«الجمهورية الخامسة» أطول الجمهوريات في التاريخ الفرنسي، والقائمة منذ الرابع من تشرين الأول 1958، هي «بنت اليمين» قبل كل شيء. وهي شكلت صدمة أوّل قيامها لليسار الفرنسي، الذي اعتقد بأنّ اليمين الفرنسي لن يخرج سالماً من الحرب العالمية الثانية، بسبب موالاة قسم أساسي منه لـ«الدولة الفرنسية» التي أعلنها الماريشال فيليب بيتان، فكانت أن انهارت جمهورية اليسار سريعاً.
نهضت الجمهورية الخامسة، بخلاف سابقتها، على مبدأ تقوية السلطة التنفيذية، وبالذات سلطة رئيس الدولة. انقسم الفقهاء الدستوريون في تحديد أصلها وفصلها. فثمة من اعتبرها نظاماً برلمانياً له طابع رئاسي، أو نظاماً شبه رئاسي له طابع برلماني، أو نظاماً «ملكياً – جمهورياً»، للرئيس فيها ما للملك في ملكية مشروطة يسود فيها الملك كمرجعية تحكيم، ولا يحكم.
انقلاب عسكري دائم أو شرعية متينة؟
قامت الجمهورية الخامسة في وقت بدت فيه فرنسا على شفير حرب أهلية، بفعل انفجار نظامها البرلماني المتأرجح وغير المستقر منذ التحرر من الإحتلال الألماني، وتخبّط حكومة اليسار (حكومة «الفرع الفرنسي للأممية الإشتراكية») بعد انخراطها غير الموفق في العدوان الثلاثي على مصر، والانقسام الحاد، داخلها، وبين مختلف القوى السياسية، وبين المدنيين والعسكر، وضمن العسكر، وبين فرنسيي الحاضرة والجزائر، حول السياسة التي يفترض اتباعها في مواجهة الثورة الجزائرية. انهارت «الجمهورية الرابعة» في أجواء انقلاب عسكري، في 13 أيار 1958، بما أعاد الجنرال شارل ديغول إلى الواجهة بعد ابعاد له عن مركز الحياة السياسية دام اثني عشر عاماً. أشرف ديغول على لجنة وضع مسودة دستورها الذي عرض لإستفتاء عام، وسط إعتراض الكثيرين من القانونيين والسياسيين، لأنّ الدستور السابق لم يكن يلحظ تعديلات دستورية يجري عرضها وإقرارها من طريق الإستفتاء. تراجعت هذه المطاعن بعد أن شارك ثمانون في المئة من الناخبين في الإستفتاء، وصدّقوا على الدستور بنسبة 82،6 بالمئة. تراجعت المطاعن لكنها لم تندثر كلياً، فطيلة الستينيات والسبعينيات، سيواصل الزعيم الإشتراكي فرنسوا ميتران تنديده بالجمهورية الخامسة، ويصفها بـ«الإنقلاب العسكري الدائم»، قبل أن يرأسها ميتران لأربعة عشر عاماً، منذ 1981، ويصبح أحد الثلاثة الكبار في تاريخها الرئاسي: ديغول، ميتران، شيراك.
استفتاءات مفصلية
تشكّل الإستفتاءات إحدى السمات الأبرز لهذه الجمهورية الخامسة. من الإستفتاء على دستورها، إلى الإستفتاء على استقلال الجزائر، في 1 تموز 1962، إلى الإستفتاء على انتخاب الرئيس بالإقتراع العام المباشر على دورتين لسبع سنوات، في 28 تشرين الأول 1962، بخلاف ما أتبع في المرة الأولى (في 21 كانون الأول 1958، حيث انتخب ديغول من مجمع انتخابي كبير يضم ثمانين ألف ناخب بين نواب وشيوخ وعُمَد ومندوبي البلديات)، وغيرها من الإستفتاءات المتعلقة بالعملة الوطنية، والإتحاد الأوروبي، والغاء عقوبة الإعدام (1981)، ومجدداً، في الموضوع الرئاسي، عام 2000، تخفيض ولاية رئيس الدولة إلى خمس سنوات، الأمر الذي سيعتمد منذ انتخابات 2002 إلى الآن.
و«الجمهورية الخامسة» ابنة اليمين، ليس فقط في مقابل «الجمهورية الرابعة» ابنة اليسار، بل أيضاً لأنّ أول انتخابات تشريعية قامت في ظلّ «الخامسة»، في تشرين الثاني 1958، حملت معها هزيمة مدوية لقوى اليسار، للمرة الأولى بعد التحرير، بل كانت أكثر جمعية وطنية يمينية منذ مطلع القرن. بالمعيار الشعبي: 11،5 مليونا من أصل 20 مليونا انتخبوا، صوتوا وقتها الى مرشحي اليمين. ويمكن القول في شيء من المجازفة، أنّ هذه الأرجحية الشعبية لليمين لم تتبدّل على المدى الطويل من يومها. بمعنى أنّ اليمين ينطلق دائماً في فرنسا من أفضلية شعبية، فكي يفوز اليسار عليه، على الأخير أن يكون موحداً أكثر وأن يستفيد من انقسام اليمين.
