصادي في القرن العشرين، بما في ذلك النفط العربي، اقل مما كانت عليه في القرن التاسع عشر، وتوالت الهزائم والنكبات، بما في ذلك قيام دولة اسرائيل، وتراكمت الخيبات والاحباطات، مما عزل الأنظمة عن شعوبها وانعدمت سبل التواصل بينهما، وما بقي بينهما شيء مشترك الا عن طريق القمع والسيطرة.
وقد كان غريباً على المنظومة العربية ان يتشكل في لبنان بعد اتفاق الطائف نظام جديد مؤسس على المشاركة، ليس فقط بمعنى مشاركة الطوائف في النظام حسب حصص مقررة سلفاً، بل مشاركة الناس كمواطنين في الدولة، مشاركتهم في السياسة لصنع القرار ولتشكيل السلطة السياسية. كان غريباً ان تتأسس على اتفاق الطائف، هو اتفاق عربي، دولة مخالفة للسياق التسلطي الشائع. وبمقدار ما كان رفيق الحريري رمزاً لاتفاق الطائف، وهو الذي كان دوره في الوصول الى هذا الاتفاق يتعدى الرمزية بكثير، فقد قدّر له ان يبقى خارج السياق العربي. وسواء أكان مقبولاً لدى بعض الأنظمة كشخص او كفرد، فإنه بقي مرفوضاً لديهم جميعاً كدور ومشروع يحمل بذور التغيير.
ان الأنظمة العربية التي لا تستطيع قبول مشاركة مواطنيها في السياسة، والتي لا تستطيع تحملهم كمواطنين، والتي لا تعترف بهم الا بكونهم رعايا مستتبعين، هذه الأنظمة لا تستطيع القبول برئيس لمجلس الوزراء، في كل قطر من اقطارها، الا كموظف يتلقى التعليمات من صاحب الأمر، وما من قطر عربي يوجد فيه رئيس للوزراء كشريك كامل في السلطة.
ولم يساعد رفيق الحريري مجيئه الى السلطة كرجل أعمال. فالعلاقة بين الأنظمة العربية ورجال الأعمال ليست تكاملية ولا تبادلية. بل هي علاقة شك متبادل وحذر دائم. فالسلطات الحاكمة ترى في رجال الأعمال الكبار شريكاً محتملاً وغير مرغوب فيه. ورجال الأعمال بدورهم ينظرون بريبة وعدم ثقة الى حكام يتخذون قراراتهم عشوائياً دونما اعتبار لحقوق الملكية الخاصة. وفي الانظمة المغلقة فكرياً وسياسياً، يُنظرُ بريبة الى رجال اعمال يعتمدون على الاستيراد والتصدير، وعلى ثنائيات الشراكة مع شركات اجنبية، فالخارج هو "آخر" وموضع شبهة دائمة.
لقد تأسست تجربة دول اسيا الشرقية التي حققت تقدماً كبيراً في فترة وجيزة على علاقة تكاملية تبادلية، وعلاقة سوية، بين ثلاثي الدولة ورجال الأعمال والعالمين. وهي علاقة مفقودة في بلدان المنطقة العربية، اذ يُستتبع العاملون وتفرض عليهم الرقابة الدائمة، ويهمش رجال الأعمال لابقائهم خارج مجال السلطة السياسية. والشائع في البلدان العربية ان تبقى علاقة رجال الأعمال بالدولة مهزوزة وغير مؤسسة على القانون، ولا تحميها الأعراف، والعرف الوحيد هو ان يشتري رجل الأعمال الحماية بدفع بدل الخوة لتخفيف حدة الابتزاز. والابتزاز يكون متبادلاً في بلدان يشكل الاقتصاد غير الرسمي جزءاً كبيراً من نشاطها. والنشاط الاقتصادي غير الرسمي يشمل مساكن ودكاكين وصناعات وتجارات، صغرى ومتوسطة وكبرى، يجد اصحابها صعوبة في الحصول على التراخيص الضرورية بسبب التعقيدات القانونية، بل القوانين المتناقضة، وبسبب البيروقراطية التي لا تجرؤ على اتخاذ القرار بسبب الرقابة الصارمة والغبية، والتي تحيل المعاملات من دائرة الى أخرى ومن مستوى اداري الى آخر تحت عنوان "الاحالة لمن يلزم للقيام بالمطلوب" دون تحديد للمهمة وذلك لتفادي اتخاذ القرار وبالتالي تحمل تبعات العقوبة اللاحقة به. وهكذا يصبح الكثيرون من اصحاب النشاط الاقتصادي، على مختلف المستويات خارج النظام، بل خارج الدولة، لا لأمر ارتكبوه، بل لأن النظام يعجز عن الاعتراف بهم. فالاستبداد يؤدي الى العجز والدولة الصارمة تصير بالضرورة دولة عاجزة أمام ابنائها، وتتخلى عنهم دون ان يتخلوا هم بالضرورة عنها.
