استرجاع 2004 العام المنصرف يراوح في أحداثه الثقافية وروتينه الانتاجي (4)
التلفزيون اللبناني استمر خارج خريطة الإنتاج الدرامي والفضائيات العربية سجلت تفاوتاً كبيراً في التقاطها الحدث ومتابعة الوقائع الكبرى
استرجاع 2004العام المنصرف يراوح في أحداثه الثقافية وروتينه الانتاجي (4)
المستقبل - الخميس 30 كانون الأول 2004 - العدد 1792 - ثقافة و فنون - صفحة 20
يقظان التقي
عام 2004 كان عام الالتباس، وكذلك التفاوت في وتائر النتاجات الاديبة والفكرية والفنية، واذا تجاوزنا بعض الاحداث الثقافية الفردية والمتباعدة، فان العام المنصرم كأنه مرّ بلا احداث، وبلا قضايا يمكن ان تثير سجالات ومعارك. فالكتاب حافظ على وتيرته، وان تقدمت معارض الكتب وكأنها الملاذ المنتظر للكتاب، والمساحة التي يلتقي فيها القارئ بمجمل النتاج. والفنون المسرحية والتلفزيونية بمعانيها الدرامية وحتى الترفيهية تكاد تكون غائبة، منحصرة في مناسبات مهمة كشهر رمضان الكريم. أما السينما فكان للشباب الحضور الأبهى، لبنانياً وعربياً، خارج لعبة شباك التذاكر والكليشيات الموصوفة. أما في ما يتعلق بالقضايا الفكرية والسياسية فان اميركا ما زالت محور الدراسات والمقاربات، اضافة الى الاسلام سواء في العالم العربي ام العالم، على ان كتب النقد سجلت تراجعاً كبيراً، وكذلك العلوم... على اختلاف فروعها ومشتقاتها. هنا الحلقة الرابعة من جولة على ما ميّز (ولم يميّز) عام 2004***أكثر من خمسة الاف قناة تلفزيونية تصل الى كل مكان في بلدان العالم، ثورة هائلة بفضل مكوناتها التقنية ومفاعيلها الثقافية والانسانية والسياسية والاقتصادية وفي تكوين الرأي العام والفعل وردة الفعل والتفاعل الثقافي مع سلطة الخبر والصورة والحدث في اي بقعة من بقاع الارض ومهما كانت نائية.هذه الثورة التلفزيونية تتوسع عاماً تلو الآخر في اعادة الاعتبار للرأي العام وتغدو اكثر العناصر فاعلية في الحياة السياسية لا سيما بعد احداث 11 ايلول المشؤومة وتتمثل وجوهها اليوم في التأكيد على الديموقراطية وحقوق الانسان وما تتطلع اليه الشعوب من انشاء انظمة سياسية واقتصادية واجتماعية وحداثية.ليست الثورة التلفزيونية وليدة السنوات الاخيرة وتعود جذورها الى حقبة انتهاء الحرب الباردة وابكر. لكن مفاعيل هذه الظاهرة الحداثية تزايدت في الاعوام المنصرفة حتى يمكن القول انها في بداية مفاعيلها في الجانب السياسي وبكل الميادين بمختلف تشعباتها واتجاهاتها وستتوسع اكثر الى غير ناحية كما هي في مجالات الصراع العسكري والسياسي في الشرق الاوسط وفي التحكم الاقتصادي امتدادا الى مجالات التحكم الفكري من مثل دعوات الاصلاح الديني، دعوات العولمة تأسيساً لهيمنة آحادية امبراطورية وامتداداً هيمنة امبريالية جديدة.أكثر ما يثير في ثورة التواصل هذه انها عالم متفاوت جدا لجهة ما يتسم به من الحيادية والموضوعية من جهة ولجهة حجم الضغوط الهائلة التي يستقبل لتحقيق معالم غير متوازنة وغير حرة او مستقلة في مضامينها الاخبارية ومظاهرها وتوظيفاتها.