اذا كانت الديموقراطية هي من الشعب الى الشعب ومن اجل الشعب واذا كانت الديموقراطية هي افضل الانظمة السياسية واذا كان القضاء هو من اجل الشعب فلماذا هذا التباعد بين الإعلام والقضاء؟ ولماذا هذا الكسر الدائم للتابو الآخر، الديموقراطية والبحث عن دين جديد يعيد التوازن القائم بين السلطات الدستورية الثلاث؟ القضاة ليسوا وحدهم اصحاب السيادة وعلى علاقة بكل الشروط الآيلة لتطور لدولة وقضايا الناس والسلطة القضائية معنية بالتواصل مع الإعلام باعتبارها ايضاً تمثل الشكل الاعلى في القيم الاخلاقية.
القانون الدستوري يشير الى الديموقراطية والتواصل مع الرأي العام، هو منظم داخل الدولة ومصدر للممارسة السياسية كما السلطة القضائية، والإعلامية لا يطال كل الشعب، وهذا التنظيم بين الانساق السياسية والإعلامية والقضائية محكوم بقيود وفرص ولكنه يسمح بمشاركة الشعب للسلطة عبر ممثليه بالعملية الاقتراعية.
لماذا الجهاز القضائي الذي تطور تطوراً كبيراً في الخمسين سنة الماضية كسلطة لم يستطع ان يتكيف محلياً مع كل التحولات وان يعرّف عن نفسه جيداً؟
ما هو العائق او ما هي العوائق، هل هي السلطة السياسية ام السلطة الامنية ام السلطة الاقتصادية لطبقة حاكمة قد ترى في الديموقراطية عدواً مباشراً لها؟
ومع صعوبة التعميم، كل هذا لم يمنع مستشار التواصل الخبير في الشؤون الاعلانية والإعلامية رمزي النجار ان يسأل عن صمت القضاء في اصدار جديد عن «دار نوفل» للنشر حمل عنوان «الحركة والسكون، الإعلام والقضاء».
وغاية البحث «ان يرفع الساتر بين القضاء والإعلام، اذ من الحتمي ان نلم بأسلوب القضاء والقانون في اعتماده الإعلام والتواصل وكيف يستخدمه؟ متى؟، لماذا؟ هل هو محاكاة مع ادوار العصر وتكنولوجياته؟ كيف يثير القضاء مقولته «لا احد مبرر له ان يجهل القوانين، اذ هو لم يعتمد التواصل والإعلام والاعلان كي يجعل كل الناس على علم ومن دون جهل بهذه القوانين؟ كيف «للمغفلين» ان يحموا انفسهم من «الغفلة» في غياب إعلام وتواصل واعلان؟».
اذاً القضاء ليس حياديا عن الدور الشرعي الموكل اليه بتعميق الديموقراطية. اليس صحيحاً أنه حين يسكت القضاء طويلاً من الوقت يتحول الخطاب السياسي والاجتماعي والعرف الديموقراطي الى ايدٍ اخرى؟
وهذه الديموقراطية «الكاريكاتورية» ألا يتحول معها القضاء «الساكن» كما المرسلون والأديان؟
بالتأكيد ليست هي ديموقراطية اليونان، ولكنها ليست اليوم ايام النظام الروماني نفسه والسلطة المفروضة قسراً على الاراضي والامكنة والناس.
رمزي النجار بحث في هذه الاشكالية اي العلاقة في الإعلام والقضاء بين الساكن والمتحرك وفي ذهنه ان القضاء مثل الديموقراطية العميقة مثل الشمس التي ترسل اشعتها على المواطنين جميعاً ويعتبر الجميع ان الاشعة بين ايديهم.
والديموقراطية التي لا تخضع لمعارضة تعود الى «الشكل والتسليع وما عاد الجدار الصيني العملاق يفصل المتلقي عن كل ما يجري حوله من تحولات والبلدان التي ليس فيها قضاء هي اماكن غير محترمة والشرط الانساني فيها غير موجود والمواطن مخير فيها بين خيارين لا ثالث لهما اما الامن او الحرية».
