الجمعة 3 أيلول 2010

ص21ص20

مقابلة غير منشورة مع ممدوح عدوان:

التقارب الثقافي بين الشعوب العربية هو الذي يحقق التقارب بين القوميات الموجودة في المجتمعات العربية وما عدا ذلك زعبرة وكذب



مقابلة غير منشورة مع ممدوح عدوان:

التقارب الثقافي بين الشعوب العربية هو الذي يحقق التقارب
بين القوميات الموجودة في المجتمعات العربية وما عدا ذلك زعبرة وكذب

المستقبل - السبت 5 شباط 2005 - العدد 1825 - ثقافة و فنون - صفحة 20


دمشق ـ علي العائد

حتى اللحظة الأخيرة من حياته، استمر ممدوح عدوان، الإنسان، وفيّاً لحياته التي ضرب بها مثلاً في الإبداع الإنساني، متجاوزاً ضائقة الوقت، فاتحاً جرحه للريح، متعالياً على اليأس أمام جائحة المرض العضال.
ممدوح عدوان هو القائل: تتجلى قوة الحياة أنها تستمر بعد رحيلنا.
رحل ممدوح، لكن إبداعه، الذي تجاوز الثمانين كتاباً، باقٍ بيننا. وإبداعه في العيش سيبقى مثالاً.
في مسيرة الشاعر سبع عشرة مجموعة شعرية، وست وعشرون مسرحية، وستة عشر مسلسلاً تلفزيونياً، منها أربعة تاريخية. إضافة إلى عدد من الترجمات الهامة، وروايتين، وآلاف المقالات.
أجرينا هذا الحوار غير المنشور في الشهر الأول من عام 2003، أي قبل حوالي عامين، وقبل اكتشاف مرضه بحوالي شهرين.
***
في روايتك "أعدائي" تقدم رؤية متخيلة لبدايات تمكُّن الصهيونية من أرض فلسطين. ما هو الاقتراح الفني البديل الذي أردته من ذلك؟.
ـ اعتمدت الرواية على الوثيقة بشكل كبير، لكنني مع مبدأ أن الإبداع هو تدخل بنات الواقع وتحويلها إلى بنات الإلهام، ومثال ذلك حادثة محمد الدرة،.. ليس اختباؤه وراء ظهر أبيه، ولكن الحالة نفسها، التي يمكن الحديث عنها إنسانياً. وعندما اشتغلت على مرحلة سفر برلك جمعت وثائق كثيرة، لكن عندما كتبت الرواية كتبتها كما أرى، وليس كرواية تاريخية أو وثائقية، أي كما يجب أن تكتب الرواية فنياً، وعندما أنهيت فكرتي بدأت الحذف، فالإبداع فن الحذف. الإطار العام هو الصراع العربي ـ اليهودي خلال الحرب العالمية الأولى، وانهيار الإمبراطورية العثمانية، وتمكن اليهود من التغلغل في فلسطين، وانعكاسه على شراء الأراضي.
في الأساس عندي رؤيا لذلك، فالعرب لم يكونوا يعرفون ما يريدونه، وهم لا يزالون كذلك. الصهاينة نفذوا مشروعهم، وحققوا إنجازات على أرض الواقع. والمخلصون من العرب، مثل (عارف وابنه إبراهيم، في الرواية) لم تكن لديهم رؤيا واضحة، حتى إن القول في السنوات 1915 ـ 1916 ـ 1917 بنية إقامة دولة يهودية كان يعتبر كلاماً فارغاً، مع أن الكتاب والصحافيين كانوا يكتبون ويتظاهرون ضد ذلك.
في أسلوب كتابتي للرواية هناك ما يسمى الإصغاء للبيئة، وعندي في طفولتي ذكريات عن أناس وعن طريقة حديثهم، ففي كل سهرة يحكي لك أحدهم النكتة نفسها، وفي كل مرة يُضحك، فطريقة كتابة الرواية لا يمكن الحديث عنها، ولذلك أطلقت العنان حتى للكلام البذيء، كما يجري بين الأصحاب، وبعدما انتهيت وجدت فعلاً أنه بذيء، لكنني لم أحذفه، فهذا الكلام يقربها من القارئ أكثر، وإن كان غير معتاد على ذلك، أو يفضل الكلام المهذب.
عودة إلى التراث
في الرواية عودة إلى التراث، وإلى (تغريبة بني هلال) وذياب بن غانم، كمثال للبطل عارف. هذه العودة إلى التاريخ قد تفسره بنوع من الأصولية. ما هي القصيدية الفنية أو الفكرية من العودة إلى التراث؟
ـ بطلي هو عارف، لكنني لا أتبناه تماماً، فواحد من عيوبه اعتقاده بالتماهي مع ذياب بن غانم، فلا يرى ما يجري حوله في ذلك العصر. وكلما أراد يذهب إلى المقهى ليسمع قصته، وكلما تعرض لمأزق يخطر بباله السؤال: ماذا كان سيتصرف ذياب بن غانم. فمثله الأعلى موجود في الماضي، وليس في الحاضر، أو استشراف المستقبل، وهذا أحد أسباب فشله. عارف شخص نقي، ونقاؤه جعله يتشبه ببطل تغريبة بني هلال (ذياب بن غانم) لأنه يجابه ويضرب، بينما كان أبو زيد الهلالي يستخدم الحيلة. من حيث المبدأ، بعض العودات إلى التاريخ تنطوي على أصولية متحجرة، لكنني لا أظن أن ذلك ينطبق على الرواية، فبطلي كان يواجه ويضرب ويطارد، لكن مثاله الأعلى بقي في الماضي، وفي التغريبة تحديداً، التي لا تشكل وثيقة. وعارف، في الرواية، هو الوحيد الذي يفكر بهذه الطريقة، والمقاطع التي تبدأ بأبيات شعرية من التغريبة أعني بها شخصية عارف. وعارف يتصور أنه يستطيع أن يعيد الزمن الماضي. وأنا أقول في الرواية، وفي نهايتها التي كانت جارحة (آه يا ذياب بن غانم ضعت أنا ويَّاك).