في جميع الاعمال التجارية والصناعية والمقاولات يعقد الأطراف فيما بينهم صفقات. وكلمة صفقة تعني laed بالانجليزية. لكن التعبير الانكليزي يخلو من الشبهة التي يحملها التعبير العربي، كما ان رجال الأعمال في الغرب لا يتحملون الشبهات التي تلصق بنظرائهم عندنا. وقد جاءت المنظومة العربية باشتراكيات فرضت عقداً اجتماعياً جديداً يلغي الصفقات على اعتبار انها مشبوهة. ثم جاء حكم القانون في لبنان، ولو متأخراً، للتأكيد على الأمر ذاته، وكانت الآثار الاقتصادية والاجتماعية في جميع الحالات مدمرة.
وفي حين استبعد رجال الأعمال عن السلطة السياسية في جميع البلدان العربية تقريباً، فإن رفيق الحريري الذي شارك في السلطة السياسية، او حاول ذلك على الأقل، بقي خارج السياق عربياً ولبنانياً. لقد جاء الى السلطة من باب الدولة، الدولة التي ارادها ان تكون شرعية وذات مشروعية. وما وجد تناقضاً بين عروبته ولبنانيته، لأن العروبة الوحدوية لا تقوم، أو يجب ألا تقوم الا بين الدول (وكل كلام عن وحدة شعوب لا وحدة دول، هو كلام متناقض ولا معنى له)، والدول لا تتخلى عن حدودها الا برضى سكانها، اذ ان الثابت والأكيد ان حدود الدولة لا تتغير ولا تتبدل الا طوعاً. لكن النظام اللبناني، كما الانظمة العربية، اوصدت الباب بوجهه، وعندما وصل الى ساحة السان جورج كان الحكم قد صدربحقه قبل زمن طويل.
***
ما اتفق اللبنانيون على شيء بعد اتفاق الطائف، ولا تعلموا درس الحرب الأهلية. واستمر الأمر بعد ذلك، فقد كان هناك استنكاف عن المشاركة في الدولة، ومنع قسري للبعض من المشاركة، رغم اصرار الجميع على الاستفادة من منافع النظام دون تحمل الأعباء في المقابل. وقد انقسم اللبنانيون حول رفيق الحريري ومشاركته في السلطة وجرى تضخيم دوره بما يفوق الواقع. انقسموا حول رفيق الحريري لانهم كانوا منقسمين أصلاً، مع تناوب الطوائف على فكرة الاحباط تجاه الدولة. تناوب السياسيون على اعتماد مبدأ الممانعة تجاه رفيق الحريري، والتقرب منه احياناً، رغم الرغبة عند معظمهم بالاستفادة من منافع التقرب. لكن المهم في الأمر هو أن الانقسام حول رفيق الحريري ما كان انقساماً طائفياً وحسب، فأركان الطوائف وقادتها لا يقصرون في الابتزاز عندما يرون منفعة في ذلك، بل كان الانقسام الطائفي ذاته انقساماً حول معنى الدولة وضرورات النظام. كان الأمر استنكافاً عن المشاركة في القضايا الكبرى، وعزوفاً عن المشاركة السياسية حيناً، كما كان محاولة لمنع الآخرين من المشاركة أحياناً.