أما العالم العربي والنظام الاعلامي في العالم الثالث ككل فأحيانا يلعب دور المشارك ويتفاعل مع ما تثيره قضايا الميديا الحديثة من متطلبات تقنية وتكنولوجية وبشرية ومهنية، وطورا هو الغائب الاكبر عن الاحداث العالمية، ويسقط في ضعف البنية الاساسية والخضوع الرقابة سياسية رسمية من قبل انظمة غير ديموقراطية والسقوط امام احكام من اتباع الاساليب التقليدية وضعف التأثير العام داخل حدود الدولة القطرية والوطنية.مع ذلك كان الاعلام العربي العام هو الملاذ الاخير الذي يحتكم اليه الرأي العام في ظل غياب وظيفة الدولة المواطنية الحديثة وفي ظل غياب الارادة الحقيقية المنظمة للجماعة واصول الحكم والعدالة وحقوق الانسان وحرياته، لا يمكن اغفال اهمية التلفزيون وتحرره وطنياً واقليمياً ودولياً من رقابة السلطة المحلية وازالة الحواجز وكميدان حي لاسقاط اختبارات تصيب مباشرة البيئة والشارع والرأي العام.ازاء هذا المنسوب الاعلامي الهائل وامام كل ما يظهر امام الشاشة او "الغول" التلفزيوني هل صرنا في العالم العربي ندرك اشياء هذه الثورة الاعلامية ودلالات تلك الاشياء ورموزها وشيفراتها المسلبة؟ثم هل يميز العالم كثيرا بين اساليب الدعاية الاعلامية كسلاح دعائي؟ اليس الكثير مما تثبه القنوات الاخبارية الاميركية في حربها على المنطقة يشبه اختلاق الاكاذيب واساليب التضليل لتلك التي استعملتها الدعاية التي انقادت لزعامة هتلر ذات يوم وشرحها غوبلز بانها تستهدف ترويج آراء معينة تجعل العالم طائعاً للسياسة الاحادية الاميركية من دون هيمنة تذكر؟ والى اي حد التضليل والخداع محكومان بأدواتهما الاعلامية، وهل العالم امام سلطة الكابل التلفزيوني والفيديو والاقمار الصناعية هو في طور التفكك او الوحدة، ثمة التباس كبير بين حالة حلم بالواقع وعالم آخر من اوهام الشاشة وامكانياتها الهائلة.ماذا سجل العام 2004 تلفزيونياً من احداث وما الذي لم يسجله؟ اكتسحت اخبار الحرب الاميركية على العراق واخبار المقاومة العراقية ما عداها من اخبار وطغت اخبار اعمال خطف الرهائن على كل ما عداها من اخبار المشهد العالمي وليس المشهد العربي وحسب ودخل العالم في صدام حقيقي مع الاعلان عن خطف كل رهينة ومع تعددية الجهات الخاطفة.المحطاتصدام شبهه الرئيس الفرنسي جاك شيراك بعالم "الباندورا" وتنافست المحطات التلفزيونية العربية والغربية في تغطية الحدث الثقافي العراقي الغارق من الصورة والاخبار.بات التلفزيون العنصر الذي يطارد المشاهد في نهاراته ولياليه من اخبار القتل اليومي الى اخبار الصيد الثمين لرؤوس القيادة العراقية البعثية البائدة. ولن ينسى العالم صورة ستبقى حاضرة في الوعي العربي العام تكشف الطريقة التي جرى فيها اعتقال صدام حسين في حفرة "العنكبوت".مفاجأة عرض مصور بكل قسوة واذلال الصورة التي يجري تسويقها على الطريقة الاميركية.