للرواية بعدان، إنشائي وأخلاقي. هل شكل الجمع بينهما خياراً، أم أن موضوع الرواية لديك يفرض ذلك؟
ـ كل الثقافة إنشائية. وكنت أريد الوصول إلى صيغة لإيصال هذه الحكاية. وهذا فرض علي المفردات والحوار وطريقة بناء الشخصيات، لأنه شخص كان خائفاً في أعماقه، وإذا استمعت إلى حكواتية القرى في المضافات، ستجد أنهم يتحدثون عن الآخرين، أو عن شخص عادي يتبناه الحكواتي. وهذا فيه صعوبة كبيرة عليَّ ككاتب ملتزم بسبب وجود شخصيات يهودية، وأنا ضدها في المبدأ، لكنني أخلصت لها في الرواية كشخصيات، وأخرجتها من النمطية التي يتعامل فيها العرب مع العدو، وهم (بني آدمين) وشعراء، وعندهم مشاريع، وعندهم عشق، ومشاكل، مثلهم مثلنا، لكن أولئك عملوا على مشروعهم، ونحن ليس لدينا مشروع لنعمل عليه، ونحن خاضعون لرد الفعل بينما هم ينفذون ما يريدون.
كروائي، ومتابع للرواية العربية والأجنبية. يعتقد بعض المثقفين أن الأزمة في الأدب خصيصة في الثقافة العربية. هل تجد لامحاً لهذه الأزمة في الثقافات الأخرى؟
ـ أولاً: الأزمة موجودة في العالم كله، وليس في العالم العربي فقط، بمعنى تراجع الشعر، وتقدم الكتابات الأخرى. وهذا مفهوم غير جديد، فسابقاً كان المسرح والشعر في الآداب الأوروبية، ودخلت الرواية بعد ذلك، وعندما تقدمت الطباعة عززت الأنواع الأدبية. وفي العالم كله، الآن، هناك تراجع للشعر ومكانته، وقد ترجمت كتاب أوكتافيو باث، الشاعر المكسيكي، (الشعر ونهايات القرن) صدر عن دار المدى. يقول باث في الكتاب: لم تمر مرحلة إلا وكان الشعراء يشكون من قلة القراء، وحتى في القرون 17 ـ 18 ـ 19 في أوروبا، حيث نشر الأوروبيون الحداثة يحدثنا باث عن رامبو وفيرلين وبودلير الذين طبعوا 150 نسخة من كل كتاب، ولاقوا صعوبة في بيعها، حتى بعد عشر سنوات من صدورها، وهم الذين أسسوا للحضارة الشعرية في العالم. الأزمة دائماً موجودة.
ثانياً: من أسباب استفحال الأزمة أن العصر قدم فنوناً أخرى جديدة. وعندما كنا نقول إن الشعر ديوان العرب، فهذا لا يعني على الإطلاق أن العرب كلهم شعراء، ولا يعني أنهم كانوا كلهم يتذوقون الشعر، لكن الشعر كان سجلاً لأيامهم، والسجل له وظيفة للنسب والتاريخ والمفاخرة والإعلام. أما الآن فقد كثرت التخصصات وأخذت من الشعر بعض وظائفه السابقة، وبالتالي قلَّت أعباء الشاعر، وستبقى تقل أعباؤه حتى يصبح شعراً فقط. والقارئ لن يتابع قصيدة كقصيدة نزار قباني التي تتناول فضيحة سياسية، فالتلفزيون الآن أقدر على تصوير ذلك من الشعر. وأحد أسباب شهرة نزار متابعة قصائده السياسية للأحداث، وموقف الشاعر منها. ومن قبل ذلك قصائده الغزلية كتفريج عن الكبت.
الآن، في العصر الحديث، ظهرت وتظهر فنون جديدة تحقق للقارئ العادي متعاً كان يبحث عنها في الشعر، فلم يعد مضطراً لذلك. وحدث تحولان، فالشعر تخفف من أعبائه، فلم تعد من وظائفه تسجيل التاريخ. لقد انصرف الشاعر إلى فيضه الداخلي. والقارئ لم يعد يتابعه من أجل التاريخ أو الفضيحة الإعلامية والسياسية، فكتب التاريخ والإعلام تؤدي غرضها، والتخصصات خففت أعباء الشعر. وإذا دققنا قليلاً نجد أن كثيراً من القصائد التي انتشرت سابقاً لم يكن سبب انتشارها حمولتها الشعرية، فهناك سر الموقف الإضافي فيها، وليس الشاعرية. وخذ قصائد محمود درويش ونزار قباني التي صورت المواقف السياسية أو الوطنية الممنوعة أو المرغوبة. لذلك انتشرت. لكن القول بقيمتها الشعرية يحتاج إلى نظر. فهناك موقف الشاعر، وموقف القارئ، سواء اكان في المعارضة أو السلطة، والذي يقرأ ليعرف إن كان الشاعر مدحه، أم ذمه.