كانت القضيتان الرئيسيتان اللتان ساهمتا في تقويض فكرة الدولة هما فكرة السيادة من جهة وفكرة إنكار الإعمار والنهوض الاقتصادي من جهة اخرى. وفي كلتا الحالتين كان رفيق الحريري هو الرمز المطلوب رأسه. وما تغير الأمر إلا بعد استشهاده، حين ارتكبت جريمة بشعة بحقه وبحق اللبنانيين والعرب عموماً.
والجريمة كانت مجزرة أراد مرتكبوها القضاء على الشخص وعلى الرمز وعلى كل رغبة أو إمكانية بالنهوض الذي يمكن اللبنانيين من تحقيق حريتهم حسبما يرونها هم، لا حسب ما يراد لهم. والسيادة على كل حال، لا علاقة لها بالحرية، إذ غالباً ما تتحقق سيادة بلد ما على يد نظام ديكتاتوري. فالسيادة تتعلق بالبلد ككل، والحرية تتعلق بالفرد في إطار الدولة، ولا يقود الواحد منهما بالضرورة الى الآخر. وما كان شعار "حرية، سيادة، استقلال" الذي طرحته المعارضة أخيراً إلا تعبيراً متناقضاً عن موقف سياسي يربط ربطاً مفتعلاً بين المفهومين من أجل غايات آنية.
بدأ الأمر بالإحباط الذي انطلق مسيحياً في العام 1992، والذي أدى الى مقاطعة انتخابات ذلك العام، ثم تعاقبت عليه الطوائف حسب ظروف كل منها. لكن الإحباط الذي بدأ خروجاً على الإجماع المطلوب من أجل قيام الدولة في نظام توافقي، انتهى الى مطلب السيادة الذي كان معناه أن الدولة ذات وجود ناقص أو معدوم. وقد رفع الشعار في وجه سوريا، لكنه ما كان اعتراضاً على سوريا بحد ذاتها ولا على نفوذها في لبنان، فالكثيرون من أركان المعارضة اليوم، أو معظمهم، كانوا بين الحين والآخر، أو في معظم الأحيان بعد الطائف، هم أكثر المستفيدين من العلاقة مع سوريا، ولا كان الاعتراض على أحادية العلاقة، فهم يستبدلونها بأحادية أخرى، ولا كان الاعتراض على لا ديموقراطية العلاقة، فأركان المعارضة لا يتميزون بالديموقراطية في العلاقة مع اتباعهم. ولا كان الاعتراض على الطابع العربي للعلاقة مع سوريا، فالذين رفعوا شعار السيادة يطالبون في الآن ذاته بعروبة من نوع آخر، عروبة حضارية (فكأنه يمكن لأية هوية لأي مجتمع على الأرض أن تكون هوية غير حضارية أو غير مضمونة) ولا كان الاعتراض على الطابع الخارجي للعلاقة، فهم يستبدلون خارجاً بخارج آخر. بل كان جوهر مطلب السيادة يتعلق بالداخل اللبناني، بالعلاقات المستجدة بين اللبنانيين أنفسهم بعد الطائف.
يتعلق مطلب السيادة قبل كل شيء بإعادة ترتيب البيت اللبناني لإزالة الآثار المترتبة على اتفاق الطائف. فما اعتبر خللاً أو سوء تطبيق لهذا الاتفاق هو إمكانية نشوء علاقات جديدة تغير في موازين القوى السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعسكرية. وما كان مرفوضاً هو إمكانية تطور لبنان الى مشاركة سياسية، داخلياً وخارجياً، تغاير الدور الذي أعدّ له يوم رسمت حدوده. وما كان مرفوضاً هو انتقال اللبنانيين من دور الرعايا، رعايا الدولة العلية ذات الصيغة الفريدة والفذة، الى طور المواطنين الذين يشاركون في المجال العام بقدر من المساواة وإن بنسب اجتماعية متفاوتة. وقد كان رفيق الحريري رمزاً لهذه الإمكانية، وخطراً يهدد بتحقيق هذا التطور، فكان وجوده في السلطة بنظرهم هو التجسيد الفعلي لنظرية سوء تطبيق الطائف.