والعرض العراقي يستمر في مسلسل التفجيرات اليومية والسيارات المفخخة واعمال الخطف لرهائن عرب وغربيين كان آخرها اطلاق سراح المصورين الفرنسيين بعد معاناة اعتقال طويلة شغلت الجسم الصحافي العربي والعالمي على ارضية الاحتلال الاميركي من جهة ورفض الاحتلال من قبل المقاومة العراقية التي لم تصدر الى الان دراسة حقيقية تحدد الجهات الحقيقية التي تقف خلفها وتوجهها وتحدد ماهياتها.الواضح ان عام 2004 عام تواصل مع احداث 11 ايلول وحرب افغانستان وحرب بوش المستقرة على "الارهاب" والعالم على ما يبدو دخل نفق هذه الحرب وتداعياتها وصار اسير سلطة الخبر والاشياء الوافدة من ارض الرافدين من اخبار الكوبوي الاميركي ومطاردته افراد المقاومة ورد المقاومة مع استمرار النقاش السياسي حول الحرب ومشروعيتها بعد اعلان مثير لأمين عام الامم المتحدة كوفي انان بان تلك الحرب تفتقد شرعيتها الدولية.عام 2004 لم يعد بن لادن ومساعده ايمن الظواهري من النجوم التلفزيونية التي على الجمهور ان ينتظر اطلالتها بتشويق معتاد. ودخل خطاب القاعدة السياسي في غيبوبة تسترجع خطاب وافكار الخمسينيات ولمجرد المزايدة السياسية في طريقة كلام تتلاقى في المنطق نفسه لصقور الادارة العسكرية الاميركية.لم تعد صورة بن لادن إلا جزءاً هامشياً من الخبر وليس الجزء كله وليس الصورة كلها. وفقدت شرائط الفيديو وبياناتها السياسية بريقها وجاذبيتها. هذا فيما تراجعت سطوة الخبر في الداخل الفلسطيني الى المرتبة الثانية ازاء ما يشهده المشهد العراقي يومياً. حرب الداخل الفلسطيني اصابتها برودة التحولات السياسية مع رفض شارون لخطة الطريق واستمرار اعمال الاحتلال والقتل والمداهمات والاعتقالات. وسجل هذا العام اعنف العمليات التي نفذتها الطائرات الاسرائيلية من الجو وحصدت الواحد تلو الاخر من قيادات حركة حماس وعلى رأسهم الشيخ ياسين وعبد العزيز الرنتيسي وغيرها من القيادات، وخسر الجانب الفلسطيني مزيداً من التعاطف الدولي حتى مع انحسار وتراجع العمليات الانتحارية التي نفذها الفلسطينيون في الداخل الاسرائيلي قياساً الى السنوات الماضية، واكتملت الاخبار السيئة مع رحيل زعيم الشعب الفلسطيني ياسر عرفات اثر تعرضه لمرض غامض في الدم.شريط الصورة 2004 اظهر تورط الاميركيين في عمليات تعذيب غير انسانية وجرائم "حضارية" ارتكبت في سجن ابو غريب، من قبل الجنود الاميركيين والبريطانيين.فضيحة تداولتها وسائل الاعلام تعبر عن خضوع الجنود الى ماكينة النظام الاميركي التي تفرّخ روحاً استبدادية والعنف وتولد ظواهر الاحتقار والدونية والاستباقة. وقد تجلى الاميركيون والبريطانيون في معاملة الاسرى العراقيين وابدعوا في فنون المعاملة الانسانية والاخلاقية والحقوقية على ما نقلته صحيفة "الدايلي ميرور" وصحف وشبكات تلفزة اميركية كأمم متمدنة تقدم مبادئ حقوق الانسان وتحرير الشعوب ونشر الديموقراطية.صناعة هولوكست وما رآه العالم من الصور ليس ظاهرة. ولا يمكن التمييز بين ما جرى وبين الحرب نفسها وايديولوجيتها وهي صور ليست طارئة وسبق أن مهد لها خطاب بوش وربيبه رئيس الوزراء البريطاني طوني بلير منذ الأيام الأولى للحرب. والصور لا شيء أمام فظاعة الواقع وما يخفي من جرائم الحرب وعلينا ان ننتظر المزيد من آلة النظام الأميركي المفصومة من مآسي وكوارث ومجازر وبربرية لم تلتقطها آلة المصور نتيجة تعبئة سياسية ايديولوجية وسياسية ودينية ليست معزولة اصلاً عن الطريقة الإسرائيلية.