أبو الفنون
كتبت حتى اليوم ستاً وعشرين مسرحية، وبعضها قُدِّم على خشبة المسرح. هل ذلك لإيمانك بمكانة المسرح (أبي الفنون)، وهل هو كذلك في عصر التلفزيون والسينما؟
ـ المسرح يمر بما يمر به الشعر. فانتشار وسائل الاتصالات الحديثة، من إنترنت وفضائيات، قدمت إلى القارئ أو المتفرج بديلاً عن المسرح. وهذا أثر على جمهوري السينما والمسرح، خاصة في البلدان النامية التي لا تعتمد على أرضية ثقافية متينة. المسرح يمر في أزمة، لكنه لا يموت. هناك إغراءات للممثلين للاتجاه إلى التلفزيون، لكن يظل المسرح موجوداً، وإن خف بهاؤه الذي كان في الستينات والسبعينات. ونلاحظ أن قرار أحدنا الخروج من بيته ليذهب إلى المسرح هو قرار مدهش، وإن اعتقدنا أنه بسيط، خاصة في الشتاء والبرد، ووجود التلفزيون والكمبيوتر الذي يتيح مشاهدة الأفلام والمسرحيات، والقنوات التلفزيونية الكثيرة، ولذلك يصبح الذهاب إلى المسرح للمهتمين بالمسرح فقط، مثله مثل المهتم بالشعر.
قلة العروض
المسرح مكلف نسبياً، ومردوده قليل، وهو متعب للممثل خاصة. هل هذه فقط أسباب قلة العروض؟
ـ هي جزء من أسباب، إضافة إلى إغراءات التلفزيون بالأجر العالي والشهرة.
لكن عندما ينظر أحدنا إلى عمل سيقضي في التدريب عليه ثلاثة أشهر، ثم يقدمه يومياً، وإذا كنت مريضاً بالرشح يتعطل العمل، أو لا يتم كما يجب. جماعية المسرح لا تجعله ينجح كما يجب إذا تعطل عنصر فيه. والمسرح فن جماعي بحاجة إلى عقلية مؤسساتية، والمؤسسات غير موجودة، فحتى المؤسسات تدار من قبل أشخاص يعتبرونها مزرعة خاصة.
ثم إن دمشق لا تمتلك مسارح مناسبة، فمسرح الحمراء غير جاهز، ومسرح القباني يتسع لأقل من 200 متفرج، والمسرح العمالي يتبع لاتحاد نقابات العمال، ويتعطل بحسب مزاج القائمين عليه، فساعة فيه عمل، وساعة لا يعمل. وأما المسرح القومي فمازال يجري العمل فيه لمدة ثلاثين عاماً، ولم يجهز (!) ونصف بناء سوريا الذي تراه الآن أنجز في الثلاثين عاماً الماضية،.. خذ دمشق من المعرض حتى المزة، وخذ مشروع دمر وبرزة، وكلها بنيت في الثلاثين سنة الماضية، وهنا لا أتهم أشخاصاً بعينهم، لكنني أتهم العقلية، فلو كانت لدينا عقلية محاسبية لما بقي على هيكله كل هذه السنوات، وقد كلف خلال هذه الفترة، طبعاً، عشرات أضعاف التكلفة الحقيقية، إضافة إلى إعاقة وجود المسرح، ففي العام 2002 طُرحت فكرة إعادة مهرجان دمشق للمسرح، فكان السؤال ببساطة أين ستعرضون الأعمال؟ حتى المسرح التجاري وجد أن الحل هو عرض مسرحياته أمام شاشة السينما، وعلى مساحة صغيرة يتم توسيعها قليلاً.
في مسرحيتك الأخيرة "الفارسة والشاعر" تماهيت مع الماغوط في "العصفور الأحدب" فمسرحت قصيدته بطلب منه. هل كونك جعلتنا غير قادرين على التمييز بينك وبينه في المسرحية يرجع إلى حرفية تقنية، أم إلى تناص وتلاص، كما ورد في مقدمة المسرحية؟.
ـ لو كنت ممثلاً، أنا ممدوح عدوان، وأردت تمثيل شخصية خالد بن الوليد، سآخذ الكلام المكتوب، وأفهمه بصفتي خالد بن الوليد، وليس بصفتي ممدوح عدوان، وأتبنى كلام ابن الوليد، وعندما أمثل الدور على المسرح يجب أن يصدق الناس أنني خالد بن الوليد.