يطرح نجار الاسس النظرية والمفاهيم التطبيقية للديموقراطية التي تصبح باطلة اذا ما سكن القضاء وهو لا يتحدث عن الاعلان الذي له فيه باع طويل. وقد هجره ليس من قبيل التهميش لدوره في مجال التسويق حتى للافكار والاشياء، لكن الإعلام يحمل رسالة ثقيلة قديمة وجديدة من المهم ان تهتم برسائل اخرى غير مصلحة الاعلان القصيرة الاجل ولا تتسبب بالتلون الاعلاني في احيان كثيرة، علماً ان الاعلان هو جزء من التواصل، ولا تقل عن 10%من الأعمال التواصلية الأخرى التي تشغلها وسائل الإعلام الجديدة». (يقول نجار في حديثه الى «المستقبل») ينقسم الكتاب الى سبعة فصول:


الفصل الاول: القضاء من الولادة حتى اليوم وعبر المحطات المفصلية في مدخل تاريخي يعود إلى مرحلة ابداع الصينيين في الريادة والاسبقية في اعتماد مبدأ العقاب واول التأريخ للقانون الذي ولدته الانسانية يعود الى عهد الامبراطور الصيني غوست قبل الميلاد منذ عهد سلاسة «شيا» (Xia Dynasty).
الفصل الثاني: القضاء والإعلام عبر التاريخ همسات السكون وصرخات الحركة.
الفصل الثالث: ثنائيات القضاء في ظلال الإعلام:
- القانون والعدالة.
- الدستور والميثاق.
- التشريع والشرعة.
- القضاة والمحلفون.
- الصورة والشمعة.
الفصل الرابع: القضاء كما الإعلام: من الشرعة الاخلاقية الى الضوابط.
الفصل الخامس: لماذا تحتاج السلطة القضائية الى التواصل.
الفصل السادس: استراتيجية القضاء التواصلية.
الفصل السابع: الاستشراف. الحاضر يحاكم الماضي في العودة إلى سلسلة محاكمات قضائية شهيرة بالامس والنظر اليها بمفاهيم اليوم وتكنولوجياته من محاكمة جاك السفاح ومحاكمات نورنبرغ، ومحاكمة سيمبسون، ومحاكمة ما بعد اغتيال رفيق الحريري والخلاصة ماذا لو؟ ماذا لو كان هذا التواصل قائماً كما هو عليه اليوم في عصر الداتا المعلوماتية، ثورة الداتا التواصلية مع القضاء؟
ويشرح نجار «ان الاصدار يأتي في اطار سلسلة كتب انجزها وبعد «وجهة نظر، سفر» والذي حدد فيه الفرق بين البروباغندا والإعلام والبروباغندا نشأت بطريقة بدائية وكان من الصعب توثيقها بمرجعية مستقلة على انها اشتهرت اكثر ابان الحربين العالميتين ولكن لا تزال انظمة كثيرة ايديولوجية او ديكتاتورية تعتمدها، بعد هذا الاصدار اتى الاصدار الحالي عن الإعلام والقضاء ليفكك هيكل الديموقراطية الذي يقوم على اعمدة: السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية والسلطة القضائية والسلطة الرابعة وان كانت الاخيرة ومن المفترض ان تكون اللاعب الحر والمستقل خارج دائرة هذه السلطات الثلاث تأثيراً وتأثراً بها. ثم ان العلاقة بين السلطتين علاقة جدلية ما يعجز عنه القضاء يعالجه الإعلام وبالعكس في توازن دقيق تخترقه ظاهرة «سكوت القضاء» وهي ظاهرة حوّلت السلطة القضائية الى ما يشبه تمثال ابي الهول». وهذا كان متواترا قبل ثورة المعلوماتية والتواصل والثورة التكنولوجية الصناعة الثالثة في ميديا شبكات التواصل الاجتماعي التي حولت كل مواطن الى مواطن إعلامي ما يحاصر «النرجسية القضائية» بالركون الى مذهب الصمت او الجلوس والسكون امام ضغط التواصل والأحداث على صناع القرار السياسي او الاداري وامام إلحاحات الطارئة، الامر الذي لم يعد يجيز مقابلته من قبل القضاء بالسكون«.
ويضيف نجار «انا لعبت على القاعدة اللغوية اللفظية التي تقول بعدم التقاء ساكنين، وقلت ان القضاء يلزمه شيء من الحركة وشؤون الساعة والقضايا العابرة للحدود وعولمة المشاكل وتأثيرات العولمة التي لا تزال قائمة وبتفاعل جديد مع الدور الذي يلعبه التواصل، الدور الكبير الذي يؤثر فيه على الإعلام نفسه ما يدفع السلطتين القضائية والإعلامية لأن تلتقيا في الحياة».