والصورة التلفزيونية المنقولة فضائياً اثارت جدلاً بين الديموقراطيين والجمهوريين وكان من السهولة التمييز بين كلام تلفزيوني دعائي لجماعة جرائم الحرب رامسفيلد واعوانه والمجتمع الكولونيالي وفي مجتمع ديموقراطي حمل القيادة العسكرية الأميركية مسؤولية الفشل في ظبط التجاوزات والانتهاكات التي اساءت الى صور أميركا ومشاريعها في نشر الديموقراطية المزعومة.لكن بقي الكلام الأميركي للتلفزيون ولو كان يجري بغرف مفلسفة نظن ان كثيراً من الأمور تتغير ويبدو ان الأميركي تلفزيونياً ليس على علم بما يفعله 300 ألف عسكري في العراق.الأفلام الوثائقيةعام 2004 تلفزيونياً كان عام الأفلام الوثائقية "حرب العراق: أسرار وجواسيس" انتاج ال.بي.بي.سي وتبثه قناة الجزيرة القطرية ويظهر الفيلم السياق العملياتي العسكري نحو بغداد، وصوراً عن أفضل حرب تكنولوجية غير تقليدية ولعبة خداع ولم ينجح الفيلم اصلاً ليبرهن على فشل تلك الحرب في البحث عن أسلحة الدمار الشامل بل حرب بروس ويليس من انقاذ الكوكب من الإرهاب والإحاطة بالأشرار وتوثيق العنصر الأميركي الجديد مثلما زمن النازية.فيلم وثائقي آخر بثته قناة العربية كشف خفايا عملية القبض على صدام حسين (إنتاج بي. بي.سي) ولا يختلف الشريط عن شرائط اخرى بثت على قنوات "سي.ان.ان" و"ام.بي.سي" و"الجزيرة" وكلها تتبع الاحداث العسكرية والتشكيل الإعلامي الدعائي والمساهمة في توسيع فراغ الصورة ومن مثل ان كل الأشياء تمضي مع الأميركيين الى نهاياتها السعيدة!فيلم وثائقي آخر عن بن لادن بثه التلفزيون الكندي وأظهره يهوى الكرة الطائرة ويمنع عائلته من شرب الماء البارد واستخدام الكهرباء، تبدو القنوات الفضائية ولاسيما العربية منها ميالة الى التورط أكثر في انتاج أفلام وثائقية ترصد الواقع العربي وحجم مشاركة الرأي العام والخواء الشامل في السياسة العربية وممارسة الأنظمة العربية لطقس "النعامة" والتصدي لقضايا الحريات والديموقراطية وحقوق الانسان والتنمية.نظرات أكثر اقتراباً من الواقع ونظرات متجددة للجسم العربي ككل وتلمساً لمخارج أقل عنفاً قد تستجيب ربما لدعوات الإصلاح وقضايا تغيرية اخرى وتارة على مستوى هوية المنطقة الثقافية والحضارية.فوبيا الاسلاممن الأمور التي شغلت الشاشة 2004 وبكثرة، صورة الاسلام وبأغراض كثيرة منها الخوف وعدم المعرفة الكاملة والأشياء التي حدثت في 11 أيلول والتي قد تحدث واحوال اليائس والبؤس في مواجهة عودة الاستعمار ونظام الحمايات والاحتلالات والفقر وفقدان الأوزان من جهة ثانية. ذلك على نحو معالجة قضايا الاسلام المتطرف والمدارس الحقانية في باكستان والاسلام التقليدي والتحول بين الجهاد والإرهاب وبأن يكون الاسلام إرهاباً أو جهاداً وعلاقة ذلك بمسببات الفقر والفتاوى ومن يُصدرها في إطار المجتمع والدولة أو خارجهما، وهل أن روح الجماعة واحدة من دون موازنة أفكار اسلامية عصرية ترى الى القرن الحادي والعشرين اسلاماً جديداً يختلف عن اسلام المئة سنة المنصرمة.