وفي المسرحية بذلت الجهد نفسه، فأنا آخذ من كلام الماغوط، وأكتبه على طريقتي، وبالتالي كان مزج بين لغتي ولغته إلى درجة أن القارئ لا يميز بين شعر الماغوط وكلامي. أعد هذا تميزاً. ولأن الجو الثقافي وسخ، قلت هذا تناص وتلاص، فاعترفت أنني أسرق، لأنني أخذت زبدة كلام الماغوط، ولم أتركه شعراً، بل ذوبته ومسرحته، وحتى أخرج بمسرحية جيدة كان لابد من إضافات أشبكها فيه، بمعنى أن أتوحد في لغته، حتى لا تتميز لغتي عن لغته، وكان لابد من تشابه وانسجام بين لغتينا. وكل قصة الفارسة الموجودة في المسرحية لم ترد في "العصفور الأحدب" ولا يعرفها. لكن دمج حكاية الماغوط مع حكايتي تداخل حتى لم تعد تعرف عقليتي من عقلية الماغوط. وهناك شيء أساسي، وهو أن عقلية الماغوط في الشعر تعجبني، فنظرته إلى الأشياء، وطريقة تعامله مع اللغة أحبها، وهذا ما سهل علي دمج أسلوبه في أسلوبي.
استخدمت خبرتك المسرحية في مسلسل (الزير السالم) فخرجت المشاهد الأخيرة من المسلسل مشابهة للمشاهد الأخيرة في مسرحية "الملك لير"؟
ـ هذه أول مرة أسمع مثل هذا الكلام، ونهاية الزير سالم، تاريخياً، كانت كما ظهرت في المسلسل، وذكرت ذلك في كتابي "الزير سالم بين البطل والتاريخ". وقد كنت ميالاً إلى هذه النهاية، فهو كان بطلاً، لكنه إنسان وتصيبه ألوان من الحالات، ونعرف أن النمطية تقدم البطل بلون واحد. قد يكون الملك لير في ذهني بلا شعور، فأنا معجب بالمسرحية.
لكن قد تجد هاملت في قضية الثأر، وقد تجد (أوريست)، وقد تجد (إلكترا) التي تقابل اليمامة في المسلسل. وهذا موضوع طرقه الشعر مراراً، من أمل دنقل إلى معين بسيسو. وقد فاجأتني بملاحظتك هذه.
سيناريو عدوان
ظهر المتنبي كند لسيف الدولة، وهو الذي مدحه وأخفى عيوبه، وهجا كافور ومسخ حسناته. هل اكتفيت بشعر المتنبي مصدراً لتلك الفترة، أم دعمت ذلك بمصادر تاريخية ثقة؟
ـ عملت لأكثر من سنتين على المصادر التاريخية. والمسلسل ناقض تماماً الصورة التي رسمتها، فقدم سيف الدولة فارساً مجيداً وقائداً، لكنه عنيد ولا يثق بالآخرين. وأما كافور الإخشيدي فلا نعرف عنه إلا هجاء المتنبي له، وأنه كان عبداً مخصياً. ومن المصادر التاريخية استطعت تقديم شخصية درامية، فهو إنسان يعاني من نقص كبير في حياته، وهو أنه مخصي، وعنده المال والجواري والنساء. تصور رجلاً يعيش هذا التناقض. أعطيته في المسلسل فرصة أن يحكي تنظيرات لبعض المسائل ليصعِّد من حدة أزمته، فهو يعتقد بالحب العذري، ولا يحب الحديث عن الجسد، وما وجود الجواري في قصره إلا مظهر أمام الآخرين.
وقد بحثت في المصادر عن حياة كل الشخصيات، فبدر بن عمار لا نعرف عنه إلا أن المتنبي أتاه في طبرية، بينما هو كان وزيراً في بغداد. ونعرف أن المتنبي التقى بالإخشيديين بعد خلافه مع سيف الدولة، بينما هو التقى بالإخشيديين، قبل عشرين سنة من ذهابه إلى مصر، في دمشق، وعندما مات محمد الإخشيد سيد كافور رثاه المتنبي، وقد وردت في المسلسل. هناك معلومات كثيرة تغني العمل وتضيف إلى معلومات المتفرج، وقد ترصدتها في المصادر. هذا غير المشاكل التي حدثت في بغداد، مثل عزل الخليفة بعد توليه بيومين.
وعندما أنوي العمل على مسلسل تاريخي، تكون لدي فرصة طويلة لقراءة كل ما يلزم من مراجع، فأسجل ملاحظاتي، ثم أقرر بعد ذلك ماذا أكتب.
السؤال الآن عن اختيار الفنان سلوم حداد لدور المتنبي. هل تنطبق مواصفات حداد على المتنبي وفق المصادر التي بحثت فيها؟
ـ في مصدر واحد وُصف المتنبي بأنه متين قوي الجسم وعصبي. والذين يحتجون على تمثيل سلوم حداد للدور يستندون إلى قول المتنبي: لولا مخاطبتي إيَّاك لم ترني. وهذا في رأيي مجاز شعر لا يمكن أخذه بحرفيته.
لكن الصورة المتخيلة له، والتي رسمها الفنان (أرتور أورتس) تظهره نحيفاً طويلاً وبلحية صغيرة؟
ـ هي صورة متخيلة ولا دليل يؤكد صحتها، فالناس تصوروا ذلك في مخيلتهم وليس من الواقع، والمصدر الوحيد الذي وصفه ذكر الصفات الواردة أعلاه. وفي الشعر قد تجد مبالغات من مثل ما أورده المتصوفون والشعراء.