وكان المطلوب منع تطبيق اتفاق الطائف، ومن أجل ذلك استعين بالدور السوري، أو بالأحرى جرى استيعاب دور سوريا في لبنان. فكما كان الأمر مع قناصل الدول الغربية سابقاً، كان السلوك مع الضباط السوريين في لبنان. فما طبقت الاتفاقات المشتركة بين البلدين، ولا خففت القيود على الحدود، وما جرى القيام بخطوة مستساغة تشير الى علاقة الاخوة بين البلدين، بل كانت المنافع متبادلة، وكانت مادية حيناً وسياسية حيناً آخر. والمعروف أن الانعزالية على طرفي الحدود اللبنانية ـ السورية المشتركة تتبارى في إظهار الروح العملية. وفي جميع الأحيان كان العروبيون الحقيقيون يستبعدون أو يهمشون، وأحياناً يدفعون الثمن غالياً. إن الطبقة السياسية ـ الاقتصادية التي استوعبت "الدور السوري" في لبنان، فعلت ذلك لا من أجل إقامة علاقة سوية بين البلدين بل من أجل الحماية في وجه التقلبات التي يمكن أن تنتج عن اتفاق الطائف وعن إرساء القواعد لعلاقة سوية بين البلدين.
هكذا يبدو أن مقولة "حرب الآخرين على أرض لبنان" التي استخدمت من قبل البعض لوصف الحرب الأهلية الأخيرة، كان ظاهرها إعطاء صك براءة للبنانيين المساكين، لكن البراءة تخفي استخفافاً باللبنانيين الآخرين، استخفافاً بمشاعرهم ومطالبهم في أن يصبحوا مواطنين كاملين وشركاء فاعلين. فالمعلوم أيضاً أن رفض السلطة اللبنانية الاعتراف بهذا المطلب، مطلب المشاركة، في الثمانينات هو ما نسف مؤتمر جنيف، ثم مؤتمر لوزان، ثم الاتفاق الثلاثي، وهو ما أطال عمر الحرب الأهلية بضع سنوات.
أما القضية الكبرى الثانية التي فشل الإجماع حولها لتأسيس فكرة الدولة، فهي تتعلق بالإعمار والنهوض الاقتصادي. والمسألة لا تتعلق بطائفة أو طوائف بقدر ما تتعلق بطبقة سياسية تصادر الطوائف كلاً على حدة وتسخرها لمصالحها.
وكلما سنحت الظروف لهذه الطبقة السياسية بأن تطرح مطالبها بصيغ طائفية تفعل ذلك مستفيدة من صيرورة المطالب (مطالبها) الى ما يشبه الغرائز عند الطوائف.
وما يشير اليه تعبير "الطبقة السياسية" لا يتمثل برجال السياسة والوجهاء الذين يتبارون على القيادة ويتنافسون على السلطة، بل هو شبكة العلاقات الاقتصادية والمالية والاجتماعية التي يمثلها هؤلاء ويتقيدون بها.
والسؤال الكبير هو كيف استطاعت هذه الطبقة السياسية تجديد نفسها بعد الحرب الأهلية. وكيف استطاعت تثبيت شروط اللعبة السياسية كما كانت عليه قبل العام 1975، رغم اتفاق الطائف ورغم الدور السوري. وإذا اعتبرنا أنها استوعبت الدور السوري بل استخدمته من أجل إفراغ اتفاق الطائف من مضمونه، فقد كان لديها وسيلة أخرى استخدمتها أيضاً لمواجهة رفيق الحريري، رمز المرحلة الجديدة ومحرك تطورها. الوسيلة الأخرى كانت الممانعة في وجه الإعمار والنهوض الاقتصادي. لم تطرح هذه الطبقة مطلباً إلا وتراجعت عنه في مواجهة الرئيس الحريري، لكنها في النهاية هي التي وضعت الأجندة الاقتصادية ووضعت حداً للإعمار (إعمار البنى التحتية، علماً بأن الإعمار شرط ضروري للنهوض الاقتصادي). فهي التي وضعت الأجندة الاقتصادية ـ الاجتماعية، كما استطاعت عن طريق دعاة السيادة والاستقلال في النصف الثاني من التسعينات وضع الأجندة التي ستصبح في ما بعد برنامج عمل المعارضة.