موردخاي فانونيتزامن هذا الكلام عن التطرف الاسلامي مع اطلاق عالم الذرة الإسرائيلي موردخاي فانون وعرضت قناة "الجزيرة" فيلماً وثائقياً يروي فيه كيف صور مفاعل ديمونا وهرب الى استراليا وجرى خطفه في روما واعتقاله في إسرائيل 18 سنة في عسقلان.فيلم يكتشف زيف ادعاءات إسرائيل الديموقراطية و18 سنة من الاعتقال لم تغيّر في الرجل الحرّ قناعاته ومبادئه. فرد خارق يتحدى السجن الإسرائيلي بمعسكراته وكل آلياته السياسية والايديولوجية والعقائدية الدينية والأمنية.قنوات فضائية جديدةانضمت "الحرة" الى الفضائيات العربية ليزداد الأفق التعددي انتشاراً وتلتها قناة "bna" الفضائية اللبنانية للنائب محمد الصفدي وقناة "السومرية العراقية" فضائية تبث من لبنان."الحرية" دشنت حرياتها في إطار العمل الموكل اليها وهو اقامة توازن مع قناة "الجزيرة" القطرية تحديداً وإقامة ربط مع ما تقدمه "السي.ان.ان" و"الفوكس نيوز" وربطاً ضمن استراتيجية نقدية للأنظمة العربية والترويج لنجاحات سياسات أميركا الاحتلالية ومدى البحبوحة الديموقراطية التي بات يستمتع بها الشعب العراقي وفي عودة الى منطق الاربعينات و"صوت أميركا" في حملة حرب المعلومات.تعمل "الحرة" بالصيغ نفسها تقريباً التي تعودنا عليها في "الجزيرة" و"العربية" وفضائية "دبي" و"أبو ظبي" وسائر الفضائيات مع تقنية صحافية عالية واحتراف مهني وصورة نقية جداً لقناة ناطقة باللغة العربية تسعى لإنجاز التحول السريع لعالم عربي واسلامي خاطئ وغير عادل وتكرار الرأي والتحليل الأميركي للوقائع وتعميق توصيفات افتراضية عابرة للبحار بتكتيكات ورسائل تنسيق جهود حرب بصرية ضد الإرهاب عبر شبكات كونية.شبكة جديدة لم ينجح البعض في التقاطها حتى نهاية العام مع إصرار بعض الدوائر الرسمية وأصحاب المنع في إصدار تعميمات سخيفة لأصحاب الكابلات تمنع المشتركين من التقاطها والسماح بمشاهدتها مما يعكس التفكير العربي البيروقراطي إزاء أحداث وتقنيات هائلة يمكن احداثها باستمرار عبر الكابل التلفزيوني علماً ان التلفزيون، ولو تواصل مع ظهور المسؤولين الأميركيين على شاشة "الحرة" يحكي أكثر مما يمكن من ضمن الوقائع الحقيقية.الفضائيات ومرض عرفات وموته شكل مرض الرئيس الفلسطيني عرفات حدثاً إعلامياً إقليمياً وعالمياً كبيراً استمر لحين وفاته. وفي حين تلقف الإعلام العربي خبر مرض عرفات متأخراً لما غيره من الأحداث وليس آخرها زلزال جنوب شرق آسيا ودائماً على الطريقة العربية.تفردت شبكة "سي.أن.أن" و"تلفزيون الحرة" و"ال.بي.بي.سي" في متابعة مسار الأيام الأخيرة من حياة عرفات أكثر مما تفردت به الفضائيات العربية. ومنذ البداية ركزت وسائل الإعلام الغربية على خطورة مرض عرفات ووضعه الصحي الحرج (أكثر من اللزوم) واستنفرت مراسليها في إسرائيل وواشنطن ونيويورك والأردن وباريس. بينما تأخرت الفضائيات العربية كثيراً عن فتح الخطوط المباشرة على الحدث مكتفية بتبني الموقف الفلسطيني الرسمي الى حين وقوع الحدث الجلل وهو موت عرفات السريري وعودة جثمانه وتشييعه من القاهرة ورام الله.