والمتنبي كان مشاء، فقطع نصف بلاد الشام مشياً، وهو دليل قوة جسمه.
وآخر مسرحية أعددتها هي "ساعي بريد بابلو نيرودا" قبل "الفارسة والشاعر" والمعروف أن نيرودا كان سميناً، وأدى دوره في المسرحية الفنان غسان مسعود، وهو نحيل طويل، وقد قبله الناس. فهذا الانتقاد في غير محله، لأن شكل المتنبي غير معروف تماماً.
ربما هذا لأن الزير سالم مازال في ذاكرة الناس، والفنان سلوم حداد أدى دور الزير كما أدى دور المتنبي؟
ـ ربما، حتى أن المشاهد الأولى من المتنبي أعيد تصويرها، فالمخرج والممثلون لاحظوا أنهم أسيرو الزير السالم وأجواء المسلسل.
وماذا تقول في طريقة إلقاء سلوم حداد الشعر؟
ـ سيئة وفيها أخطاء لغوية.
للمسلسل التاريخي غاية فنية، إضافة إلى إسقاط فكري على قضايا معاصرة. هل ذلك هروب من الرقيب، أو احتيال عليه؟
ـ يجب الإخلاص للتاريخ في المسلسل التاريخي. لكن عندما أكتب في سنة 2003 مسلسلاً عن الفرزدق. لماذا؟ وهل سأكتبه الآن، كما كنت سأكتبه سنة 1980. سيختلف، لأنني نضجت أكثر، ورؤيتي للواقع حولي تجعلني أسقط أشياء على المسلسل رغماً عني.
أنا فنان، ولست مؤرخاً، أستخدم المادة التاريخية، ولا أؤرخ لها. وأعتمد قدر الإمكان على الوثيقة، ولا مانع لدي أن أخرج عن الوثيقة لأقدم دراما حقيقية، وإنساناً وحياة. كتبت أربعة مسلسلات تاريخية، و12 عملاً معاصراً. وهذا ليس هروباً من الرقيب. التاريخي يكتب بطريقة مختلفة عن المعاصر.
وبالنسبة لمسرحي فلي تجربة منع المسرحيات التاريخية، وحتى مسرحيات تاريخية لسعد الله ونوس كان مصيرها المنع.
في كتابك "الزير سالم بين البطل والتاريخ" تذكر أن أهدافك إطلاع الجيل الجديد على قصة الزير سالم. هل هذا خيار فني بديل من قراءة سيرة الزير سالم، أم رافد لها؟
ـ هي وسيلة بديلة في هذا العصر، وقد جربت مع أولادي وأولاد أصدقائي أن يقرأوا الكتب التي أعطيها لهم، ففشلت، لأن المنطق المكتوب في السيرة لا يلائم ذائقتهم، لأننا نملك الآن الأدوات الحديثة، ولم يعد لدينا الحكواتي. فالتلفزيون والأدوات المعاصرة تقدم رؤيا معاصرة، وهذا يفرض أن نعيد النظر في القصة لنرى أين الوثيقة والدراما، ثم نقدمها. وحسب معرفتي انقرضت المقاهي التي تقدم أبو زيد الهلالي منذ عشرات السنين. وحتى الكتب التي تحكي قصة الزير لم تعد موجودة سوى على الأرصفة، ولا يهتم بها سوى الباحثين. وعندما قدمناها كمسلسل اكتشف جيل، أو أجيال شخصية الزير، وأصبح يبحث عن الكتب التي تروي قصته.
أحد أهدافك المذكورة في الكتاب هو تقديم التسلية. ودرامياً، تحويل أبناء الذاكرة إلى أبناء الإلهام، وعن بريخت تنقل (حال الشعب الذي يحتاج إلى أبطال أتعس من حال الشعب الذي لا أبطال لديه). هل لتاريخنا تلك الوطأة التي تثقل خطوات تقدمنا؟
ـ كل تاريخ هو حمل على الظهر. تاريخنا حي منذ الجاهلية وحتى الآن، وقبل ذلك منذ حقبة الفينيقيين والسومريين والبابليين. وأرى أن علاقتنا بالتاريخ من زاوية الإبداع، خاصة، تحتاج إلى إعادة قراءة. يجب أن ندخل تاريخنا، لا أن نسجن أنفسنا فيه. وندخله لنعرفه جيداً، ثم نعود لنعيش حاضرنا وعصرنا بمعطياته. ولا يجوز أن نطوي صفحة الماضي، وكأنه لا يعنينا. ويجب بكل الوسائل المتاحة، من أدوات بحث، ومقارنات، وأدب مقارن، وتاريخ مقارن، أن نقرأ تاريخنا لنطلع بوعي عليه. لكن هذا لا يغنينا على الإطلاق، ويجب ألاَّ يخطر على البال أنه بديل عن معالجة الواقع، ولا يجوز إغفال هذه القاعدة. أنا مؤمن بالمقولة: الشعب الذي لا تاريخ له لا مستقبل له.
وبالنسبة للإسقاط التاريخي في مسلسلاتي على الواقع فهو موجود، وقد لمسها كثيرون وبشكل فاضح، وهذا معروف عندي عموماً.