بعد المعارضة العنيفة لمشروع الوسط التجاري كانت هناك تعبئة واسعة لمجموعات واسعة من المثقفين والشعارات، من مختلف ألوان الطيف اليساري، كما اليميني، وقوبل الإعمار بشعارات مثل "تنمية البشر قبل الحجر" إلى ما سمي مواجهة المشاريع الشرق أوسطية لصالح المشاريع المتوسطية (على افتراض وجود فرق بينهما) الى مواجهة الخصخصة وغيرها من برامج الليبرالية الجديدة والرأسمالية المتوحشة. واللافت (غير المدهش) حقاً أنه ما إن غاب الحريري عن السلطة في العام 1998 حتى جاء البرنامج الوزاري لحكومة الحص ليجعل من الخصخصة قانوناً وحلاً سحرياً، وذلك على يد وزير مالية عرف من قبل بلونه اليساري وتعاطفه مع بلدان العالم الثالث وحنينه للامبراطوريات (العثمانية والنمساوية) التي اعتبرها أكثر تسامحاً مع التنوع الاثني والطائفي من الدول القومية اللاحقة.
وكان الضجيج عالياً في التسعينات، مما أدى الى إجهاض المشروع الإعماري، والى أن لا تناقش خطة الإعمار في مجلس الوزراء والى أن يصير البلد دون برنامج عمل اقتصادي. وجرد رفيق الحريري من سلاحه الأمضى، وحمّل الإعمار، زوراً وبهتاناً، مسؤولية تراكم الدين العام. وبُرّئ كل الآخرين، من أوزار المسؤولية. ووضع الحريري في موضع الاتهام وجعلت محاربة الفساد شعاراً للمرحلة يُرفع بحق وبغير حق.
وكانت البدعة الكبرى عندما جاء "حكم القانون" و"دولة المؤسسات": حكم القانون كي يصادر البعض القانون ويحكموا باسمه، ودولة المؤسسات كي يقولوا إن المؤسسات هي المسؤولة عن الافتراء والابتزاز وليسوا هم المسؤولين. في ظل هذا الحكم جرى فصل الأمن والسياسة عن الاقتصاد ووضع هذا بيد جهة معينة وزعم أن ذاك موجود بيد جهة أخرى. وصار التحكم بالأمور عن طريق مؤسسات الظل، وما عادت مؤسسة رسمية في أية وزارة أو مؤسسة عامة قادرة على أخذ القرار. وجرى العمل بواسطة قرارات عشوائية، حتى أصبح جزء كبير من نشاط الدولة ومن نشاط القطاع الخاص خارج المجال الرسمي وجزءاً من الاقتصاد الموازي؛ أي الاقتصادي غير الرسمي.
إن فصل السياسة والأمن عن الاقتصاد، أخرج بعض الاقتصاد من القطاع الرسمي، لكنه في المقابل ترك كل الاقتصاد اللبناني دون سياسة أو دون قيادة، فتوسع القطاع العام لا بسبب قرارات اتخذتها السلطة بل بسبب العجز عن اتخاذ القرار. وإذا كانت مهمة السياسة هي إدارة شؤون المجتمع بما فيه الاقتصاد، فالفصل بين الجهتين كان معناه إفراغ السياسة من مضمونها وتعطيل الدورة الاقتصادية، فصار البلد أشبه بشاحنة دون مكابح تهبط نزولاً. افتقدت المكابح لا بل القيادة، وكل ذلك من أجل تعطيل ما سمي برنامج الحريري الاقتصادي.