والغريب انه في وقت فتح الإعلام الغربي الخط على عرفات كزعيم للشعب الفلسطيني وكزعيم عربي كانت الفضائيات العربية في شبه غيبوبة مسايرة للنظام السياسي العربي في انكفائه عن محاكاة شارعه العريض وفي انكفائه عن معالجة القضايا الكبرى.وموت سريري للجامعة العربيةحدث هذا وشاهده الناس تلفزيونياً نتيجة تجاذبات انعقاد القمة العربية في تونس حول مبادرات وبنود خلافية وحروب مُغْفَلة ولم تسلم المحطات التلفزيونية العربية من فضيحة الإرباك والخشية ولعب دور الناطق الرسمي باسم الحكومات العربية وذهبت بعض القنوات الى أماكن الدفاع عن الأنظمة وأبعد الى لغة المؤامرة في انهيار النظام العربي، وفي تكتيكات دعائية نالت من حيادية التلفزيون العربي وموضوعيته واستقلاليته وكأنها استجابت لدعوة معمر القذافي المستهجنة لإلقاء العرب السلاح وحتى الإعلامي منه؟ البرامج الترفيهية والمسلسلاتكل هذا يحدث في صخب المسلسلات التافهة وبرامج الغناء والمنوعات والمسابقات والترفيه وحيث لا عنصر إعلامياً أو ثقافياً حاسماً فيها.حافظ هذا الوضع التعيس على وتيرته ومراوحة الانتاجية الهشة وغير النوعية وبتفاوت متزايد من دون انخفاض ملحوظ في الشعبية.المحطات المتلفزة الأرضية كلها تقريباً تلتقي على أرض واحدة (والفضائية منها) في تنافس برامجي تشتري فيه وتبيع برامج للتسلية الخفيفة.برامج في غاية السهولة واستهلاكية تعرض وتذهب سريعات من دون أثر ومن دون إحداث نقاشات وسجالات مدينية حقيقية وتستقي مواضيعها وأفكارها من عناصر واحدة كالسوبر ماركت والتعاونيات الاستهلاكية وبضاعة واحدة في حالة اهتراء وافلاس تفاقمت مع ظاهرة تلفزيون الواقع التي شقت آراء الشباب العربي وشاشة عربية وجدت ملاذها الأخير في فيديو الأغاني الشبابية المبرمجة وكل ما تطرحه في حدود الكلام الباهت واللحن المسروق والاطلالات المزيفة وقلة هي التي تفرض خطها الخاص هذا من باب الوصف وليس من باب مع أو ضد أو النقد على غرار فيديوات النجمة الصاعدة نانسي عجرم والنجمة المتألقة اليسا ونجمة الشباب هيفاء وهبي وروبي في مصر وغيرهن..لكن البارز في النتاجات المحلية العربية هي النتاجات المستنسخة في ظاهرة برمجة تنافسية لا يتسع أفقها لنتاجات جديدة جريئة وإبداعية ومع تسجيل ظاهرة نمي ذكرها تتمثل بتحول المطربين الى التمثيل. ظاهرة تتزايد في الوطن العربي.مستويات فنية وحتى تقنية بها يعني جماليات الصورة تراجعت محلياً لتنتقل مع السوق الاعلامية الى مكان آخر، الى الخليج العربي قناة "أبو ظبي" مثالاً، فيما شاشاتنا فقدت كثيراً من نجوميتها وجاذبيتها شاشات لا تحتمل مثالاً نقل خبر وفاة فيلسوف كجاك دريدا ولو في شريط بصري أسفل الشاشة ليلاً (ما خلا الجزيرة) هذا في مستوى الجماليات البصرية والتشكيل البصري فكيف بالمستوى الثقافي والسياسي لبرامج هي للتسلية فقط. ومدخل الى طريقة عيش وتفكير سطحية تكتفي بها ترى وبردة فعل حماسية غريبة عن الاجتماع اللبناني المتعارف عليه مجتمعاً مثقفاً ونخبوياً.