المترجم
تنسب إلى ممدوح عدوان ميزة حسن الاختيار ودقة الترجمة. وأنت صاحب المقولة: الترجمة مثل صرافة العملة، في الاتجاهين خاسرة. هل النص العربي المترجم عن لغة الأصل نص موازٍ، أم مطابق للأصل؟
ـ يستحيل أن يتطابق النصان، لأن خصائص اللغتين مختلفتان، ووراء كل منهما عقلية معينة تختلف عن الآخر، وهناك ذاكرة شعب تختلف عن ذاكرة اللغة العربية. ومثلما أقول لك: هذا سؤال رجيم، فهل سيعرف الأجنبي معنى كلمة رجيم، وهي في لغتنا مرتبطة بالشيطان. وفي اللغات الأخرى لديهم أمثلة مشابهة لا يمكن نقلها كما هي إلى العربية. لكن الترجمة في هذا العصر لابد منها للإطلاع على الثقافات الأخرى، وليس من المعقول كي أقرأ الثقافة اليابانية أن أتعلم اللغة اليابانية، وكذلك الصينية وغيرها، فالترجمة شر لابد منه. أختار كمترجم الكتاب الذي أريد، وأبذل جهدي فيه، فأترجم جملة جملة، وحرفياً، وبعد ذلك أعيد القراءة لأتأكد من ترجمتي، وأستعين بالقاموس للتأكد من ظلال الكلمة ومعانيها المتعددة، ومن ثم أكتفي ثالثاً بقراءة النص الذي كتبته قراءة جديدة ليكون نصاً عربياً، وهذا ما سيكون بين يدي القارئ، ففي اللغات الأخرى يبدأون بالاسم، وإذا بدأت في نصي المترجم بالاسم سيكون الكلام ركيكاً، ولذلك يحتال المترجم على اللغة لتحويلها وإخضاعها لشروط اللغة العربية ليصير النص الجديد أقرب إلى الذائقة العربية وذوق القارئ، ولن يكتشف القارئ فرقاً إلا من الأسماء، إضافة إلى العادات والتقاليد وقصص الشعب الذي كُتب الكتاب بلغته. وفي ما يتعلق بالأدب فنحن نترجم الأشياء التي تعتبر أدباً جيداً، وبالتالي هناك جذر إنساني مشترك بين كل آداب الشعوب. وهذا الجذر الإنساني نفسه موجود عندي وعند البرازيلي. وحنا مينة يعالج ذلك بطريقته، والبرازيلي بطريقته، وإذا ترجمنا حنا مينة إلى اللغة البرازيلية )البرتغالية) سنقع في المشكلة نفسها.
لقد ترجمت كتباً غير أدبية، وباختياري غالباً، ففي كل سفر إلى خارج البلاد أجلب معي كمية من الكتب، وعندما أشعر أن الكتاب الذي قرأته ممتعاً ومفيداً للقارئ، ألجأ إلى حس المشاركة فأترجم الكتاب، وأنا شخص (شَغِّيل) وأعمل يومياً عشر ساعات، وإذا كنت مضطراً أعمل حتى 14 ساعة يومياً، ويستغرب الناس مني ذلك عندما يرونني أسهر في مكان ما، فيسألوني: متى أنجزت كل هذه الأعمال؟
ما هي الأمانة في الترجمة؟
ـ هي التقاط أفكار الكاتب في السياق الذي يكتب فيه، حتى لو كانت أفكار الكاتب لا تناسب قناعاتنا، وإذا لم تكن مناسبة يجب عدم ترجمة النص على الإطلاق، أي عدم اجتزاء النص. وهناك كتاب يحافظون على أسلوب خاص، ومن الأمانة نقل ذلك في النسخة المترجمة. ومثالهم سلمان رشدي الذي عنده عقدة أنه هندي، فيجتهد بقصدية ليخترق فذلكة اللغة الإنكليزية، وهذه يجب أن تؤخذ في الاعتبار، فرشدي يتميز أيضاً بخفة الدم، وعندما تقرأه يضحكك، على خلاف الترجمات، وفي هذا خيانة من المترجم للأصل بمعنى أنك سحبت خير النص الإنكليزي، كما يقال في العامية، وبقيت الحكاية فقط.
صدرت رواية ف.س. نايبول الفائز بجائزة نوبل للآداب عام 2001 بترجمتين في دمشق (دار المدى ـ دار الينابيع) وللمقارنة استطعت بالكاد مطابقة جملتين في النصين المترجمين؟ هل هذا يعتبر أمانة في الترجمة. وهل تصلح المقولة المغلوطة: العربية لغة المترادفات لتبرير ذلك؟
ـ هذه بالتأكيد ليست أمانة في الترجمة، ولا أعرف أي المترجمين أخطأ. واسأل أساتذة فقه اللغة العربية عن المسألة الثانية: فليست في اللغة العربية مترادفات على الإطلاق، فالكلمات (سرور ـ حبور ـ فرح...) كلمات مختلفة. وكذلك (حب ـ فرح ـ غرام ـ هيام ـ شوق ـ توق) كلمات مختلفة.