ويضيف: «ما عاد في قضاء ساكن في العالم، الكل يهتم بالكل، الكل يعاني، الكل معني بالوجه غير العابس للحياة، الكل معني بالحرية والديموقراطية والكل معني بالعدالة والقضاء يخدم وظيفته أو لا يخدم ذلك ان النهر الذي يجتاح المدنية لا يخدم احداً اذا كان مصدر النبع ملوثاً كما يقال».
ويؤكد نجار على القضاء كسلطة مستقلة والتي تمارس رقابة مباشرة دقيقة على مسألة الفصل بين السلطات وتراقب عمل السلطتين التشريعية والتنفيذية وتحرص على أن تكون الديموقراطية هي حكم الشعب للشعب وبواسطة الشعب.
ماذا لو؟
فصول الكتاب لا تتوقف هنا بل تطرح أفكاراً وأسئلة من مثل ماذا لو؟ ماذا لو كانت لدينا «داتا« المعلومات من سلسلة في المحاكمات التاريخية، ماذا لو كانت وسائل الاتصال موجودة في محاكمات كثيرة أو محاكمة ما بعد اغتيال الحريري وفي داتا يمتلكها أفراد على شرائط هواتفهم، ومحاكمات الحريري لا تزال تستند إلى شريط فيديو واحد التقطه بنك اتش إس بي.سي في المحلة. ماذا لو كانت الشرائط والشرائح التلفونية والتصويرية متوافرة بأيدي المواطنين كما هي الآن، كم شريط مصور كان بالإمكان التعامل معه في الشهادات؟
وبالذهاب إلى الأمس البعيد مع أحداث ومحاكمات تاريخية نادراً ما وصلت فيها المحاكمات إلى نهايات. «وكان يمكن أن تذهب فيها الحقائق إلى أمكنة أخرى لو كانت هذه العلاقة بمثل هذه التواصلية المرتجاة بين الإعلام والقضاء« يقول رمزي النجار:
«محاكمات بتواريخ كما قصة جاك السفاح أواسط القرن تعود إلى أواسط القرن السادس عشر، محاكمات الحرب العالمية أو سيمبسون، صدام حسين، إلى محاكمات ما بعد اغتيال الرئيس الحريري، لم تنته إلى معرفة القاتل وقد عدت إليها إلى المحاكمات القديمة من باب الخيال العلمي والافتراضي وعلى نحو سردي ممتع ومثير ومشوق وسألت: «ماذا لو كانت التكنولوجيا متواجدة بهذا الحضور والزخم أيام الجرائم؟ وماذا لو كنا أمام الاستخدامات الحديثة لمادة DNA، أو استخدام الكاميرات المنتشرة في كل مكان والتي تصور كل الناس وتجعل كل الناس من ضحاياها؟«.
ويضيف: «النظام الديموقراطي هو نظام يقوم على توازن دقيق بين السلطات والسلطة التشريعية المعنية بإصدار القوانين والتشريعات أو سنّها، في حين تعمد السلطة التنفيذية إلى استخدامها ودور السلطة القضائية أساس في حل الخلافات ودور الإعلام أساسي يعطي مؤشراً على المسارات والتحولات السياسية والاجتماعية الأمر الذي يدعنا نفترض أشياء لجهة التواصل بين السلطتين وتقول إن السلطة القضائية يجب ألا تكون سلطة تجميلية، كما نراها، بل سلطة حقيقية تقول أشياءها وهي صرخة الكتاب ودعوة السلطة القضائية لأن تلقي عنها السكون إزاء قضايا عدة يراد تفعيلها، لأنها، أي السلطة القضائية هي السلطة الفعلية ودور السلطة الرابعة والميديا الجديدة أن تكون آخر شبكة أمان للشعب كي لا يستغل أو لا يقهر ولا يهان«..
ويسأل نجار «هل الجسم الطبي يمكن أن يعمل فيه طبيب من دون قسم أبوقراط.. تتحول الأمور إلى كارثة، والإعلام يتحمل مسؤولية اجتماعية وأخلاقية لمواكبة القضاء... وحتى الصمت والسكون الذي يتحجج به القضاء، حتى هذا الصمت هو تواصل«.