السجال السياسيبروتوكول السجال السياسي حافظ على وتيرته في برامج "التوك شو" السياسي مع مرسيل غانم في "كلام الناس" وشدا عمر في برنامج الحدث على "ال بي سي" وفي برنامج تلفزيوني سياسي جديد على شاشة "المستقبل" يحمل اسم "الاستحقاق" مع علي حمادة وجد مكانه سريعاً بين البرامج السياسية المنتظرة الى التغطية الاخبارية المسائية المعتادة على شبكة "ان بي ان" وقناة "المنار" والقناة التلفزيونية الجديدة )b n a( فيما تراجع الحديث وهمساً عن عودة قناة "ام. تي. في" التلفزيونية الى العمل.المسلسلات الرمضانيةالمسلسلات الرمضانية حملت عام 2004 مفارقات مضحكة مع ميل الى التكرار والرتابة في العناوين والموضوعات وفي مضامين واحدة حول المرأة القوية (يسرى) أو المرأة الارملة (ناديا الجندي) والمرأة والحب (سميرة أحمد) فيما الرجل في صورة بشعة جداً في المسلسلات الدرامية المصرية وتهافت التهافت على نجومية متعثرة بالقديم والمزيف وأخطاء الدراما المضحكة والمسلية في "محمود المصري" وتدني المستوى التقني على خلاف دراما المسلسلات الناشطة سورياً لا سيما درامياً. رمضاني آخر شيء بفراغ السنين والشاشة الطائشة التي تفضحها مسلسلات من النوع السخيف والبائد والذي لا يمت بصلة الى الواقع الراهن للانسان العربي ويفضحها ايضاً الكثير من الماكياج والشعر الاصطناعي وشاشة كما شباب (مصر) بجسد خمسيني ويتبع المنطق نفسه وصادرات موسمية بالجملة لا تحمل وظيفة معاصرة فهي أما تاريخانية أو تراثية أو تسوق لخصوصية غير واقعية وذاتية تعبيرية مصطنعة وبمفاجآت مفقودة أكثر هذا العام.لبنان خارج خريطة الانتاج التلفزيونيفي غمرة المسلسلات الرمضانية وغير الرمضانية التي تغزو الفضائيات العربية سيغيب المسلسل اللبناني الذي كان في الطليعة قبل الحرب. فالكتّاب في بيوتهم والمخضرمون في بيوتهم. وأشياء تكتب للتلفزيون من نوع الصراخ وأمام كاميرا واحدة وأشياء لا تتحرك من مكانها ما خلا برنامج فيه نهر من الحنان "ست الحبايب" يعده الزميل زاهي وهبي ومرشح للتطوير.والمفارقة ان لبنان قبل الحرب كان الأول في المسلسلات الدرامية في العالم العربي وبإنتاجات كبيرة. فاذا لبنان صار شائعة ثقافية لولا برامج قليلة يتصدرها برنامج "خليك بالبيت" وبرنامج ما وراء الوجوه لريكاردو كرم وانتاجات مهمة على شاشة "المنار" و"ان بي ان" فيما خلا ذلك لبنان على الضفة الأخرى يضع نفسه في الخارج مع نجوم تحتل انتاجات الشاشات العربية وهاجرت لبنان الى مكان آخر وبأسماء عديدة لا مجال لتعدادها لأنها كثيرة وعلى غير شاشة عربية، فيما كان المفترض ان تكون بيروت هي مدينة الاعلام العربية. وحدة جورج قرداحي استثناءً ترك "من سيربح المليون" وانتقل مع برنامج جديد انساني الطابع أكثر "افتح قلبك" على شاشة "ال بي سي" تلفزيون لبنانبدا هذا العام ان تلفزيون لبنان في دائرة العودة الى الكايبل لكن تبين انها ليست عودة التلفزيون الأول من العالم العربي والرائد في مكانته وانتاجاته السابقة وظهر أكثر ان العودة مرتبطة أكسر باستحقاق وبدور سياسي اعلامي رسمي ليس أكثر.