ومنذ فترة التقيت طالبة متخرجة في كلية الآداب ـ قسم اللغة الإنكليزية، تتحدث عن بيئة ريفية فلسطينية، وشاب وبنت أحبا بعضهما في جو ريفي وفي الخمسينات من القرن الماضي لقد ترجمت We kissed quickly)) (تبادلنا قبلة)، فقلت لها دققي أكثر. ففي تلك الفترة، وفي الريف، لم تكن هذه العادة موجودة. والذي حدث أنه قبلها وهي قَبِلت وسكتت. فتراث الكلمة يوحي بترجمتها أيضاً، وهناك علاقات وراء هذا الكلام.
هل تصح الترجمة من القاموس أم من اللغة الحية؟
ـ في الكتب النظرية يمكن الاعتماد على القاموس، أما في الكتب الإبداعية فيصعب الأمر، حيث يجب أن يرجع المترجم إلى القاموس، ولكن يستخدم الكلمة استخدامه الخاص، ولذلك أرى أن أكبر خيانة في الترجمة هي ترجمة الشعر، لأن للشعر خاصية لغوية عالية.
من أشهر ترجماتك (تقرير إلى غريكو)، و(تلفيق إسرائيل التوراتية) وهما نصان مختلفان. ما هو السبب المباشر لهذه الاختيارات، ولاختياراتك عموماً؟
ـ إقدامي على ترجمة كتاب ما يبدأ من إعجابي بالكتاب، ومن اعتقادي بفائدته لثقافتنا. وترجمتي لكتاب (تلفيق إسرائيل التوراتية) جاء بناء على اقتراح الدكتور زياد منى، وقد هزَّني الكتاب بقوة فلم أتردد في ترجمته. أما (تقرير إلى غريكو) فقد ترجمته في نهاية السبعينات بناء على إعجابي به. وهناك ترجمة (الإلياذة ـ المجمع الثقافي أبو ظبي ـ 2002).
ولماذا لم تترجم شعراً؟
ـ في ترجمة الشعر خيانة للأصل. وقد قرأت ترجمات كثيرة وتساءلت: إذا كان النص الذي بين يدي هكذا فكيف النص الأصل؟ حتى ولو أعجبني النص العربي.
الترجمة أصبحت علماً، لها معاهد متخصصة في الدول المتقدمة، وقد دخلت بعض البلاد العربية هذا المجال، لكن عدد الكتب المترجمة في العالم العربي مازال قريباً من الصفر، مقارنة مع إسبانيا التي تترجم سنوياً مئة ألف كتاب؟
ـ هذه الحالة يتحسسها المترجم، وأحياناً المؤسسة. والحالة تخضع للعرض والطلب، فصاحب دار النشر هو الذي يطلب عندما يشعر بحاجة إلى كتاب ثقافي، أو سياسي، أو كتب الطبخ، أو الأبراج، أو الرياضة، فالمحدد هو تجاري، بمعنى أن هذا الكتاب مربح أم لا. توجد مؤسسات توازن بين هدف الربح والهدف الثقافي العام في تلبية حاجات المجتمع الضرورية. وأرى، كمتابع، أن الكتاب المترجم هو الأكثر رواجاً، ودور النشر تميل إلى ذلك، فهناك إحساس عام في المنطقة أننا لا نعرف شيئاً عن العالم، وكيف يفكر. ولذلك هناك رغبة في قراءة السياسة والتاريخ والاقتصاد، لكن حركة الترجمة بطيئة جداً لعدم وجود مؤسسات قوية تتصدى لذلك، ووزارة الثقافة في سوريا لا تطبع أكثر من 40 كتاباً سنوياً.
هذا مع أن دور النشر تلقى دعماً من دور النشر الأوروبية التي تطبع الكتاب الأصل؟
ـ هناك سفارات أو مراكز ثقافية أجنبية تسعى إلى نشر ثقافتها، وتقدم دعماً لدور النشر لتحقيق ذلك، لكن هذه المؤسسات لديها أهداف أخرى. ولذلك يتردد الناشر في قبول هذه المساعدة. لنفترض أن مؤسسة عرضت دعماً لترجمة كتب فرانكوفونية، وهو ليس توجه الدار، أو أن مؤسسة عرضت علي ترجمة أربعة كتب، ورأيت أن اثنين منهما فقط جيدان، فهل أطبعهما، وخاصة أنهم يدفعون لي أكثر من التكلفة، ولا يهم إن بيعت الكتب. من هنا يأتي الشك والخشية، فتقديم هذا الدعم له أهداف وإغراءات تثير التساؤل.
وبرأيك ما الذي تحتاجه العربية من الترجمات بشكل ملح؟
ـ كل شيء، وليس فقط عن الغرب، أو ما يعترف به الغرب، فيجب أن نترجم من الثقافات الشرقية والأفريقية، ومن أميركا اللاتينية، ومن غير الذي تبناهم الغرب.
وكيف الوصول إلى هذه الغاية، خاصة أن كليات الآداب الأجنبية لا تهتم بالترجمة؟
ـ الأمر يحتاج إلى مؤسسات. وفي كلية الأدب الإنكليزي في دمشق يتخرج 200 طالب سنوياً، ولكن في كل عشر سنوات لا نجد أكثر من مترجم واحد جيد. فالتعليم عندنا لا يهتم بالترجمة، ويعتبرها ثانوية.