لكن حقيقة الأمر هي ان إحالة الحريري على البطالة المستترة والحدّ من صلاحياته، رغم وجوده في السلطة، كان من أجل هدف اضافي آخر هو النهب القانوني المنظم، ذلك ان الفصل بين المجالات السياسية والأمنية والاقتصادية، أدى إلى تعطيل دورة الاقتصاد، وبالتالي إلى تراجع موارد الدولة، وإلى تفاقم العجز في الموازنة وإلى تراكم الدين العام. وبالرغم من ان الدين العام كان أشد خطراً على سيادة الدولة وأكثر تهديداً للنظام ولمعاش اللبنانيين، إلا انه جرى الامعان في مراكمة الديون. وكانت جهات غربية اضافة لأصحاب المال اللبنانيين على استعداد لمد النظام اللبناني بالديون، للاستفادة من الفوائد العالية. وكان النظام أكثر استعداداً للاستدانة من أجل النفقات الجارية. وإذا علمنا ان معظم الدين العام، أكثر من نصفه، هو فوائد تراكمت على مدى السنوات، وان هذه الفوائد ذهبت إلى جيوب عدد قليل من المصارف والعائلات اللبنانية الرأسمالية الكبرى (4 في المئة من المودعين في المصارف يحوزون 90 في المئة من الايداعات) وان الفوائد التي وصلت حيناً في أواسط التسعينات إلى 38 في المئة واستقرت معظم الأحيان على مستوى 15 في المئة سنوياً؛ وإن قراراً مهماً مثل تثبيت سعر الليرة مقابل الدولار، والذي كلف الدولة غالياً لاضطرارها إلى دفع مبالغ طائلة من العملات الصعبة للدفاع عن الليرة التي اعتبرت رمزاً وطنياً بمثابة الأرزة، لم يتخذ في أية مؤسسة رسمية من مؤسسات الدولة؛ حين نضع ذلك نصب أعيننا، ندرك فداحة الأمر وندهش لقدرة النظام اللبناني غير الرسمي على اتخاذ قرارات تفرض على الدولة ولا يستفيد منها إلا البعض، فقد كان ذلك بمثابة نهب قانوني منظم للدولة وايراداتها، نهب وضع المجتمع اللبناني في حالة خوف دائم، خوف على وضع الليرة، بل خوف على المصير.
إن الدَين العام عبارة عن عصا وجزرة في الوقت ذاته، فهو جزرة الترغيب للنظام اللبناني كي يعمل على المزيد من الاستدانة لما في ذلك من فوائد على خواص النظام وكي يتصرف بعدم مسؤوليته،. فعوضاً عن بناء الدولة التي تتحمل مسؤولياتها امام مجتمعها، الدولة التي تستطيع ضبط النفقات كما توزيع الايرادات بشكل عادل، الدولة التي يكون وجودها، والعلاقات بينها وبين مجتمعها، حافزاً على العمل والإنتاج مما يلغي الحاجة لمد اليد للخارج وديونه ومساعداته؛ عوضاً عن كل ذلك يفعل المسؤولون ما يشاؤون ويتخذون قرارات عشوائية ويدخلون البلد في دوامة الخلافات الشخصية المفتعلة، وينعمون على الأقربين بالأنعام والخلع، دون الانشغال بإيجاد ايرادات، أو بالأحرى دون ان يحملوا همّ بناء اقتصاد يتيح ما يكفي من الايرادات وذلك بوجود دائنين على الأبواب يضغطون نحو المزيد من القروض للدولة، فكأنهم طبقوا شعار "أصرف ما في الجيب يأتيك ما في الغيب".