ويضيف نجار «بمعنى آخر السلطتان القضائية والإعلامية تحتاجان إلى الدعم بوجه سلطات أخرى غير مضمونة من الشعب ولا تقدم السعادة للناس«.
ويؤكد نجار على أن «التوسع في شبكات التواصل والتقنيات في المدينة اليوم سيؤدي إلى تحول لا يتوقف ومشهد سيولي ولا ينفع معه هذا المشهد التراجعي أو الانكفائي للقضاء.. وسأل ما الحل، ما العمل؟ في عالم يشهد صراعات حادة وحالات فساد هائلة وما الذي يبقى غير تابو واحد يجب أن لا يكسر هو تابو الديموقراطية؟«.
علاقة جديدة
مادة إعلامية يجمع فيها رمزي النجار صاحب الباع الطويل في ميدان الإعلان، ما بين التطبيق والنظرية ومادة قابلة للنقاش ووسيلة للتواصل مع مجموعة أفكار فيها صوغ علاقة جديدة بين الإعلام والقضاء «كي لا نفقد الديموقراطية«.
«.. وكي لا نفقد الأمل أن نرى إلى حقوق الإنسان محترمة والتعايش بين الساكن والمتحرك التقليدي ما عاد ممكناً في عالم مفتوح والأمر يتجاوز ذلك حيث لا أحد يريد اليوم التخلي عما يعتقد أو يفكر«.
الكاتب يحاول أن يطرح هذا الرهان بفصوله السبعة وبإجراء مقاربات مع محاكمات سابقة والعملية قد لا تكون سهلة مع طبيعة التضاد بين شخصيتين مستقلتين بالطبيعة وليس المطلوب الخلط بين مجتمعين بطبيعتين مختلفتين عملياً. لكن مسألة التواصل لم تعد مسألة معيارية، وتقدمها يفرض تواصلاً أكثر ونحو الأفضل مع باقي السلطات وإمكانية القيام بشيء ما، ليس كل شيء، ليشعر المواطن العادي بالسلطات نفسها وبالأمان وكجزء من استراتيجيات واستشراف ما قد يمثله هذا القدر من التفاعل. والقضاء خلق لهذه الوظيفة، احترام حقوق الإنسان غير احترام الدولة ومؤسساتها الحكومية وبالتالي القضاء ملزم بالتفاعل مع ملامسة وعي نقدي للعقل السياسي، ويمضي بمواجهة الجريمة والإرهاب والاستبداد ومواجهة حتى حملات التضليل الإعلامي أو حرب التضليل الإعلامي نفسها والتشويه وتسليع الأفكار وملامسة وعي نقدي جديد عند الناس «من النوع الذي يعبر عنه إعلان «أنت ما تفكر، نحن منفكر عنك« على سبيل المثال.
كتاب من سلسلة تتماشى مع مسار إعلاني وإعلامي اشتغل عليه نجار واشتغل عليه مع ناس إعلاميين وسياسيين يشبهونه ومعنيين بذلك الفضاء ومعنيين أكثر في استقرار العلاقات الإنسانية والاجتماعية في حياة تتحول أكثر تعقيداً.
لا خاتمة في الكتاب. لعبة يتقنها رمزي النجار في الوصول إلى نهايات يعود بها إلى بدايات، يقول «هذه هي لعبة البحث عن الحقيقة، أنا أسعى إلى مقاربة افتراضية لهذا الأثر التواصلي والتفاعلي وما قد يتواءم مع سلطة القضاء وسلطة الميديا وما بين النسقين، ما يجعل حياة الإنسان أكثر قبولاً وأكثر اطمئناناً.. وقصدت بالمحاكمات الجزء السردي ليس استطرادات افتراضية بل تلمس استراتيجية تضمن الحماية للفرد، كما تضمن سيادة الدولة وعمل مؤسساتها في ظل القوانين وأنا أحاول أن أكتشف فائدة هذا التواصل وسكون القضاء استغرق النقاش الأكثر يوتويبية«. ويختم النجار حديثه: «لا يجب إذاً أن نحصي بعد اليوم الصمت، بل نصغي إلى قوة الحقيقة والتي يملك القضاء وحده سلطة التعريف بها وتحقيقها«..