اختتم الفنان وساحر الكمان المبدع جهاد عقل «مهرجانات ذوق مكايل الدولية» مساء الخميس في حفل موسيقي ضخم عزف فيه بشكل متواصل لمدة ساعة ونصف الساعة في أجواء حالمة وصاخبة في آن جعلت المدرج الروماني الذي ضم الآلاف من الحضور يتماوج بانفعالات الحاضرين وتجاوبهم غناء وتصفيقاً مع الفنان المبدع الذي قدم اجمل ما لديه مع فرقة الأوركسترا الفيلهارمونية اللبنانية بقيادة المايسترو اندريه الحاج، وكان ذلك بحضور عدد كبير من الشخصيات السياسية والفنية وفي الصفوف الأولية وزير الثقافة ريمون عريجي والسفير البريطاني والسيدة منى الهراوي وحشد كبير ملأ المدرجات.
وقد بدأ الاحتفال عند الساعة التاسعة مع مقطوعة بعنوان «ويبقى الوطن» وهي من ألحان المايسترو اندريه الحاج لينتقل بعدها الى مجموعة مختارة من الالحان تتوافق مع توزيع يضع آلة الكمان في الواجهة، وكان عقل يتنقل بجمالية وخفة وبراعة بين لحن وآخر، فاستطاع ان ينقل الحاضرين الى عالم من الانفعالات الصاخبة والجميلة فكان ان انتقل الجمهور من صفة الاستماع الى المشاركة الفعلية، فراح الجميع يصفق ويغني، وقاد الأوركسترا اندريه الحاج باحترافية عالية، وتنوعت الآلات المشاركة في الأوركسترا ما بين الغربي والشرقي، كما شارك عزفاً موسيقيان من مصر يرتديان الزي الفولكلوري المصري التقليدي مع الآت غالباً ما تستخدم في الالحان الشعبية: ربابة ومزمار فعزفوا معًا «مستنياك» لعزيزة جمال وغيرها...
وقدم عقل خلال الحفل من الالحان الرحبانية: «انا لحبيبي وحبيبي إلي» ومن فريد الاطرش: علشان ما ليس غيرك» وايضًا «البنت الشلبية» ومجموعة من اغنيات وديع الصافي: «لبنان يا قطعة سما» و»جنات ع مد النظر»، ومقتطفات من اغنيات ميادة الحناوي ومن ام كلثوم «انت عمري» التي شكلت نقطة الذروة في السهرة حين غنى الجمهور مع عقل عزفاً.
وقد رافقت الأوركسترا الوطنية الحفل بقيادة اندريه الحاج باحترافية كبيرة، والحاج شارك سابقاً في مهرجانات محلية (البستان) وعالمية (المانيا، فرنسا) سابقاً، اما التناغم والانسجام بين الأنواع الموسيقية التي قدمها عقل، فقد كان في ذروة التألق، وتنوع الحفل ما بين الشرقي والغربي ومعزوفات كلاسيكية (من ألحان غربية) وأخرى فولكلورية اداها جميعها بجنون الكمان وعشقه الى حد لا يوصف، وهذا المزيج الرائع اطفأ حر ولهيب تلك الليلية الصيفية.
ولجهاد عقل مسيرة ابداع بدأت في سن السادسة حين نال جائزة تقرير من «المعهد الوطني للموسيقى» بعد حفل مميز للمواهب الشابة في لبنان، وكان في الرابعة عشرة حين عين كعازف في الاذاعة اللبنانية وكان الاصغر سناً في تاريخ الاذاعة وهو اسس بعدها فرقاً موسيقية عدّة لكبار الفنانين: فيروز، وديع الصافي، ماجدة الرومي وغيرهم... الا ان تميز جهاد عقل في اسلوبه المنفرد على آلة الكمان حيث دمج الشرقي بالغربي بأسلوبه الخاص، جعله يصبح سريعاً واحداً من أهم العازفين في لبنان والعالم العربي، وعقل وهو من اصل فلسطيني والمولود في لبنان قد امضى طفولته مفتوناً بآلة الكمان التي يبدو انه عرف بحدسه انها هي التي ستجعله يتخطى واقعه ليعيش اجمل حلم يتمناه اي فنان.
بالأمس، وربما كما عدد كبير من الحفلات التي اعتاد جهاد عقل ان يقيمها، كان حفل هذا العازف الملهم «عاشق الكمان» محطة ساحرة من محطاته التي يسجل فيها لحظات مهمة من تاريخ الفن العربي. وبعد ساعة ونصف الساعة من العزف المتواصل الذي قدمه وهو مغمض العينين مسحوراً حيناً ومتنقلاً بخفة على الخشبة حيناً آخر، انتهى حفل عقل في الذوق والحاضرون لا يريدون المغادرة، فالوقت كان اشبه بلحظات قصيرة هاربة انما تركت التماعاتها وبريقها في قلوب الحاضرين وذاكرتهم.