لكن استفحال الدين العام كان في الوقت نفسه عصاً غليظة، إذ ان الدائنين لا يسامحون، وعلى الدولة أن تدفع المستحقات عليها كي تستطيع المزيد من الاستدانة من ناحية، وكي تتلافى الضغوط الخارجية، إن استطاعت، من ناحية أخرى. ومن المعلوم انه في حال قيام أزمة مالية يكفي ان تسحب وديعة كبرى واحدة إلى الخارج كي يصاب الناس بالهلع ويزحفون متدافعين إلى المصارف، وانه في حال تمنّع طرف واحد عن الدفع لعدم توفر السيولة لديه، تكرّ المسبحة وتنهار الليرة اللبنانية، وتتلاشى مداخيل ذوي الأجور المحدودة بقدر ما تنخفض قيمة الليرة اللبنانية، وقد عرف اللبنانيون أوضاعاً مماثلة على مدى العقدين الماضيين، ولا تزول من أذهانهم ذكرى تدمير الكثير من مدخراتهم في مطلع الثمانينات مما أدى إلى إفقارهم.
* * *
ليس في لبنان معارضة أو موالاة بمعنى الاستقطاب حول برامج تتشكّل من قضايا يتم الالتزام بها، بل هناك شبكة من العلاقات المتموجة، حيث تتغير التحالفات بين حين وآخر وفي مد وجزر دائمين، وكأن في الأمر تقسيم عمل أو توزيع مهام كي يقوم كل فريق بما هو مطلوب منه. إن تثبيت سعر الليرة اللبنانية مثلاً هو قرار كبير كلف الخزينة، واللبنانيين عموماً، مبالغ كبيرة وأدى تراكمها إلى دين عام كبير وإلى عملية النهب المنظم والقانوني لمدخرات اللبنانيين ولنتاج عملهم في المستقبل. ولا يستطيع أحد أن ينبئنا بالجهة الرسمية التي اتخذت هذا القرار ولا في أية مؤسسة معينة من مؤسسات الدولة نوقش هذا القرار تمهيداً للأخذ به، والظاهر انه كان المطلوب أن يتخذ هذا القرار رغم ان التجارب المتكررة لكثير من البلدان تشير انه ما من بلد قرر تثبيت سعر عملته إلا وأدى ذلك إلى الانهيار المالي وما يترتب عليه من انفجارات اجتماعية.
إن أصحاب المال من مصرفيين وتجار ورجال أعمال كبار، ما كانوا يوماً من محبي رفيق الحريري، لكنهم كانوا دائماً راضين عن سلوك النظام ما دام ريع فوائد الدين العام يتدفق إلى جيوبهم، فهم ما طرحوا مطالب إلا وتراجعوا عنها عند اقل ممانعة، فما كان لديهم التزام الا بقضية واحدة هي هذا التدفق المالي باتجاه واحد، فما التزموا بالحريري ولا امتنعوا عن تأييد خصومه، وهللوا لمجيء دولة القانون والمؤسسات. وكانوا يتنقلون لدى الجهتين، ويبذلون اقصى الجهد لارضاء القناصل السوريين، وجميع القناصل الآخرين.
الا يسترعي الانتباه انه ما كان للبورجوازية "الوطنية" حزبها ولا برنامجها الليبرالي؟ وهل هناك حاجة لديها "للنضال" في الوقت الذي ترى حكومات ما بعد الطائف المتعاقبة تقيد التظاهر و تمنعه، وتفرغ النقابات العمالية وتحولها الى هياكل خاوية ويابسة؟ ام ان التركيز على المؤسسات الطائفية كان كافياً بالنسبة للبورجوازية الوطنية، في حين كانت الدولة تحقق لها رغباتها المعلنة وغير المعلنة؟.
