يعرض الفنان إيلي بورجيلي مجموعة من أعماله في غاليري «جانين ربيز» الروشة ويحمل المعرض عنوان: «مارودار»، في مساحة تجريبية مهمة من الحركة باللون والتركيب واللعب بالأشياء كأنها هيئات مشققة وإيحاءات تذكر بعالم «الأمير الصغير» لسانت إكزوبيري.
نحو عشرين عملاً بأحجام مختلفة مركبة من ملصقات والتعشيقات مواد بسيطة جداً تشبه لعبة الفقير في قصيدة بودلير «Le Jouet du Pauvre» وعلى أرضية كرتونية في موتيفاتها الخام وبتجهيز حي وكتابات غرافية وتصويرية وهيئات غير واضحة المعالم.
وتنتمي الأعمال المعلقة إلى عالمين مختلفين مناخاً ونصاً تشكيلياً لجهة استمرار التعاطي مع الإنسان القديم. أساطير وقصص وخربشات وألعاب وتآلف مع أشياء بدائية وتراثية مع عالم معاصر في تجهيز قاتم على تنافر المواد وتأهبها للخروج إلى مدارات مختلفة.
أعمال تأخذ المشاهد إلى جاذبية لعبة ذكية «مشيطنة» مموهة بإيحاءات وملامح الأشياء وملامح دلالاتها أكثر من الأشياء نفسها على نحو تجمع المواد ورموزها واصطدامها وتناثرها وتجمعها على الكرتون نفسه.
يعمل إيلي بورجيلي على أشياء المادة، على ذاكرة محلية لواقع يمكن إعادة بنائه وإعداده وترميمه وتشكيله من جديد بكل ما يحيط به من ألوان وزخرفة مرمزة وتجهز مادة وملصقات وخشبة هنا أو حجارة وصورة هناك، وكتلة لونية في تلك الزاوية تخترق عزلة الجسد.
المواد مؤطرة في تجميع بسيط، في نص تشكيلي متقشف ومن مواد أولية، تستقي مؤثراتها من الفنون البدائية الإفريقية والفرعونية والسومرية، أي في عالم بعيد نسبياً من التضليل البصري بالإفراج عن مساحة لونية أو قطعة مادية.
تجهيز يوحي بحركته وديناميته بالأشكال وهندستها على شكل نافذة أو شبك أو حتى مساحة فارغة تشغلها العناصر المستخدمة.
كل الأعمال فيها التعلق بالأرض مع كل تلك الأشياء العادية جداً على السطح ومع الألوان الفاتحة التي ترمز إلى مضامين العناصر والزخرفة وهيئات المكان الذي يقصده بورجيلي في الخلف والذي يبدو ودياً.
فنان بمزاج مروع يقوده إلى اكتشاف قيمة الأشياء البسيطة، أفضل قيمة يمكن أن تجلو عنها الأشياء وتلك العلاقات البسيطة والرغبة من تحت التعقيدات وبعيداً عن الرسم التخطيطي شكلاً للتعبير وما يملأ الفراغات السلبية زاوية الحياة نفسها أو وسطها أو أمامها أو ما خلفها.
ما يقوله المعرض أن الجمال قد يكون مصادفة الأشياء نفسها، لعبة، كذبة إذا لم نستفد من ظل الأشياء نفسها أو من ذاكرتها لتكوين ما. ولو كان تكويناً مشوّهاً أو بسيطاً بالشكل والتشخيص العادي. لكن الأمر بمقدار ما يحمل مصادفة يحمل ثرثرة ما وسوريالية ماغريت المتأخرة.
وبورجيلي يملك طاقة وشغفاً ويعمل مع الأشياء التي يحبها وبداخلية فرحة وجواباً لشيء ما يأتي إلى اللوحة أحياناً بالمصادفة، لكن العلاقة الفيزيائية بين الأشياء وعلاقة الحوار معها وبما لا يعترض السيطرة عليها لا سيما حتى يأتي إلى أشيائه بالألوان والضوء وبالأصفر والأخضر والأحمر والأزرق ويستعمل الألوان مساحة حوار تشكيلية تصير حياة وجماليات غير ثابتة.. خصوصاً وأن بالصورة الفوتوغرافية تكتمل اللوحة التي تبدو مفقودة أساساً في التجهيز والتي هي متروكة لعين المشاهد لكي تجمعها كيفما تشاء، وهنا ربما جمالية مثل هذا النوع من التجهيز المتروك في مكان ما والموضبة، لكنها مبعثرة من احتمالات الزاوية التي تراها عين الزائر. والأخطر وربما الأجمل لا أدري السؤال عن اللوحة في كل هذا، وما وراء التجهيز نفسه ومع نهاية القصة نفسها، وهي فكرة لا تعطي الأمان لا للزائر ولا للفنان، بل تقود إلى بحث آخر وربما هندسة تجريبية أخرى لتجهيز ذهن يعاد تركيبه في كل مرة مع كل الإضافات الممكنة وما وراء «المارودار».