كيف أعرف إذا كنت لا أعرف اللغة الإنكليزية أن ترجمة ما أمينة؟
ـ لا يوجد دليل على ذلك إطلاقاً.
وكيف أفهم كلام بعض من يقدمون عروض الكتب، ولا يعرفون اللغة الأصل، ثم يثنون على الترجمة؟
ـ ربما يدَّعي بعضهم ذلك. لكن في النهاية يحكم على النص العربي. في ترجمتي للإلياذة، التي بذلت فيها جهداً كبيراً، وضعت حوالي 200 صفحة من الهوامش لتيسير إدراك القارئ للمرحلة التي يرويها الكتاب. ففي القسم الأول ملاحظات عامة، وملاحظات حول الحرب، وفي هذا إفادة للقارئ ليدرك الجو العام للملحمة. وهناك مقدمة من 22 صفحة، وفي نهاية كل فصل هوامش تضيء النص. وقد استعنت بسبع ترجمات إنكليزية وأربع ترجمات عربية، وعقدت مقارنة بينها قبل ترجمتي للكتاب.
دونكيشوت
في كتابك (نحن دونكيشوت) بحث في الأخلاق بين المثال والسائد، والفرق بينهما نسبي في الزمان. الآن في السياسة والاقتصاد والاجتماع، ما السبيل في رأيك لإعادة الاعتبار لأخلاق الفرسان؟
ـ لست حريصاً على أخلاق الفرسان، بل على الأخلاق..
نحن في مجتمعاتنا مازلنا نتنازل عن القيم والأخلاق، ونتطور سلبياً في هذا الاتجاه عما كان أجدادنا القريبون يمارسونه. ويبدو أن العصر يتطلب قول كلمة الحق، ولو كان جزاؤها الموت. ولابد أن يظهر آخر وآخر لقول كلمة الحق. والأمة الحية هي التي تقدم دونكيشوت.
في العالم العربي، حتى نتخاطر ونتخاطب ثقافياً، هل نأخذ المثال الأخلاقي، أم نكون براغماتيين. وكيف يمكن أن نوظف التقارب الثقافي العربي لنقرب بين مجتمعاتنا؟
ـ التقارب الثقافي بين الشعوب العربية هو المرشح ليحقق التقارب بين القوميات الموجودة داخل المجتمعات العربية، فهو التقارب الوحيد الحقيقي، وما تبقى (كله زعبرة وكذب) من السياسة إلى الاقتصاد إلى الاجتماع. الثقافة تفرض أرضاً مشتركة، فالشاعر يكتب، كما قلنا، عن أعماقه المشتركة بين الشامي والسعودي، أو بين الشامي والمغربي، وهذه الأعماق الإنسانية المتجذرة في النفس حين يُعبِّر عنها الكاتب تصل إلى القارئ في كل مكان، وهي تهم القارئ في مجتمعاتنا، سواء اكان من قومية أخرى في مجتمعنا، أو كان في الأردن، أو السعودية.
وأذكر حين دعيت إلى مهرجان الشعر الكردي الأول، قلت: الثقافة تحقق ما عجزت عنه السياسة، وليس أمامنا إلا تعميق الخط الثقافي.
الموقف الانتحاري في دونكيشوت مثال متطرف. لكن سرفانتس سخر من أخلاق زمانه كما يسخر الآن من أخلاق زماننا. هل الأخلاق بعد نظري (تعليمي) وعملي (أخلاق الفرسان)؟
ـ أتفق معك بوجود فرق بين النظري والعملي. لكن نحن بحاجة إلى دونكيشوت الذي يملك الجرأة على قول الحق. وهناك كلمة لبريخت (ينظرون إلي كبطل. وأنا قلت الحق فقط) فتصور هذا الزمن الذي صار فيه قول الحق بطولة. يجب أن نقول الحق، ولا نمل تكرار ذلك، حتى يتم تبنيه من عشرة.. وهكذا. وحتى لا يبقى رأيه حبيس صدره، باعتبار أن الحياة تسير.
أعدت طباعة كتابك (دفاعاً عن الجنون) وهو مقالات منشورة في الصحافة. ما الهدف من نشر مقالات صحافية في كتاب؟
ـ كتبت في الصحافة كثيراً من المقالات، وحين أشعر أن مقالة ما لها ديمومة أكثر من توقيت نشرها صحافياً أفردها وأجمعها في كتاب، وهذا ما حصل في الكتاب المذكور. والآن أنا بصدد تجميع مقالات أخرى قد أصدرها في كتاب قد أسميه "حيونة الإنسان".

ارسل هذا المقال الى صديق اطبع هذا المقال



 



 

 
الصفحة الأولى | شؤون لبنانية | مناطق | مخافر و محاكم | بزنس | المستقبل الإقتصادي | شؤون عربية و دولية | رأي و فكر | ثقافة و فنون | رياضة | الصفحة الأخيرة
ملحق المصارف ... | رياضة | بزنس | شباب | أهْوَاء | ارشيف و بحث | نوافذ | PDF A4 Version | PDF Full Version
 contactus@almustaqbal.com.lb : اتصل بنا
الشركة العربية المتحدة للصحافة - جريدة المستقبل - © جميع الحقوق محفوظة 2005