ما بين سوبر ستار وستار أكاديميفي حين لم يحمل برنامج "ستار أكاديمي" مفاجآت منتظرة شكل برنامج "سوبر ستار" مثالاً مهماً على صناعة النجوم والصناعة الفنية التلفزيونية التي تحاول "ال. بي. سي" ان ترفدها بإختيارات ناجحة في "ستار أكاديمي" مطلع العام المقبل."سوبر ستار" على "المستقبل" شغل الناس وحمل أصواتاً طربية ومارسته الناس طقساً ملتبساً من التصويت الديموقراطي لأصواتها الفائزة وكانت بالجملة مقنعة ذكرت بزمن ازدهر فيه الغناء العربي.صور تبقى في الذاكرةمطر من دموع حقيقية هطل والناس وهي ترى الى مشهد عودة الأسرى المفرج عنهم من المعتقلات الاسرائيية في شريط هائل وفي معادلة بصرية ليست اكثرامنية هذه المرة في انتصار الارادة العربية امتداداً لانتصار المقاومة اللبنانية بكل تلاوينها.صورة رسمت خارطة شعورية عربية واحدة جمعت ما بين المدن العربية في بورتريات معنية أمضت سنوات في السجون وجرى لمسها وسهر العالم العربي مع العائدين المحررين على الشاشة والأرض وفي ميدان مسرحة سياسية للصورة والخطب رافقت أوسع أمر عمليات تلفزيوني حرك استديوات الأخبار والكاميرات ما بين بيروت وبرلين.الانتخابات الأميركية والسباقالى البيت الأبيضكانت ليلة تلفزيونية "كونية" بإمتياز إستثنائية في التغطية التلفزيونية العربية والعالمية للانتخابات الأميركية على نحو لم يشهد له العالم مثيلاً من قبل بمثل الزخم الاعلامي والتغطية المباشرة ونقل الوقائع بمعطيات وجماليات الميديا البصرية وتقنيات هائلة حداثية اخبارية وحيوية.الأهم هو المعنى المحدد داخل كادر الصورة حيث التوصيف الحقيقي لناس حقيقية تنتخب رئيسها وليس العكس ولاعلام جريء ينقل الوقائع بحيادية من أرض المعركة الانتخابية.أمر آخر عكسته صورة الانتخابات الرئاسية الأميركية على نحو يجدر ذكره وهو أن العالم لم يعد خرافة في ليلة حفلت بالمفاجآت كفيلم بوليسي مشوق.التغطية طالت شبكات الـ "سي أن أن" و"فوكس نيوز" والقناة الثانية الفرنسية وشبكات أوروبية وفي طليعتها الـ "بي بي سي" فيما انحصرت التغطية العربية بـ "الحرة" و"الجزيرة" فيما الاعلام اللبناني الفضائي جلس في المقاعد الخلفية وبتغطية متباعدة (الحدث مع شدا عمر) والغريب ان التغطية العربية في الخليج العربي قطعها الحداد على رحيل الشيخ زايد بن سلطان. علماً ان التغطية جاءت في ظل الحرب الجارية على العراق الذي كان في قلب السباق نحو البيت الأبيض.تغطية عربية سجلت فيها "الجزيرة" القطرية ضربة حاسمة عصرية فعالة في السياق نحو النجومية بموازاة الاعلام الغربي."الجزيرة" نفسها ما تزال الى اليوم تستهل نشراتها الاخبارية بيان مقتضب تعتذر فيه من مشاهديها بعدم نقل الوقائع الميدانية العراقية نتيجه قرار السلطة العراقية بإقفال مكاتبها في العاصمة العراقية.