الديغولية وما بعدها
في كتابه الصادر حديثاً، «تاريخ اليمينات في فرنسا من 1816 الى أيامنا»، ينبهنا المؤرخ جيل ريشار إلى أنّ الإصلاح الدستوري في إتجاه تقوية سلطة الرئاسة، طرحته قوى اليمين منذ مطلع الخمسينيات، وقبل أن يعود ديغول إلى الحكم، وأنّ المهندسين الفعليين لهذا الإصلاح، ولمسودة الدستور الحالي، لم يكونوا في صيف 58 في وارد التخطيط لتعبيد الطريق لديغول كي يرأس فرنسا عشرة أعوام، بل كانوا يعتقدون أنّ مدنياً مثل انطوان بيناي، هو الذي سيتبوأ السدّة الأولى. بيد أنّ ديغول فرض نفسه لأسباب عديدة، منها ما يمكن فهمه من اندريه مالرو حين كتب أن «مناهضي الديغولية يعبّرون عن أنفسهم بالحجج، أما الديغولية فتعبر عن نفسها بالرموز». استطاع ديغول انتاج معنى جديدا للوطنية الفرنسية، في ظروف ما بعد الحرب العالمية الثانية، وإلى وطنية تكون متوازنة في علاقاتها الدولية، وغير معوّلة على استمرارية الإمبراطورية الإستعمارية الفرنسية، بل تتخذ القرار التاريخي بالتفاوض مع جبهة التحرير الوطني الجزائرية، ثم الاستفتاء على استقلال الجزائر، ومواجهة انقلاب العسكر بقيادة سالان الناقمين على هذا التوجّه. اقتبس ديغول شيئاً معيّناً من كل واحدة من التقاليد السياسية التي تشكّلت منها مروحة اليمين الفرنسي التاريخي. البعض سيعتبر نموذجه استمرارية للنموذج البونابرتي (رئيس الدولة صاحب الصلاحيات القوية المفوض من الشعب على رأس كل النسق الوطني). فهكذا صنفه مثلاً المؤرخ رينيه ريمن في كتابه المرجعي عن تاريخ اليمين، والذي ميّز فيه بين ثلاثة تيارات يمينية تاريخية فرنسية: تيار المحافظة على ما يمكن الحفاظ عليه من تقاليد فرنسا ما قبل الثورة، تيار الملكية المشروطة ومن ثم الليبراليين، وتيار الرأس القوي للدولة، البونابرتيين ومن ثم الديغوليين. في مقابل هذه الثلاثية، يمتاز كتاب ريشار الصادر قبل أشهر بأنّه يتحدّث عن نحو خمسة عشر «عائلة سياسية كبيرة» أو تيار تاريخي في اليمين الفرنسي على مدى القرنين الماضيين، ولو أنّه يخلص في النهاية إلى أنّه مع استمرار ثانوي أو هامشي لعائلات كثيرة منها، فإنّ ما بقي اليوم، بعد أفول الديغولية، هو التيار اليميني الليبرالي، الذي يمثله اليوم في الانتخابات فرنسوا فيون، وقبل ذلك نيكولا ساركوزي، والتيار اليميني القومي، الذي تمثله مارين لوبن.
النواة الدستورية
تقوم النواة الدستورية للجمهورية الخامسة على معادلة مزدوجة: الجمعية الوطنية يمكنها الإطاحة بالحكومة، كما في أي نظام برلماني، ورئيس الجمهورية هو من يسمي رئيس الوزراء لكنه لا يمكنه أن يقيله. في المقابل يمكن لرئيس الجمهورية أن يلجأ إلى حل البرلمان (الجمعية الوطنية) بعد استشارة رئيس حكومته (الوزير الأول بالفرنسية)، ورئيس كل من مجلسي النواب والشيوخ الذي تتألف الجمعية الوطنية منهما. وكانت آخر مرة لجأ فيها رئيس لإستخدام صلاحيته تلك، بحل البرلمان والذهاب إلى انتخابات مبكرة، في نيسان 1997، أيام جاك شيراك.
لا يلغي هذا ظهور قراءات مختلفة للدستور الفرنسي، منها ما يتوسّع في مكانة الرئاسة وصلاحياتها، ومنها ما يهتم بالحدّ منها أكثر، وهي قراءات لم تكن مفصولة عن الممارسة. ثمة بعد كل شيء، النموذج الذي وطّده شارل ديغول، والذي يحرص فيه رئيس الدولة على ربط الدفاع والسياسة الخارجية بشخصه، بحيث يكون لهاتين الدعامتين السياديتين استقلالية نسبية عن الأحجام داخل البرلمان. وثمّة تجارب المساكنة بين رئيس الدولة وبين أكثرية برلمانية، وبالتالي حكومة معارضة له، وكانت أول مساكنة هي تلك التي فرضها الديغوليون (التجمع من أجل الجمهورية) بقيادة جاك شيراك على ميتران عام 1986، وانتهت بحل ميتران للبرلمان بعد ذلك بسنتين، ثم المساكنة اليمينية، بقيادة ادوار بالادور، مع ميتران بين عامي 1993 و1995، وأخيراً مساكنة «اليسار المتعدد» بقيادة ليونان جوسبان في رئاسة الحكومة، مع جاك شيراك على رأس الدولة، بين عام 1997و2002. زعزعت هذه المساكنات من سردية «السلطة التنفيذية المتجانسة» المحببة عند شارل ديغول.
بيد أنّ حصول المساكنات بات أصعب بعد التعديل الدستوري الذي قضى بتخفيض ولاية رئيس الدولة من سبع سنوات إلى خمس، بدءاً من انتخابات 2002، أسوة بأعضاء البرلمان، واتباع مبدأ التعاقب السريع بين كل من الإنتخابات الرئاسية، والإنتخابات النيابية، وهذا يعني أن فرنسا التي ستنتخب رئيسها الآن، في دورتي 23 نيسان و7 أيار، ستذهب بعد ذلك إلى انتخابات تشريعية في حزيران.