لقد كانت لدى رفيق الحريري رغبة دائمة بأن يؤسس ويقود حركة سياسية، سواء اطلقت عليها تسمية الحزب او غير ذلك، لكنه حُرِمَ من ذلك. فقد كان إنشاء الحزب او الحركة السياسية، كما وجود النقابات العمالية وغيرها من المؤسسات التي تمثل الجمهور تمثيلاً جدياً دون المرور عبر الشبكة السياسية ـ الاقتصادية، من الامور المعتبرة غير ضرورية. على ان حزباً واحداً ذا امتداد جماهيري تأسس في الثمانينات، لضرورات المقاومة، وهو حزب الله، لكنه كان خارج السياق اللبناني، رغم ما حظي به من تأييد كلامي واجماع مزعوم حوله. وما ان خرج السوريون او همّوا بالخروج من لبنان حتى بدأ مصير حزب الله يطرح بقوة من داخل وخارج الشبكة اللبنانية. واذا كانت ضرورات المقاومة قد فرضت حزبها، فإن قيام حزب آخر لقائد مثل رفيق الحريري كان سيُهدد التركيبة اللبنانية من اساسها.
مع الانسحاب السوري من لبنان، تسجل الشبكة اللبنانية احد انتصاراتها، الذي تضيفه الى انجازاتها السابقة وبخاصة استيعاب الحرب الاهلية وإلغاء تداعيات اتفاق الطائف الذي كان يفترض ان يؤدي الى مشاركة اوسع وأشمل بين اللبنانيين، وهي استطاعت تحقيق كل ذلك باستخدام سلاحها الامضى وهو إلغاء السياسة عن طريق دفع الامور نحو استفحال الطائفية، الامر الذي ادى في المحصّلة الى مصادرة الجمهور ولجم مطالبه وتحطيم من يجسدون احلامه، وفي طليعتهم الشهيد الرئيس رفيق الحريري. والطائفية ليست حصيلة التنوع الذي لا يكاد يخلو منه مجتمع او دولة، بمقدار ما هي حصيلة الانقسام الآيل الى انقطاع الحوار.
يسهل إلقاء اللوم على الآخرين وجعلهم مسؤولين عن اخطائنا لتبرئة الذات ونفخها بطهرانية زائفة. ومثلما قيل في الحرب الاهلية انها حرب الآخرين على ارض لبنان، تلقى الآن مسؤولية الاوضاع اللبنانية التي تقترب من الكارثة على عاتق السوريين (علماً بأن أخطاءهم في لبنان كانت كثيرة) حتى كدنا ننسى مساوئ النظام اللبناني.
لقد برهن المجتمع اللبناني عن مستوى عال من النضج والمناعة حين توالت التظاهرات المليونية، بهذا الاتجاه أو ذاك، ودون حادثة تذكر. لكن النظام اللبناني لم يكن في مستوى المجتمع، والارجح ان النظام أقل مناعة من مجتمعه. وبغض النظر عن التفجيرات الأخيرة هنا وهناك، يبدو ان النظام يترنح في وقت يراد له ان يدخل في مرحلة جديدة ليست بالضرورة منسجمة مع متطلبات اتفاق الطائف، ولا متفقة مع روح التسوية والرغبة بالحلول السياسية. وربما كان اغتيال الشهيد الرئيس رفيق الحريري خطوة في هذا الاتجاه.
لقد تحطمت رؤية رفيق الحريري على صخرة النظام اللبناني بعد وقت قصير من مجيئه الى السلطة. وهناك من اغتال روح رفيق الحريري قبل ان يغتاله المجرمون. فهل في ذلك اعتبار لدى من يعتبر؟ وكل جواب محتمل يقود الى سؤال آخر.

ارسل هذا المقال الى صديق اطبع هذا المقال



 



 

 
الصفحة الأولى | شؤون لبنانية | شباب | مخافر و محاكم | رسائل الناس | ثقافة و فنون | شؤون لبنانية 2 | رأي و فكر | المستقبل الإقتصادي | شؤون عربية و دولية | رياضة | الصفحة الأخيرة
ملحق المصارف ... | رياضة | بزنس | شباب | أهْوَاء | ارشيف و بحث | نوافذ | PDF A4 Version | PDF Full Version
 contactus@almustaqbal.com.lb : اتصل بنا
الشركة العربية المتحدة للصحافة - جريدة المستقبل - © جميع الحقوق محفوظة 2005